أغنية المطر - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

أغنية المطر

  نشر في 20 يونيو 2015 .

 كثيرة هي تلك الأحاسيس التي تراودنا من وقت لآخر ، تنقلنا بين ضفاف نهر الحياة لتعلمنا أننا بنو البشر مخلوقات كرمها رب العالمين بقدرة دفينة لا يعلمها إلا القليل ، عن ميزة اسمها الاتصال مع كل ما حولنا و كل من حولنا دون أن ننطق بكلمة واحدة ...و مكانها بين البصيرة والسمع والفؤاد ...ذلك الذي لا ندري بعد مكان وجوده إلا أننا نعتقد يقينا بما وضع الله فيه من خوارق ، و هذا ما اكشفه بعض الناس لدى لقائهم بذلك الزائر الغريب الذي يحررهم من شهوات أنفسهم كلما مر بالقرب من جانبهم الخالد المسمى روحا...

فكعادته ،كان يدخل إلى كل حي و مدينة في ثوب ذلك الشيخ الحكيم الذي لا يبخل عن كل ما حوله بابتسامة تبعث في الروح نسمة عليلة ، تسند قامتها و تمسح الغبار عن جبينها و تدفعها إلى الأمام علها ، علها تدرك ما معنى أن يكون الواحد منا إنسانا ...

لم تتغير هذا العام طريقة استقبالهم له، فرحون ، مهللون ، مستأنسون و ساهرون منتظرين قدومه و متلهفون لسماع خطبة وصوله ، فقد تعود صديقنا هذا في كل عام يزور فيه المدينة ...

مرت الدقائق والساعات على عجل ، و صديقنا لم يظهر للعيان بعد ، بدأ الجميع بالتساؤل ، "أنكون قد أخطأنا حساب يوم قدومه ، أنكون ربما قد استعجلنا يوم وصوله"، و بدأ الجميع ينشغلون أكثر مما مضى عما إن كانوا على صواب أم أن بعضا من حساباتهم قد ضلت طريقها هذا العام ... ربما

ساعة بعد ساعة ، بدأ الحاضرون بالإنصراف ، فقدوا الأمل في قدومه ، نكسوا رؤوسهم و تعاتبوا في الطريق عمن يلقون اللوم إلى أن فرغت ساحة المدينة من سكانها ، أو لنقل كادت أن تفرغ ...فإني أرى بعض الأطفال الذين لم يجد اليأس طريقا لقلوبهم بعد ، أراهم واقفين حاملين البسمة ورودا لاستقبال ضيفهم الذي علمهم في ما مضى من الأعوام ، علمهم كيف ينصتون لذلك الصوت الذي ينتابنا في كثير من الأحيان و لا ندري من أين قد يكون أتى ...

قالت طفلة صغيرة بينهم ، ربما لم تكمل عامها السابع بعد :"أتدكرون يا إخوتي ما كان آخر ما وصانا به قبل رحيله ،أني و إن كنت قريا منكم فستجدون ذلك بين أضلعكم و تدركون وجودي بينكم ، و أنا والله لأرى ذلك الآن أمامي غير أني لا أدري ما يحدث للناس أن انفضوا من حولنا "

قالت الواقفة بجانبها :"أتدرون يا إخوتي ، فنحن ما لنا مسكن نعود إليه ، ولا أهل يسألون عنا أين نسير ، و ولله ما وجدت أحن علينا منه في قدومه ، و لا زلت أحمل ذلك الشعور في داخلي و هو يزداد دقيقة بعد أخرى ، فيا رب لا يعلم الغيب غيرك ، وعلمك أعلم من علمنا عن ذواتنا ، لا يخيب فينا رجاؤك ، و ما رددت لنا طلبا قط ، فأنت القريب أقربا منا إلينا ، نسألك أن تمد في عمرنا ساعات أخرى للقاء ضيفنا و ضيفك العزيز..."و تغررت عينا الفتاة بالدمع و هيا رافعة رأسها إلى السماء التي لا يزال ثوبها المزين بالنجوم على حاله مستعدا لاستقبال الغريب ...

تجمع الصبية حول بعضهم البعض ، واضعين أيديهم في أيدي بعض ،و أخذوا بالدعاء...

أغمضوا عيونهم ، لينصتوا سوية لذات الصوت الذي يخبرهم عن حال قدوم معلمهم و نهضوا من جديد سوية ليرددوا أغنية كان في كل يوم يرددها معلمهم على مسامعهم قبل النوم ...

"إياك و أن تبحث عني و أنا أصيح و أغني ، أغني أغنية المطر ، فأنا لا أرى المطر ، إنما هي قصص جدتي و ما ببالها قد خطر ... ميم محبة لكل البشر ، و روحي طارت محلقة لتمعن النظر ، إلى أن جن الليل و رائي تقف تحت ضوء القمر...فقد حكت عن مكان لا أدري إن أحد إليه نظر ...نهضت أبحث حولي إلى أن وجدت من كانت عيني لا ترى ، مطر مطر مطر ، إياك أن تبحث عني و أنا أصيح و أغني..."

على أنغامها نهض الأطفال و أخذوا يتبادلون الأدوار في غنائها يرقصون يهللون ، يركضون هنا و هناك محاولين إيقاظ الناس في المدينة ، يذكرونهم بها ، علهم يعودون من جديد إلى أن تعبوا و بدأ صوتهم يخفت و يسود الصمت من جديد...

"إياك أن تبحث عني و أنا أصيح و أغني .أغني أغنية المطر ....مطر مطر مطر إياك أن..." كلمات لم يسمعها غير أولائك الأطفال و هي قادمة نحو أذانهم على استحياء ... شئيا فشيئا بدأ الصوت بالإقتراب منهم و هم يبتسمون ، لأدراكهم هوية من يغنيه ، بدأت البسمة تعود لمحياهم و هم يرددون ذات الأغنية ، أداروا رؤوسهم سوية ، ليجدوا من كان يغني واقفا وراءهم ، تجمعوا حوله ليضموه إليهم و هم لا يكادون يصدقون أن من لم يملون في انتظاره قد عاد إليهم ، نعد لقد عاد ، حاملا معه هداياه ، كلماته ، حنانه و عطائه و قال:"لقد أدركت أني سأجدكم هنا ، فالله أعلم بمدى اشتياقي إليكم ... و أين أهل الحي ،هل ناموا؟ "مبتسما و هو يعانق أولائك الأطفال الذين قالوا بصوت واحد :"الحمد لله الذي أعادك إلينا ، فأنت عيننا التي نرى بها ما حولنا ، أخذ منها ربنا قدرة البصر الذي يتحلى به الكثير ، لكنه عوضنا في بصيرتنا فصرنا نراك تغني معنا و تعانقنا كما تفعل كل عام ، فالحمد لله أن أمد عمرنا للقائك يا رمضان ..."

ليلة فريدة...عاد فيها الحبيب لأحبائه ،فأعاد لهم فرحتهم و أنار بصيرتهم ، كفرح يعقوب بريح يوسف .فكما هو لؤلؤة بين إخوته الأحد عشر ، فكذلك رمضان بين أخوته من الشهور ...يعود إلينا من جديد ، والحمد لله أن أطال في أعمارنا و مد فيها لنراه من جديد ، فتعود إلينا بصيرتنا و تنهض روحنا فينا من جديد ، فندرك أن ما للأيام من حق علينا ، يكمن فينا ، يختبؤ منا فينا ، و لا يخرج إلينا ليصير حقيقة أمامنا إلا بعد أن نتعلم أغنية المطر ، فكما لرمضان و أولائك الأطفال المساكين عهد قديم ، فكذلك لنا معه عهد لا تبليه السنين ، فنحن كأولائك الأطفال ، ولدنا مساكين و نعود إلى ربنا مساكين...فاللهم احشرنا مع المساكين و لا تحرمنا الخير الذي أودعته في رمضان...


  • 8

   نشر في 20 يونيو 2015 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم













عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا