ذكريات كاتب في بلاد الأهرام - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

ذكريات كاتب في بلاد الأهرام

مصر التي رأيت

  نشر في 03 شتنبر 2018 .

كانت الشمس تستعد لشروق جميل فوق سماء القاهرة حينما فتح عينيه على منظر ذو ألوان ساحرة .. امتدت نظراته عبر نافذة الطائرة التي كانت شيئا فشئيا من مطار القاهرة تقترب ، إلى ما لا نهاية ، ها هو على مقربة أميال قليلة من حلمه الذي راوده منذ صغره ، مذ كان يعيش في عمق روايات كاتبه المفضل الذي كان و لا يزال ، نجيب محفوظ رحمه الله و غفر له ، كان حين صغره ، يتجول كل ليلة في دروب و أزقة القاهرة العتيقة ، من فرط إبداع الكاتب و دقة وصفه لدروبها التليدة ، عاش في أزقة بين القصرين ، و السكرية ، و خان الخليلي ، كان كل ليلة يلتقي بالسيد أحمد عبد الجواد ، و أمينة ، و ياسين ، في قاهرة الأربعينات ، كان من فرط حبه لهذا الكاتب ، ينفق كل أمواله التي كان بها أبوه رحمه الله عليه بها يجود ، في شراء الأعمال الكاملة لهذا الكاتب الفذ ، و كانت له أمنية وحيدة خالدة ، أن يزور القاهرة ، و يلتقي بكاتبه المفضل ، و يجالسه في مقهاه الحبيبة .. ها هو الآن يحقق له الله أمنيته ، بعد رحيل كاتبه المفضل ، و لا ضير .. على الأقل سيزور القاهرة ، مصر التي غزت قلبه و قلوب الكثير من أفراد جيله ، و لا غرابة ، فمصر صدرت الثقافة لبلدان العرب كما يصدر النحل العسل إلى بقاع الأرض .. و كانت المملكة المغربية ، كما البلدان العربية الأخرى مقصدا لإنتاجات و إبداعات أهرامات مصرية ، كنجيب محفوظ و إحسان عبد القدوس و العديد من الكتاب الأفذاذ ..

اقتربت الطائرة من مطار القاهرة الدولي ، نزل منها هو و زوجه و ابنه ذو الخمس سنوات  عبر سلم يوصل إلى أرض المطار التي كانت تربض فيه طائرتان ،واحدة تابعة للخطوط الملكية الأردنية ، و الثانية ، تابعة للمصرية للطيران ، كان الجو فجرا ، مفعما بنسيم ساخن منذر بيوم حار قائظ . صعد الثلاثة حافلة تابعة لمطار القاهرة الدولي ، لتوصلهم بعد دقائق إلى صالة الوصول الثانية ، أثنا تجوالهم في أرض المطار للوصول إلى الصالة ، لفت انتباهه ، شساعة المطار النسبية مقارنة بمطار مدينته . عند الوصول إلى صالة المطار ، انتابه شعور بالخوف ممزوج بفرحة غامرة ، ها هو حلم طفولته يتحقق أمام عينيه و عيني ولده ، ها هو فوق أرض قاهرة المعز ، قاهرة نجيب محفوظ ، تلك المدينة التي نسج لها في خياله معالم ركن فيها كل طفولته و مراهقته و شبابه ، قاهرة مصطفى محمود رحمه الله و غفر له ، الذي عاش بين أحضان برنامجه ، العلم و الإيمان ، قاهرة الشيخ الشعراوي ، الذي كان يقيل على صوته كل يوم جمعة .. 

انتابه إحساس بالخوف ، من هذا النظام الغاشم الذي يحكم بالحديد و النار بلدا ، ذكرها الله و شرفها في قرآنه غير ما مرة ، قلب عينيه في صلة الوصول و في أفراد الشرطة ، المتواجدين هناك ، بلباسهم الأبيض الذي اعتاد رؤيته في الأفلام و المسلسلات المصرية ، ملأ استمارة الوصول ، و انتظر حتى جاء دوره ليقابل الشرطي المسؤول عن ختم الدخول ، ناوله الجوازات الثلاث ، حاملا بين ذراعيه ابنه ، الذي أبى إلا أن يرتدي قميص ناديه الحبيب برشلونه ، رمقه الشرطي الشاب ، ليتأكد من ملامحه ، و ملامه زوجته ، و بحث عن التأشيرة ، فختمها ثم فتح جواز ابنه ، و ختمه ، و خاطبه مازحا :

- و انتا يا حبيبي بتشجع برشلونه ؟

لم يك مصطفى يتقن اللهجة المصرية كأبيه فابتسم للشرطي ، و بادره يعقوب رادا عليه 

- هوا بيشجع برشلونه ، بس بيحب كريستيانو رونالدو فبيشجعهم الإثنين 

- لا ما ينفعش يا ابني ، خليك في برشلونه وضحك ضحكة جميلة شابة 

- عالعموم أنا ما ليش في الكورة 

- أهلا بيكم في مصر ..

ثوان جميلة ، قضاها أمام هذا الشرطي الشاب ، قضت على كل شعور بالرهبة عنده ، ذهب ليقتني حقائبه ، ثم قصد هو و عائلته مصلحة الجمارك ، كان رجل الجمارك رجلا في الأربعينات من عمره ، ناوله الجوازات ، تفحصها ، ثم سأله يعقوب : 

- أفتح الشنط ؟

- لا ما تفتحش حاجة ، اتفضل حضرتك ، أهلا بيكم في مصر ..

خرجوا من بوابة الوصول ، ليصلوا إلى البوابة الخارجية حيث كان من المفروض أن ينتظره السيد يحيى الذي سيوصله فيما بعد إلى مدينة شرم الشيخ حيث ستبتدئ عطلته ، و حيث أن هاتفه لم يكن يتوفر على بطاقة مصرية ، و لم يوجد في المطار وايفاي ، لم يتمكن من التواصل مع السيد يحيى , رمقه سائق تاكسي فقال له : 

- تاكس يا باشا ؟

- لا شكرا مستني حد ...

- طب انتا مش لاقيه ؟ 

- أنا قولته على صالة الوصول نمرة 2 بس مش لاقيه ، هو المفروض هايكتب اسمي للتعارف 

- معاك رقمه طيب ؟

-آه 

- هاته طيب نكلمه نشوفه فين 

- لا بلاش أزعجك 

- يا عم ما فيش إزعاج هات 

اعطاه الرقم ، ركبه ، و اجاب السيد يحيى الذي كان ينتظر في الناحية الأخرى من الشارع المطل على صالة الوصول ..

- متشكر جدا يا افندم 

- على إيه .. روح يا ابني ربنا يوصلك بالسلامة 

طلب من زوجته أن تناوله ورقة من عشرين جنيها ، كانت تحتفظ بها من زيارتها السابقة لمصر ، و ناوله إياها شاكرا 

- ربنا يكرمك يا باشا .

ركب الثلاثة سيارة السيد يحيى ، و شق بهم طرق مدينة القاهرة ، في اتجاه طريق ستقلهم إلى مدينة شرم الشيخ ، كانت القاهرة في تلك الساعة من الصباح كخلية نحل لم تنم من الليل إلا القليل ، الكل في بحث عن لقمة عيش تسد رمقه و رمق عياله آخرالنهار ، لم يعلم أن القاهرة عالم قائم بذاته ، لم يعلم أن أشياء جميلة تنتظره هناك ، و أن هذه البلاد تستحق الزيارة فعلا ، تستحق أن تعيش بين أكنافها ، ما سيعيشه بعد خمس ليال سيقضيها في شرم الشيخ ، حيث سيقابل أناسا لم يك يتخيل أن يقابلهم يوما ... الصهاينة و عرب إسرائيل ..


في غد .. 

الطريق إلى سيناء .. ألم و ذكريات و طور مقدس


  • 2

  • يعقوب مهدي
    اشتغل في مجال نُظم المعلومات .. و اعشق التصوير و الكتابة
   نشر في 03 شتنبر 2018 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا