بوحٌ صارخ ! - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

بوحٌ صارخ !

حيث يتكرر هذا الرعب كل يوم ..هناك حيث سوريا .

  نشر في 25 فبراير 2015 .

ذات يوم حلّقت فوقنا طائرة .. حدّقت في شارعنا و بعد قليل ألقت قنبلة.

مازلتُ أذكرُ صوتها البغيض بكل دقّة ، مازالت الضجّة التي تُحدِثها في المكان واضحة بجلاء في خلايا ذاكرتي.

كان الأمر أشبه بدويِّ عشرات الآلاف من النحل فوق رؤوسنا - هذا أقصى ما توصّلت له مخيّلتي الطفولية - و أمام سحابنا الأزرق الصّافي الذي ما لبث أن تحوّل لأسود قاتم.

بدأت الأركان التي لطالما أقنعتنا أنها شيء لا يزول بدأت تهتزّ كبركان على وشك الانفجار ، تساقطت الأشياء الخفيفة المحمل من هنا و هناك تناثرت الأشياء .. ومع كل قنبلة كانت تنفجر كانت نوافذُنا الزّجاجية ترتجُّ و تضطّرب .

كم وددتُ أن أحتضن بيتي! مكاني الذي لطالما احتضنني بل احتضننا كلّنا ، أحسستُ أن قلبه الكبير يدقُّ بسرعة لم أملك أنا و أهلي سوى أن نرتمي على الأرض بلا حراك . انهارت الأعصاب حتى ماعدنا نُحسُّ إلا كما يُحسُّ المريض بعد التخدير من شدة الخوف.

صرخَ صارخٌ بنا أن : " اخرجوا فالمنازل لم تعد آمنة! " ، خرجنا بدون متاع.. بدون شيء .. أن تنجو بنفسك هذا هو المهمُّ الآن .

سبقني الجميع إلا أنّني و لسببٍ لا أعلمهُ تسمَّرتُ في مكاني ، استدرتُ إلى الخلف و ألقيتُ نظرةً لا أعرف لم أحسست أنها النظرة الأخيرة ! .. كان عليَّ اللحاق بهم ، كان الجميع يركضون كالمجانين .

كثيراً ما أدخلت هذه السماء إلى قلوبنا السّعادة ببياض ثلجها و نقاء مطرها إلا أنها هذا اليوم .. و اليوم فقط كانت تُمطرُ ناراً .. نعم ناراً ! ..

كان عليَّ أن أُنهي هذه الأفكار سريعاً ، فوقوفي عارياً بلا ملجأ يُعدُّ انتحاراً .

- ساعات بعد الملجأ * :

و كأنَّ الساعة قد قامت ، و كأنَّ المحشر قد آن أوانه.. ولكنَّ الموتى هنا لا يخرجون بأنفسهم - كيوم القيامة - من القبور بل يحتاجون من ينتشلُهم ! .

خرجتُ على دنيا غير الدّنيا.. على وطنٍ غير الوطن .

هرع الجميع بفزع .. كلُّ واحد يركضُ باتّجاه ، كنتُ لا أرى .. كان الصُّراخ و دخان الانفجارات قد غطّى المكان ، قد غطّى أفكاري أيضاً .

"أحياناً .. من فرط ماقد يحدث لن يكون في مقدورك سوى الصمت أو الانفجار باكياً " ، خياران لا ثالث لهما لاستقبال المصائب بعد كلِّ غارةٍ جويّة ..

أحدهم كان يصرخُ من بعيد : إطفاء! نحتاج إلى الإطفاء ! هنالك بيت يحترق ! .

استيقظَ فيَّ شيءٌ نائم .. هرعتُ إلى منزلي لأطمئن .. لم يكن منزلاً لقد كان كتلة نار ! ..

لم تكن الأشياء التي تتساقطُ منه حجارة.. بل كانت سنين عُمُري التي قضيتها فيه تتهاوى ! ..

لم يكُن هو الذي يحترقُ بل أنا !

لم يكُن شارعي هو الذي استحال رُكاماً بل قلبي ! ..

لم يكن أخي الذي مات مدفوناً تحتَ الرُّكام دُمية ! لم يكن رقماً من الأرقام ! لقد كان أخي .. شقيقي من لحمي و دمي! ..

عندما ماتَ صديقي لم يمت ميّت .. بل ماتَ فيني ميّت !

عندما استشهد والدي لم أفقد شخصاً .. بل فقدتُ ملاذاً ..

في الوقت الذي اختفتْ فيه أُمّي لم تختفي امرأةٌ عاديّة .. بل اختفت سعادتي.

عندما احترقت كتبي و مدرستي لم تحترق أوراق و أخشاب بل تحطّمت أحلامي .

فقدنا الكثير .. حتى العصافير لم تعُد تُغرِّدُ هنا لا أدري لمَ .. و لا أعلم من الفاعل.. أنا فقط طفلٌ بريء من أطفال الشام لايملك من براءته إلا أن يقول : أنَّ السماء كانت تمطرُ ناراً .



  • 8

   نشر في 25 فبراير 2015 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا