دموع من حبر على كتف من ورق - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

دموع من حبر على كتف من ورق

  نشر في 18 يوليوز 2018  وآخر تعديل بتاريخ 20 يوليوز 2018 .


عكس أغلبية مواضيعي، فهذا قد يكون خاطرة أكتبها في محاولة للتخلص مما أحس به يُثقل على قلبي أو على الأقل للتخلص من بعضه. ولطالما ناجيت ربي به في لا وعيي فهو أقدَر على فهمي دون أن أنبُز بكلمة، فحتى دماغي الذي يجد عادة كيف يتعامل مع وضع مشابه، اشتكى هذه المرة من ثِقَل ما أحمل.

الموضوع وما فيه أنني، ولأول مرة ربما، أنتبه إلى أنني لم أعد متقدما على غيري، ففيما كنت في الأمس أنظر خلفي لأجد أقراني يحاولون المواكبة، أصبحت اليوم أنظر أمامي لأجد من تَخَلُّفوا عن أقراني من قبل، أما من كانوا خلفي فلم أعد أرى منهم إلا منشورات على الشبكات الاجتماعية وقد بلغوا شيئا من أهدافهم وربما أفسحوا مجالا في ذاكرتهم لحفظ ذكريات إنجازاتهم الجديدة بتخلصهم من ذِكراي. ما يُحزنني حقا أن أجد على هاتفي أكثر من مئة رقم سبق وكلمتهم لأَفُكَّ عنهم كربة من كُرَبِهم، وسألت عنهم لأطلع على أحوالهم، دون أن يُكلف أحد منهم عناء السؤال عني ولو لمرة إلا إن وجد لدي مصلحة يبغي قضاءها. أذكر منهم من كنت أمنحهم من وقتي أكثر من أسبوع حتى تتحسن حياتهم، فإن بحثت عنهم وسألتهم ساعة من حياتهم لمساعدتي في شيء -وهو من النوادر- أجدهم إما أن يعتذروا عن تقديمها أو أن يُضيعوا من وقتي دون أن يقدموا شيئا مفيدا لخوفهم من أن أعود لتجاوزهم من جديد.

مما يُعرف عني أنني كثير التهكم والمزاح، وما يخفى عن الجميع أنني أصارع الاكتئاب منذ سنوات لم أعد أعرف عددها حتى، ولولا الله أولا ثم العالم الذي بنيته في عقلي فكرة فكرة، والذي يحلو لي أن أسميه "أفكارستان" لجُنِنْتُ. فقلبي ضعيف لدرجة أن مُواء قطة يكفي لتسيل دموع قلبي، وحُزن شخص وإن عاداني يُحزنني وإن لم أُظْهر مما يختلج في نفسي شيئا. ورغم كل هذا أحافظ على ابتسامتي التي أعتبرها صديقتي التي لا تُريد أن تفارقني وإن كنت أعلم أنها مزيفة.

فامتلاك قلب هش سريع التأثر والعجز عن التدخل لتغيير العالم للأحسن يورثان اكتئابا من نوع خاص

أميل كثيرا للتصرف كفضائي نزل حديثا على هذا الكوكب، فأسأل عن أي شيء حتى أتعرف على تصورات الغير لأحاول بعدها استخراج تناقضاتها لعل أصحابها ينتبهون لها ويصححونها، وهو ما لا يحدث، فالظاهر أن الأغلبية راضون بتناقضات تصوراتهم التي يحاولون المزاوجة بينها. وبفعلي هذا لا أبحث عن أعداء ولا عن أصحاب، فوحدتي من أعز الأشياء على قلبي. صحيح أنني لا أجد مانعا من خلق المشاكل أو تبني دور الشرير ما دمت أرى خيرا للغير في النتيجة إلا أن هذا ليس حبا لشخص بعينه وإنما أملا في تحسين محيطي، فكم من إنسان التقيته ذو مواهب وقدرات سُرعان ما يدفنها تحت ركام الخوف من السخرية وكلمات الانتقاد أو خوفا من الاحراج!

يَسْهُل علي تقمص نفسيات الغير، وكثيرا ما يكون ذلك دون إرادة مني، فأتألم لألم من لا أعرفه حتى، وأفرح بخبر نجاح ابن سيدة صادف أن أقف قربها قرب إشارة المرور وهي تتحدث عبر الهاتف، أو أن أشد على صدري إن رأيت حادثة سير وإن لم أعرف ضحاياها، ومع أنني تعلمت ألا أُظهر تأثري بها إلا أن أثرها لم يتغير، بل ويزداد إن كان المتألم قريبا من قلبي فأسأل عن حاله كل يوم قبل أن أكتشف أنه يستمتع بحياته فيما أنا الغبي الذي اعتقد أنه مُنْزَو في غرفة مظلمة يَرْثَى لحاله كما أفعل. فيا لغبائي!

وحتى من سألت عني يوما ثم عن مصلحتها، حاولتُ كثيرا إبقائها غريبة عن قلبي، فسُرعان ما أتعلق بالأشخاص الذين أحسب قلوبهم مثل قلبي، ويوم وجدت لها فيه مستقرا، بدأ عقلي بأداء مهمته في محاولة لإبقائها بعيدة، ثم ليَبْلُغني أن قلة سؤالي عنها تُبكيها، لأُزيح عقلي عن دفة القيادة وأسلمها لقلبي الذي رأى أن الضرورة تفرض الحفاظ على الودِّ بيننا لعل فيه خيرا وعيون الشيطان تراقب وتُبارك كل زَلَّة لسان من طرفي والتي تُقابلها المعنية بالأمر بتذكير بأننا وإن لم نكن إخوة من رحم واحدة إلا أن لنا حدودا لا يجب أن نتجاوزها، وهي في ذلك لطالما كانت محقة ولطالما حفِظَت نفسها مني وحفظت لي نفسي وقلبي من جرح آخر دام. وما زلت أذكر يوم سألتني أن أتوقف عن رؤيتها على أنها استثناء وأن أمسح نظاراتي، وفعلا استجبت لأجدها كما وَصفت، كغيرها من الفتيات اللواتي يحاولن المزاوجة بين تصورات العصر السائدة وتصور دين الله الحق، ومن يومها والشجرة التي زرعت في قلبي تتساقط أوراقها وتفقد قوتها وجمالها حتى بقي منها جذع أعرف أن اجتثاثه سيؤلمني، لكن الألم الذي أخافه هو الذي قد يصيب من زرعتها أول يوم. فحتى الفُراق أخاف عليها منه أكثر مما أخاف نتائجه علي.

ولمن سيسأل لم لا تقترن بها على سنة الله ورسوله وترَيِّح قلبك. فلو أن لي مقدرة على ذلك لفعلت، إلا أن أهداف كل منا تُبقينا "أخوين" دون إمكانية لتجاوز هذا الوضع دون أن يتنازل أحد عن أهدافه وينسى تحقيقها، وحتى لو فعل لبقي اختلاف التصورات عائقا، فبين من يريد العيش ببساطة ومن تريد حياة مطمئنة ماديا، لا وجود لحياة مشتركة.

تعود بي الذكريات كثيرا إلى الماضي فأتذكر كل من أراهم اليوم يتحاشونني، وقد كنت في زمن مضى ذلك الشخص الذي ساعد أحدهم على النجاح في مادة دراسية أو كنت الفَيْصَلَ بين حياة ضائعة ومستقبل مشرق. لا يُحزنني أنهم نجحوا ولكن يُحزنني أنهم نسوا ما مَرُّوا به، نسوا أن هنالك من قد يحتاج منهم إلى كلمة تشجيع واحدة على الأقل، وإن لم أكن أنا. فإن كانت الشكوى عادة من صديق سيء، فأحسب أنني الاستثناء الذي سيشتكي من أصدقائه كلهم إلا واحدا أو اثنين لا أعلم لم اختاروا البقاء أوفياء.

ومن الدروس التي تعلمتها حتى الآن أن أكون أنانيا بين الفترة والأخرى، فإن استمررت في بذل طاقتي وما بقي لي من أيام لمن لا يرون مني إلا تحقيق مصالحهم فلن تقوم لي قائمة يوما، بل قد أحتاج لمن يمُد لي يد العون، وساعتها قد لا أجده، لأصبح ذلك الأهوج الذي يَمُر من الذاكرة لدى من عرفوني وهم مجتمعون لتشاطر أخبار إنجازاتهم، فيسأل أحدهم عن كل التافهين الذين عرفوهم ليكون اسمي منطوقا بشكل خاطئ من بين الأسماء المذكورة.

فإن كنت تُحس أنك بدأت المسير في الطريق ذاتها، فخذها مني نصيحة ولا تنقص من سرعتك لتتشارك الطريق ومن لا ينظر إليك كما تنظر إليه، لا تنقص من سرعتك لأن من تحاول مساعدتهم إن وجدوا الفرصة للتقدم لاغتنموها. ساعد الغير لكن لا تُصبح مثلهم.



مصدر الصورة


  • 2

  • mohammed ait laarebi
    ضائع بين عوالم "أفكارستان"، أَنْهَل منها بين الفينة والأخرى بما أشاركه ككلمات تعبر عن أفكار أتمنى أن تكون واضحة وسهلة الفهم لكل من ينشُد لهذه الأمة قياما جديدا.
   نشر في 18 يوليوز 2018  وآخر تعديل بتاريخ 20 يوليوز 2018 .

التعليقات

Shref galaly منذ 5 شهر
عجبتنى اوى طريقه التعبير عما بداخلك ،بكلمات فصيحه وتشبيهات جميله .
0
mohammed ait laarebi
شكرا لك

لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا