أم الدنيا - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

أم الدنيا

  نشر في 11 يناير 2019 .

(سيداتي سادتي ، حضرات السادة الركاب يرجى منكم ربط أحزمة الأمان ، استعدادا لهبوط الطائرة بمطار القاهرة الدولي،شكرا لكم لاختياركم طيران العربية ونتمنى لكم إقامة سعيدة )، لطالما باغتتني تلك العبارة الصادرة من "ميكروفون" كابتن الطائرة ،كان يقولها بسرعة منتظمة على خلفية موسيقية مميزة لازالت تتردد في أذني حتى الآن ، لقد وصلنا إذا ، طالما انتابني الحماس في كل مرة نهبط فيها الى هذه الأرض ، سأتنشق نسيم الوطن، سنلقى الأهل والأحبة ،وسأرتوي من مياه النيل ، وهذه المرة مختلفة ، إنها المرة الأخيرة ، وقد تقرر أن تكون الاقامة أبدية ،هذا جيد ، أخيرا لن يكون هناك من مجال لتمييز أو عنصرية ،لن يطلق علي لقب "الوافدة" ،سأحصل على حقوقي كاملة كأي ابن لهذا البلد ، سأكون بخير هنا.(هناك حدود للسذاجة ولكني أعتقد أني تخطيتها آنذاك) .

المطار هو محطة الأحبة ، هنا قبلات وعناق ، فرحة بلقاء ، ودموع فراق ، أناس قد تراكم عليهم غبار الانتظار ، انتظار غائبهم الذي ربما لن يعود أبدا ، ولمطار القاهرة جو خاص ، فور أن تدخل تجد الجميع قد انقض عليك ، يتصارعون على حمل أغراضك و حقائبك_دون استئذانك_ وربما حملك شخصيا إن تطلب الأمر ، وإن كنت مسافرا منفردا ،فلتحذر اذا فإنك فريسة ثمينة ، وفور أن ينهي الجميع من مصارعة الثيران هذه ، وينتصر فيها من ينتصر وينجح في ايصالك إلى سيارتك الخاصة متفوقا على اقرانه ، يقترب من أذنك هامسا " الشاي يا أبلة " ، والشاي هنا يختلف عن المشروب الأحمر الذي خبرناه ، إنه يقصد أتعاب مشاركته في صراع العروش هذا وتخطيه قطيع البشر وايصالك إلى بر الأمان ، يقصد النقود ، وإني لطالما تساءلت عن وجه العلاقة بين النقود والشاي ؟ لم هذه الكناية المبهمة ؟ أم أنها محاولة خرقاء لتضليل عقلي الصدئ لأقحمه في حسابات جغرافية معقدة لتحديد أقرب كافتيريا تبتاع شايا لأرد لهذا الشاب صنيعه القيم ، حتما يجب ان تدرج هذه الكناية وغيرها في معجم خاص لتفادي مثل تلك المواقف ، نأتي إلى طريق السفر ، أو ربما تتمة رحلة الطيران ، لا يوجد هنا ما يسمى بقواعد المرور ، يوجد ما يسمى ب (البقاء للأسرع) ، لا شأن لي إن لم تنجح في عبور الطريق ودهستك بسيارتي اولا ، اللوم عليك ، كان عليك أن تكون أسرع ، لا شأن لي إن صدمت سيارتك في تقاطع ما ، كان عليك أن تكون أسرع ، وإن لطريق السفر متعة خاصة ، إنه يمنحك شعور الطيران وأنت على سطح الأرض ، لطالما تخيلت أن جناحان سينبثقان من جانبي السيارة ونحلق في أعالي السماء كما حدث في سلسلة أفلام هاري بوتر ، وإن كنت في زحام ما ، فاستعد لسماع سيمفونيات عذبة لأبواق السيارات الصاخبة ، مع سيل من الشتائم والسباب لأي شيء ولكل شيء ، الجميع هنا يعتقد أن الصوت العالي بطل خارق ، عصا سحرية قادرة على إنهاء أي أزمة تواجهه ، وكم تمنيت أن يرتفع صوت العقول قليلا عن الأفواه ، لا بأس ، لا شيء كامل في هذا العالم .

هنا تستطيع أن تميز جيدا حين تدخل حيا سكنيا ، خاصة إن كانت منطقة شعبية ، تجد جملة من الأطفال يقفزون على سيارتك وكأنك في سيرك للقرود ، يهللون ويصرخون وكأن البلياتشو قد اقتحم المكان ليؤدي العرض المرتقب ، تجتازهم بأعجوبة حتى تصل الى منزلك ، ويا تعس حظك إن كنت من قاطني عمارة سكنية ، ستقدر الآن نعمة الهدوء وصفاء الذهن ، الجيران في حملات تنظيفية لا نهائية ، وكأن معركة عين جالوت قد احتدمت بالأعلى ،لن تهنأ بالنوم بعد الآن، ناهيك عن مباريات كرة القدم التابعة لدوري أطفال الحي أسفل شارعكم ،وبامكانك الاستمتاع ببث مباشر مع تعليق مميز أو صراخ مميز لأحدهم ينقل لك مجريات المباراة لحظة بلحظة، وسيارات مرتحلة بأصوات أغان تارة ، وآيات قرآنية تارة أخرى ، وياحبذا من سهرة مسائية على أنغام عرس في الجوار ، أقترح أن تودع الهدوء الآن وإلى الأبد .

المكان هنا مفعم بالحياة، المدينة لا تنام ، والأنوار مضاءة على مدار الأربع وعشرين ساعة ، المرافق الترفيهية تعد على الاصبع ، ومع ذلك لا يخلو الشارع من الحركة ، الشباب على القهوة ، والفتيات ربما يحظون بنزهتهم على كورنيش "بني سويف " للمرة الألف بعد المئة ، والعجيب أنهم يقضون أوقاتا سعيدة متجاهلين هذا الروتين القاتل ، وربما تلك ميزة نادرة لن تجدها في أي شعب آخر ، وربما هي الفارقة بين حياة هذا البلد ومماته ، السلاح الأمثل لمحاربة المصائب والخيبات ، الضحك ، أن تحول حزنك إلى نكتة تتبادلها أنت والرفاق ،تضحكون عليها حتى تبلغ قهقهتكم عنان السماء ، فتنسون أصل المشكلة ، أضف إلى ذلك أن بإمكانك أن تثق أنك لست وحدك أبدا ، جرب أن تتعطل سيارتك في منتصف الطريق ، أو أن تصاب بحادث ما ، لا تقلق ، ستجد جمعا غفيرا يهب لنجدتك وتقديم المساعدة ، ربما هو عرق " الجدعنة المصري " كما يقال ، وربما فضول من العامة كخصلة بشرية بحتة لمعرفة مشكلتك وماهيتها ، ولكن على كل حال ، سيحل الأمر بأقل مجهود بدني منك ، واطمئن نحن لسنا في المطار ، لن يطلب منك شاي في حادث على الطريق العام .

ربما أن الحقيقة بسيطة ، لم يكذب من قال أن مصرنا هي أم الدنيا ، نعم هي أم ، لكنها سيدة سبعينية طريحة الفراش ، قد شكت بالعديد من الابر وتم ايصالها بمختلف الأجهزة التي تبقيها على قيد الحياة ، لكنها وبحكم التشخيص الطبي ميتة اكلينيكيا ، تفشت فيها الأوبئة والامراض العضال ، فما عادت تستطيع النهوض مرة أخرى ، منحت ما منحت من أمجاد في السابق ، ولكنها هرمت ، وقد عقها أبناؤها التي أنجبتهم ، تخلوا عنها وقت محنتها ، بل وإن منهم من طغوا وتجبروا فزادوها أذى وإيلاما، إنهم يأكلون لحم بعضهم عيانا ويمارسون أعنف أساليب الاستبداد والتسلط ضاربين بعرض الحائط صلة الدم التي تجمعهم ، وما يستفزك أن الجميع يرتدي قناع البراءة والمثالية ، حتى صرنا في مسرحية هزلية للعالم أجمع ، ويبقى السؤال ، هل سيتوقف النبض عند هذا الحد ؟ هل سننحدر إلى ما هو أدنى من القاع ؟ أم أن هناك صدمة كهربائية أخيرة تنعش هذا القلب المهترئ ؟ . 


  • 2

   نشر في 11 يناير 2019 .

التعليقات

لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا