ذكرى الحريق - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

ذكرى الحريق

  نشر في 15 غشت 2017 .

من كل البقاع توافدت الطيور إلى بقة عامرة.. بالجثث.

الطيور الجارحة لا تفرق بين روح مطمئنة وأخرى ثائرة. إذا ابتلعت الأدمغة، لا فرق حينها بين رجل وامرأة.

لو أن الأفكار الثائرة تحرق أمعاء الوحوش، تحرق الأجساد والنعوش، ربما تُرك أصحابها ليحترقوا ذاتيًا، ليتخلصوا من أجسادهم وأفكارهم في معزل عن الكواسر والقبور.

لا الدود يفنيها ولا الأمعاء

وحده اللهيب القادم من دماغ يمكنه إحراق الميدان، المدينة، أن يصل إلى الكراسي والجلوس.

لكن لا حريق،لا لهيب، ولا ثورة.

كل الحوادث في المدينة: القتلى والوحوش، أزيز الطائرات وطلقات الخرطوش. لم أرَ في القرية سوى النحيب النعوش.

من بين الغارقين في الدماء، بعض من يتنفسون وآخرون انقطعت أنفاسهم إلى الأبد، يركض صغيران لا يعرف أحدهما الآخر، لكن الخطر آخى بينهما أكثر مما فعل شيء آخر.

بأطراف عيونهما الأربعة يراقب أحدهما حركات الآخر. دفعات الحجارة المنطلقة من يديه، هل خفت حدتها؟ ربما يسقط الآن أو بعد قليل. خلف حاجز من الرمل والحجارة يستتران، لا يتبادلان أية كلمة، لا متسع للكلمات، هنا لا وقت حتى للأنفاس، المجال متاح للموت أكثر من أي شيء آخر.

الدخان يتصاعد، الأنفاس تتباطأ، الأصوات تخفت، والجميع يتحدث ليس إلى أحد في المدينة، بل إلى الله..

ما عقاب من يتنفسون الآن؟ يتساءل عقل. ما جزاء من يتنفسون الآن؟ يتساءل آخر.

إنهما الصغيران مرةً أخرى، بعد الانسحاب، لا زالا يتشاركان الاحتراق. لم يسقط أيٌ منهما.

حتى الهمهمات انقطعت، والآن ساد صوت الأفكار.

ممرٌ آمن! ليس آمنًا. لا خيار، سر مع الجموع. المُحاصَر لا حق لديه في تحديد المصير. لكن الصغيران كانا يتعاهدان فكرًا على الانتقام.

موقنان بقدرتهما على الاقتصاص.

سجون صغيرة على جوانب الطرق، سجانون على أبواب المستشفيات، أمام المساجد وفي وسائل المواصلات.

جلادون يطلون برؤوسهم من الشرفات. قضاة يقومون على كل إشارة مرور، والصغيران منزوعا الإرادة يحترقان.

يصيح التجار: أخمدوا الحريق في غسق الليل. تصيح العاهرات: أخمدوا الحريق في وضح النهار.

ويصيح العسكر: أنا أنا من أخمد الحريق!

بأعجوبة عاد الصغيران كل إلى بيته، على طرفي البلاد. لا يعرف أحدهما كم نعشًا حمل، وفي كم جنازة سار. لكنه يعلم جيدًا أنه لا زال يحترق.

لم يُخمد الحريق.

لكن الصغار ابتلعوا فظاعةً كالسكاكين، الصغار احتضنوا حمم البراكين، رزخوا في الأغلال، ألهبت ظهورهم السياط، دفنوا المحيى والممات.

تتحلق الغربان والنسور حول جثة وحيدة. تتبدل الفصول، مكان الجثة تحل أخرى وحيدة.

تبحث النسور عن حل للتخمة.

تبحث الجثث عن قبر.

يبحث الصغيران عن ذكرى الحريق، عن معنى الحريق.


  • 3

   نشر في 15 غشت 2017 .

التعليقات

creator writer منذ 4 شهر
رائعة للغاية ،
استمري .
1

لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا