العيونُ الغائِرة الحائِرة - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

العيونُ الغائِرة الحائِرة

  نشر في 13 شتنبر 2015 .

امْتَلَكَتْني نَوبَةُ الهَلَعِ وَلَمْ أَكُنْ أَعرِفُ إلىٰ أيْنَ تَسوقُنِي قَدَماي ، أَجري مَعَ تلكَ الجُموعُ الخائِفةُ الّتي لاتَعرِفُ إلى أينَ المَفَرُّ مِنْ تِلكَ النّار ، فَقَدْ حَدَثَ انفِجارٌ في وَسَطِ شارِعِ المُتَنبّي الّذي كنتُ قَد قَصَدْتهُ لِشراءِ بعضِ الكُتب في يومِ الجُمُعة .

فَجأةً و بِدونِ شعورٍ، تَوَقّفَ الزّمَنُ مِنْ حَولي حالَما لَمَحتُ عَينَيها الغائِرَتين..كأنّها بِئرٌ في جَوفِه ألافُ القِصَص.

اقتَرَبْتُ مِنها بِبُطئ، خَفَضْتُ جِسمِي لأَقتَرِبَ مِنْ وَجهِها وقلتْ :

- "ماما شنو الي مگعدچ هنا؟ قومي ويّايه نبتعد عن هالدخّان مسافة".

نَظَرَتْ إلَيَّ بِعينيْن حائِرَتيْن ، وشَيبِ شَعرِها يَبوحُ بكثيرٍ منَ الألَم الذي عانَتْ مِنهُ طِوالَ حياتِها..أجابت:

-" وين خالد ؟"

-" خالد منو؟"

-"إبني ، هسّه يجي ، آني دأنتظره ، مشتاقتْلَه ، وين صار ؟"

-" ليش هوه وين راح يا أمي ؟"

-" راح ... راح وبعد ما أجه ... مَرته ماتقبل أبقى يمهم .. هوه هم حقّه آني تعّبته هوايه ... يادوب جهاله ومرته يعيلهُم يابنتي ... بس هوه گال أودّيچ للحَج ... وآني دأنتَظره "

رأيتُ حقيبَتي قد غَرَقَتْ بدموعِي ، كأَنَّ الدمعَ قدِ استجابَ لكلامِ كبيرةِ السِّن بَدَلاً عَنْ لِساني الذّي أعلَنَ الحدادَ عنِ النُطقِ مواساةً لتلكَ المرأة.

نَظَرتُ مِنْ حَولي وإذا بِرَجُلٍ يَتَقدّم نَحوي ، بعدَما هَدَأتِ المِنطَقَة عَقِبَ ذاكَ الإنفجار.

-"بنتي هاي العجوز من زمان هنا ، إبنها شمرها هنانه وعافها من سنين ، وكلما احد يحجي وياها تجاوبه وين إبني خالد ، بس أهل الخير هواية وديساعدوها "

قالَ لي بِنبرةِ الإعتيادِ على ذلِكَ الكلام، ورَحَلْ.

عُدْتُ وَجلسْتُ أمامَها وحاولتُ أنْ أتَمَلَّصَ الأحرُفَ مِنْ فَمِها البائِس :

-" أمي ماعندچ ولد ، بنات؟"

أجابَتْ وقَد حلّقَ نَظَرُها بعيداً ... إلى الماضي.

-" لا بنتي ، خالد إبني الوحيد "

سادَ الصمتُ قَليلاً .. ثُمّ أردَفَتْ :

-" چان يخاف من الظلمة ، چنت أدگ على ظهره حتى ينام وأغنّيله ..

دللّول يالولد ياابني دللّول

عَدوّك عليل .. عدوّ ..."

-" أمي شبيچ ؟؟ماما جاوبيني ؟ ليش سكتتي ؟!"

بدأتُ أصرُخُ بِلا وعيٍ عِندَما رأيتُ فُقاعاتِ الدّمِ تَخرُجُ مِنْ فمِها ، لا أحدَ كانَ بِجانبي ، لا أحدَ سوى الله ، كنتُ أصرخُ وأهزّ جَسَدها ولكنّ مَلَك الموتِ لَم ينتَظِرها لِتُنهي مقطَعَ الأغنية .

رَحَلَتْ عن تِلكَ الدّنيا وكانَتْ في أشدّ اشتياقِها واحتياجِها لوَلَدِها .

حافِظوا على أمّهاتِكُم ، على ذلكَ المَلاكُ الذي يُضيئُ مَنازِلَكُم ، قبلَ أن تُظلِمَ تلكَ البيوتُ وتَعتَلي الملائكةُ بنورِها إلى السماء 


  • 3

  • حنين باسل
    أدرس الأدب الأنكليزي في جامعة بغداد. عشرونَ عاماً.. وخمسونَ حياة. الله موطني وملاذي. أبي ..فارسي الوحيد, أمي .. جنّةٌ دُفنتْ تحت التراب ! خلفَ الشابيكُ يختبئُ عالمٌ آخر... وهكذا الحال تماماً خلفَ أجسادنا !
   نشر في 13 شتنبر 2015 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا