محاكمة طه حسين - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

محاكمة طه حسين

  نشر في 21 أكتوبر 2016 .

في الثلاثين من مايو 1926 تقدم الشيخ حسنين الطالب بالقسم العالي بالأزهر ببلاغ للنائب العمومي يتهم فيه طه حسين بالطعن الصريح في القران و نسبته الخرافة والكذب إليه والطعن في الرسول ونسبه الكريم في كتابة المنشور المعنون ( في الشعر الجاهلي ) .

وفى 5 يونيو من ذات العام أرسل شيخ الأزهر إلى النائب العمومي خطابا يتضمن تقرير رفعه عدد من علماء الأزهر إليه عن الكتاب يستهجنون فيه محتواه ويتهمونه بالتعدي على المقدسات.

وفى 14 سبتمبر تقدم عضو مجلس النواب عبد الحميد البنان ببلاغ أخر ضد الكتاب الذي تحول لقضية رأى عام شغلت العامة و الخاصة و أثارة عاصفة من الغضب ضد كاتبه.

و هكذا وجد النائب العام نفسه مضطراً للتكليف بإجراء التحقيق في الموضوع الذي خرج عن أطار السجالات الأدبية والعلمية التي كانت الساحة المصرية تموج بها في ذلك الوقت .

فقد كانت مصر العشرينات تشهد حراكا سياسيا و اجتماعيا غير مسبوق وكأنها كانت تحاول تعويض قرون التكلس و الركود فانفجرت الصراعات السياسية و الاجتماعية بعد طول كبت .

وفى منتصف الصراعات الأدبية و الفكرية و السياسية كان طه حسين أحد ابرز المتصارعين حاضرا في كثير من المعارك بمواقفه الحادة واختياراته الجريئة ,مما أكسبه الكثير من المعجبين و الكثير أيضا من الأعداء .

وجاء هذا الكتاب ليصب البنزين على النار ..

وكانت إشكالية الكتاب تكمن في أربع نقاط

1- قول طه أن مجرد ذكر إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام في التوراة والقران لا يعد دليلا على وجودهما التاريخي فضلا عن قوله أن قصة هجرة إسماعيل إلى مكة و نشأة العرب المستعربة أشبة بالحيلة لإثبات الصلة بين اليهود والعرب من الحقيقة التاريخية .

2- أن القراءات السبع للقران كانت قراءات العرب بألسنتهم وليست وحياً

3- في أطار نظريته حول تأثير الدين في انتحال الشعر وإضافته إلى الجاهلين و التي نفي على أساسها نسبة معظم ما نعرفه من الشعر الجاهلي لأصحابه و أدعي انه قرض في عصور أسلامية لاحقة تعرض لنسب النبي صلي الله عليه وسلم بالتشكيك ( فلأمر ما اقتنع الناس أن النبي يجب أن يكون من صفوة بني هاشم وان يكون بنو هاشم صفوة بني عبد مناف و أن يكون بني عبد مناف صفوة قصي و قصي صفوة قريش وقريش صفوة مضر و مضر صفوة عدنان و عدنان صفوة العرب و العرب صفوة الإنسانية كلها) .

4- أن المسلمون أردوا أثبات أن للإسلام أولية في بلاد العرب كانت قبل أن يبعث النبي وان خلاصة الدين الإسلامي وصفوته هي خلاصة الدين الحق الذي أوحي إلي الأنبياء من قبل , فنسبوا شعرهم المحمل بالقيم الإسلامية إلي الجاهليين وادعوا نسبتهم إلي إبراهيم عليه السلام أصلا وديانة .

كانت الضجة مستحقة وكان طه بنشره محاضراته التي تلقي بظلال من الشك حول كل التراث الإسلامي في كتاب يعلن حرباً .

وانتهى رئيس النيابة محمد نور بعدما حقق في الواقعة بكتابة تقرير (نشر الأديب خيري شلبي هذا التقرير بكتاب محاكمة طه حسين) أنتقد فيه الكتاب ورد على الإشكاليات التي أثارها بشكل ينم عن سعه ثقافته واطلاعه بإصدار قراره بحفظ القضية.

(وحيث إنه مما تقدم يتضح أن غرض المؤلف لم يكن مجرد الطعن والتعدي على الدين، بل إن العبارات الماسّة بالدين التي أوردها في بعض المواضع من كتابه، إنما قد أوردها في سبيل البحث العلمي مع اعتقاده أن بحثه يقتضيها)

و أوقف البرلمان مناقشة القضية بعدما أرتئت الأغلبية أن المسالة علمية وليست سياسية , و توالت الردود على طه فالفت العديد من الكتب تدحض حججه و منهجه .

و مع الوقت تغير فكر طه وعاد عن تلك الآراء فمنذ عام 33 بدء في العودة إلى أصولة فبدء في نشر كتابة على هامش السيرة ونشر مجموعة من المقالات ضد المبشرين و سلوكهم ومحاولتهم تنصير المسلمين , ثم نشر منافحاً عن الدعوة الوهابية في مجلة الهلال واصفاً هذا المذهب بأنه (ليس إلا الدعوة القوية إلى الإسلام الخالص النقي المطهر من كل شوائب الشرك والوثنية , هو الدعوة إلى الإسلام كما جاء به النبي خالصا مما أصابه من نتائج الجهل و من نتائج الاختلاط بغير العرب ) (ولولا أن الترك والمصريين اجتمعوا على حرب هذا المذهب وحاربوه في داره بقوة وأسلحة لا عهد لأهل البادية بها لكان من المرجو جدا أن يوحد هذا المذهب كلمة العرب في القرن الثاني عشر للهجرة كما وحد ظهور الإسلام كلمتهم في القرن الأول ولقد ترك هذا المذهب أثره في الحياة العقلية والأدبية عند العرب وكان هذا الأثر عظيما خطيرا في نواح مختلفة فهو قد أيقظ النفس العربية ووضع إمامها مثلا أحبته وجاهدت في سبيله بالسيف والقلم واللسان وهو قد لفت المسلمين جميعا وأهل العراق والشام ومصر بنوع خاص إلى جزيرة العرب ولقد استدعى الصراع الفكري بين الوهابيين وخصومهم الرجوع إلي كتب التراث ونشر الرسائل والكتب التي يؤيد بها كل فريق مذهبه فنشرت كتب ابن تيمية وابن القيم واستفاد العالم العربي كله من هذه الحركة العقلية الجديدة ) .

وهكذا لم يكن غريباً أن يعلن صراحة في مجلة الهلال 1940 (الدين الإسلامي كان وسيكون دائما أساس الحياة الخلقية للأمة الإسلامية وقد كان في عصر طويل أساس الحياة السياسية و العلمية لهذه الأمة أيضا وهو ألان وسيكون دائما أساسا لهذه الحياة السياسية والعلمية إلى حد بعيد) .

وحتى نهاية حياته 1960 كانت أغلب كتابات طه حسين تصنف في مجال الدعوة الإسلامية .

وما يهمنا في تلك القضية/ التجربة موقف الدولة والمثقفين منها..

فالسلطة القضائية لم تخضع للتحريض و رئيس النيابة الذي أظهر رفضه لمحتوي الكتاب منهجاً ونتائج بوضوح قاطع , أعمل القانون و فرق بين الإساءة المجردة للمعتقدات الدينية التي يعاقب عليها القانون (والتي في حقيقتها تعدي على الحق في الاعتقاد تذرعاً بالحق في التعبير) , و مقتضيات البحث العلمي والعمل الأدبي التي قد تسيء عرضا للدين دون استهدافه ودون توافر القصد الجنائي في الإساءة.

أما المثقفين فمن وافق طه دافع عنه وعن حقه في التعبير عن آراءه في وقت خرجت المظاهرات في الشوارع تطالب برأسه ومن خالفه لم يحرض عليه وإنما رد عليه فنشر الشيخ محمد الخضر حسين و المفكر محمد فريد وجدي وغيرهما كتبا ترد عليه وتنافح عن وجهه النظر المغايرة .

وأن كان الكتاب قد تم سحبة من الأسواق عند إحالة القضية للنيابة إلا أن ذلك لم يمنع انتشاره وإعادة إنتاج أفكاره الرئيسية بألفاظ أقل حدة بكتاب (في الأدب الجاهلي) ورفض رئيس الوزراء عدلي يكن فصل كاتبة من الجامعة رغم الضغوط.

فالتجربة برمتها كانت إيجابية لحد كبير, وربما تصلح لأن تكون نموذج للتعامل مع الخلافات الفكرية المعاصرة.

فربما كان علينا أن نطالب بالعودة لما كان عليه الحال منذ قرن مضي, حيث كانت الدولة تعرف حدودها وتلزم جانب القانون ولا تمثل عائقاً أمام حرية الفكر ولا تجرم الإبداع.

والمثقفون يقومون بواجبهم في أثراء الحياة الثقافية وتحريض العقول على التفكر و لا يرتضون لأنفسهم بوضع التابع للسلطة المنافح عن سياستها ولا النزول لمستوي المحرضين الشعبويين.

فمنذ قرابة قرن كان عصر النهضة العربي وأظن أننا بحاجة لنهضة جديدة.  


  • 3

  • أحمد فتحى سليمان
    كاتب و باحث فى مجالات القانون و الثقافة الاسلامية و العلوم السياسية
   نشر في 21 أكتوبر 2016 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم













عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا