ميتاميثولوجيا الحب والحرب - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

ميتاميثولوجيا الحب والحرب

فكري آل هير

  نشر في 06 أبريل 2016  وآخر تعديل بتاريخ 17 أبريل 2016 .

                 ميتاميثولوجيا الحب والحرب

فكري آل هير

..

على الرغم من أنها مغامرة محفوفة بالمخاطر، إلا أنه يستهويني دوماً انتزاع الحقيقة من قلب الأسطورة، فالأساطير ليست كما هو الاعتقاد السائد مجرد قصص تقترب بطابعها الملحمي من دائرة الخرافة، بل هي نتاج ابداعي لواقع أعاد الخيال انتاجه عبر سلسلة من العمليات الحكائية المنطوقة والمكتوبة بأشكال بديعة تتأطر في كيان ملحمي واحد، بحيث يمكن القول أن الأسطورة هي المنتج الابداعي الوحيد الذي بمقدوره الصمود والبقاء دوماً على نحو مثير للدهشة والذهول.

ليس بعيداً عن هذه المقدمة، أقول أن الثيمات الأسطورية تأتي متجانسة مع بعضها البعض، بطريقة دراماتيكية بالغة البساطة والتعقيد في آن معاً، فالحب والحرب والبطولة والتضحية والتقوى والخطيئة والفخر والندم، وكل ما يجيش في كمائن النفس الانسانية، تعطينا إياه الأسطورة على نحو ما يصعب محاكاته في أي نوع أدبي أو فني، وخصوصاً من الناحية التي يجري فيها تأليف الأضداد ودمجها، بل وصنعها وإعادة صنعها في نسق روائي تغذيه بالشعرية والغنائية أرواح تلك الشخصيات التي تقدمها لنا الأسطورة، وكأنها موجودة في عالم الإمكان حقاً، أو في ذلك العالم الواقع بين الحقيقة والخيال.

تعبر الأسطورة عن ذلك الجذر الأصيل في طبيعة البشر، أو ما يمكن اعتباره القسمة الجوهرية التي تربط وتفصل بين ما هو بشري وإلهي، وليس ذلك الجذر سوى (الحب)، وعلى الطرف الآخر نلمح لهذا الجذر توصيفاً آخر، يبدو في العربية لماحاً جداً عما سواها من اللغات وهو (الحرب)، إلا أن هذان الضدان متشابهان أيضاً، وليس غير الأسطورة من يكشف لنا عن هذا التشابه دون أن تزول عن وعينا حقيقة التضاد بين الحب والحرب.. في حين تخبرنا الأسطورة بأنهما ينبعان من منبع واحد، وهو (الغريزة الأولى: الحب بطبيعته الخام)- أو ما يطلق عليه بـــ "الآيروس" (Eros).

هيا الى الحكاية نفسها..

كان من الضروري لعلاقة الحب والجنس التي ربطت بين ايزيس وافروديت أن تثمر، وأن تكون ثمرتها تلك بمثابة منح الوجود سمة لاستمرارية الحب، فكان "أيروس"- إله الحب الصغير- ثمرة هذه العلاقة بالفعل. لكن الصغير لم ينمو ولم يكبر ولم يبدو عليه أنه سوف ينضج في يوم ما، في الوقت نفسه الذي كان فيه "آريس" (Ares)- إله الحرب الشجاع وعدو إيزيس ونقيضه- لايزال غير راغب في السيطرة على نفسه، وإيقاف مغامراته وحروبه الدامية التي صنعت الفوضى في العالم، لاسيما وأن قوانين الحب التي كان يعبر عنها (ايزيس) كانت أيضاً غير قادرة على فرض نفسها أمام جموح (آريس)، كما أن محاولة افروديت تدعيم قوى الحب تلك بولادة (ايروس) لم تكن كافيه، بل وبوعي عميق أدركت أن الفوضى التي تصنعها الحرب في العالم يمكن أن يصنعها الحب إذا ما ظل على هذا النحو من الوحدة والفردية العاجزة عن خلق التوازن في نظام الوجود والعالم.

كانت مشورة الحكيمة "ثيميس" (Themis) لــ افروديت، أن تنجب طفلا آخر، ولكن هذه المرة من "آريس" -إله الحرب الشجاع، وأن تسمي ولدها الثاني "أنتيروس" (Anteros)، ليكون بمثابة المعادل الموضوعي لأخيه غير الشقيق "أيروس"، فالحب ساكناً لن يكون ذو تأثير، ولابد أن يكون له معادل مماثل يجعل من "منح الحب والاستجابة له والعطاء بمثله" بمثابة الحل السحري لحدوث التوازن المطلوب لاستقرار العالم. ومن ثم فقد عملت افروديت بالنصيحة، وأصبحت ترى تنافس الولدان بين يديها، فقد كانا في شجار دائم وكل منهما يشاكس الآخر، ولكنهما متحابان أيضاً، كما لاحظت افروديت أن "أيروس" ينمو بشكل رائع في وجود أخيه، وأن نموه هذا يتوقف إذا انفصل عنه.

منذ ذلك الوقت أصبح للحب دينامية روحية قادرة على تحقيق فضيلة البقاء والاستمرار من خلال الجنس (الأيروسية)، وقادرة أيضاً على تحقيق فضيلة السلام من خلال الروح التبادلية للحب (الأنتيروسية)، وصارت ثنائيات الأضداد أداة فعلية لتحقيق ذلك التوازن والتعادل بين الرغبات والأفكار، بين العاطفة والعقل، وبين اللذة الجنسية واللذة المعرفية.. باختصار لقد انتظمت قوانين الحياة.

بيد أن الأمر لا يسير بمفرده هكذا، بل لابد من رعاية، ولهذا فالأسطورة تخبرنا بما كانت تقوم به "ثيميس"، التي كانت بارعة جداً في تحويل الطاقات المتصارعة إلى قوى متحابة ومتآلفة. ليس الأمر مسألة تربوية لما هو تحصيل حاصل، بل هو رعاية ذات طابع فوقي أو ما ورائي مستقلة عن وجود الثنائيات نفسها ومحيطة بها، خلقت بعداً آخر للحب المتوازن، كان لها دور كبير في تهذيب مشاعر الحب في العلاقات، ولو أنها تركت بدون تلك الرعاية لكان في هذا دافعاً لانتكاس الأمر، وتحول الحب مرة أخرى الى دافع للحرب.

كان ظهور الــ "أيروس الإلهي" الذي يتسم بالوجد الروحي كنقيض للقوة الخالقة والموحِّدة والمتضمَّنة بامتياز في الجميل والخيِّر، ما أكسب الثنائيات المتحابة والمتضادة والمتشاكسة بعداً أحدياً (قبلياً) تلتقي عنده وعليه، إنه الحب الخالص ليس لذات المحبوب وإنما من خلاله وعبره ليسمو متجهاً صوب الكينونة العليا الواجدة لكل شيء، والتي بدورها تعيد منح الحب إليها على نحو من الرعاية والعناية.

أما هنا على الأرض، وحيثما يكون الحب نزوع فطري مزدوج الطبيعة من حيث أنه حسي وعاطفي، بدا أن له اتجاهين من حيث الغرضية، أو بالأصح بدا أن له – أي الحب- نوعين: حب ينزع الى التملك والسيطرة، وحب ينزع الى العطاء والتفاني، ولم يكن النوع الأول الا حيلة دفاعية لاستعادة النزعات المدمرة الخابئة في عمق الطبيعة البشرية كما كانت في صيغتها الأولى، في حين كان النوع الثاني تجسيداً للمقاومة الشديدة للنكوص، ودفعاً أشد للتقدم والاستمرار.

هكذا إذن، يمكن انتزاع الحقائق الكامنة من قلوب الأساطير، إنها الحقائق العميقة الخابئة خلف الأسماء والأحداث والصراعات والوقائع، أو بشكل أدق في عمق طبيعتنا البشرية..!!

ولكي أوجز وأنتهي من هذه المقالة، استعيد عبارة وردت فيها سابقاً، لتكون بمثابة النتيجة التي نخلص إليها وهي:

"أن الفوضى التي تصنعها الحرب في العالم يمكن أن يصنعها الحب أيضاً"..!!- ولكن أي نوع من الحب هذا الذي يصنع الفوضى؟!

أترك الإجابة لتقديركم.. 


  • 2

   نشر في 06 أبريل 2016  وآخر تعديل بتاريخ 17 أبريل 2016 .

التعليقات

إيمان منذ 8 شهر
ربما النوع الأول أي حب التملك هو من يخلق الفوضى مثل الحرب ربما..
1
فكري آل هير
نعم، هو حب التملك والسيطرة..

لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا