المضامين الرّثائية والتعبيرية في نونية أبي البقاء الرّندي - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

المضامين الرّثائية والتعبيرية في نونية أبي البقاء الرّندي

  نشر في 25 أكتوبر 2018  وآخر تعديل بتاريخ 16 فبراير 2019 .

الباحث حمو عبد الكريم

- أستاذ بحث " أ " المركز الوطني للبحث في الأنثروبولوجيا الاجتماعية والثقافية وهران. Crasc-

موجز البحث:

إنّ هدف هذه الدراسة هو مراجعة المضامين الرّثائية والتعبيرية في نونية أبي البقاء الرّندي، وهذه القصيدة تقدم قراءة نقدية لوضعية بلاد الأندلس وانهيار سلطة المماليك والأمصار، وهي وثيقة تاريخية ساردة لمرحلة التوسع الإسلامي في أيامه المشرقة وبوادر انهياره، أما على مستوى المعنى فإنّ القصيدة تروي الحياة الاجتماعية وصورة الأخر، وكذا الحياة الثقافية والعمران...وعلى الرغم من أن جل القصائد الرثائية لا تخلوا من ذكر مناقب المتوفى ومآثره، إلا أن خصوصية أبي البقاء الرندي تكمن في الأسلوب الذي اعتمد على اتساع الدلالة وتكثيف الصورة الشعرية ذات اللمسة الجمالية مركزا على عناصر ثلاث: الأشخاص، المكان، الحوادث التاريخية.

الكلمات المفتاحية:

الرثاء، الحسرة والندم، الشعر، اللغة العربية، الأندلس، المدن والمماليك، الاسلام.

موجز البحث:

إنّ هدف هذه الدراسة هو مراجعة المضامين الرّثائية والتعبيرية في نونية أبي البقاء الرّندي، وهذه القصيدة تقدم قراءة نقدية لوضعية بلاد الأندلس وانهيار سلطة المماليك والأمصار، وهي وثيقة تاريخية ساردة لمرحلة التوسع الإسلامي في أيامه المشرقة وبوادر انهياره، أما على مستوى المعنى فإنّ القصيدة تروي الحياة الاجتماعية وصورة الأخر، وكذا الحياة الثقافية والعمران...وعلى الرغم من أن جل القصائد الرثائية لا تخلوا من ذكر مناقب المتوفى ومآثره، إلا أن خصوصية أبي البقاء الرندي تكمن في الأسلوب الذي اعتمد على اتساع الدلالة وتكثيف الصورة الشعرية ذات اللمسة الجمالية مركزا على عناصر ثلاث: الأشخاص، المكان، الحوادث التاريخية.

الكلمات المفتاحية: الرثاء، الحسرة والندم، الشعر، اللغة العربية، الأندلس، المدن والمماليك، الاسلام.

تصدير:

عرف العرب الرثاء منذ عصر ما قبل الإسلام ولا زالوا يعتبرونه من أهمّ أغراضهم الشعرية في عصرنا هذا، وكان من غاياته الرئيسة إبراز صورة صادقة عن الأسى والحزن الشّديدين لما ألمّ بالمرثي، وهذه الصورة تعكس عمق التلاحم الاجتماعي وواقع العلاقات الإنسانية المبنية على الإحساس بالآخر والتعاطي معه في مسراته وأقراحه. وعند قراءتنا لعدد غير قليل من القصائد الشّعرية الرثائية ألفينا الشاعر يسيطر عليه وقعٌ شعوري نتيجة تألمه لحال مفجوعه حيث تتفجر قريحته الأدبية والشّعرية، وتتوقد العواطف السّاكنة لتظهر إحساسا متدفقا ينبئ عن حسرة وافتقاد، ومن هنا يرسم لنا الشاعر بكلماته نظما يُعبر فيه عما يجيش بصدره، وكلما قوّيت هاته التّجربة الشعورية أبدع في نظمه وتفنن في رسمه، وليس هناك أقوى ولا أشد على الإنسان من موت حبيب أو فقد قريب أو هلاك صديق، لذا فالرّثاء من أصدق الفنون الشعرية نبلاً ومشاعرا وأشّدها عاطفة وأكملها وفاء.

قبل البدء في هذه المقاربة النقدية،نريد ضبط دلالة بعض الألفاظ المفاهيم، إذْ يجب أنْ نفرق بين مصطلح الرّثاء والتأبين والنّدب والنّعي، لأنها ترد بعض المرات مترادفة ومتداخلة وتوحي لموضوع واحد هو "رثاء الميت"، لكن بينها فوارق لغوية ودلالية يجب الوقوف عندها عليها:

هذا ما جعلنا نتساءل قائلين: هل الرثاء إفراز لطبيعة البيئة في الجاهلية؟ أم هو طبع عربي خاص؟ أم هو فن شعري إنسانيٌ نبيل يستحضر فيه الراثي مرثيته ويستذكر آلامه ويواسي أوجاعه ليؤسس حاضره ويستشرف مستقبله؟

أولا:تحديد المفاهيم

1- الرثاء:

الرّثاء في اللغة مُشتق من الفعل (رثى) يُقال: رثَى الميْتَ رثياً رثّاهُ، ورثيْتُ الميّتَ رثياً ورثاءً ومرثاةً ومرثيةً، ورثَيتُهُ مدحْتُهُ بعدَ الموتِ وبكيتُهُ ، ورثي له: أي رقَّ لهُ ورثا الميّتَ يرثوهُ رثواً: بكاهُ وعدَّدَ محاسِنَهُ .

والرثاء في الاصطلاح هو تأبين الميّت وذكر محاسنه وفضائل أخلاقه، وهو تصوير ما يترك فقده من أثر في القلوب من أسىوحسرة وفزع سواء بالشّعر أو بالنثر، ولعلماء الشّرع في رثاء أمواتهم قولان: أولا: جواز الرثاء، لأنّه يزيل الهمّ ويطمئن النّفس ويحث على الصبر والعبرة، وهو مذهب أبي حنيفة والشافعي، والقول الثاني: كراهية المراثي، لأنّه يدخل ضمن النعي المنهي عنه، ويدعو إلى تجديد الأحزان وذكر الآلام ومخالفة مقصود الشّرع من تخفيف المصائب والرضي بقدر الله، وهو قول الشافعية .

ويرتكز الرّثاء خاصة على الجانب العاطفي؛بل يمكن القول أنه لصيق بالجانب الشّعوري وبمواجيد النفس الإنسانية، لأنّه يستمد مادته من أحاسيس القلب، ويجد فيه الراثي متنفساً عما يكنه قلبه من آلام وأشجان يؤطرها بأشعار ومقولات سامية عميقة، تتخلد كلما ذُكر المرثي، ومن أخلص مواضيع الرثاء ما يَرْثى به الإنسان نفسه، وأي شيءٍ يكون أحبّ عن النفس؟!!

2- التأبين:

عرّفه أهل اللغة بأنّه:"مدح الرّجل بعد موته" ، ويذكر ابن منظور في اللّسان:أبّن الرجل تأبيناً، أي مدحه بعد موته وبكاه" ، وقد اعتُبر شعر الخنساء مزجا بين التأبين والرثاء، ولا فرق بين المدح والتأبين ذكره قدامة فقال:" لا فضل بين المدح والتأبين إلاّ في اللفظ دون المعنى" ، وقد جمع الشاعر السموأل بين النّدب والتأبين في بيت من الشعر حين بكى نفسه متخيلاً حزن أهله عليه بعد موته وما سيؤول إليه حالهم من بعده:

ياليتَ شعري حِينَ أندُبُ هَالكاَ ماذا تؤبِنُنِي بِهِ أنْواحيِ

والتأبين هو أقرب إِلى تعداد الخصال وإزجاء الثناء، بل إِنّه إشادة بخصال المتوفى وذكر منزلة في عشيرته أو مجتمعه.

عرَف العربُ النّدب في جاهليتهم إذ كانوا يجتمعون لمشاركة أهل الميّت مصابهم، وقد أباحه الإسلام بشّرط ألاّ يصاحب البّكاء خمشُ ولطمُ للوجه وحلق للشّعر والضرب بالنّعال...مستندين بالحديث الذي يقول فيه النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم"المَيِّتُ يُعَذَّبُ فِي قَبْرِهِ بِمَا نِيحَ عَلَيْهِ" ، وقد عرّف الجوهري النّدب فقال:"هو بكاءُ الميّتِ وتعداد حسناته والنواح عليه بألفاظ حزينة، وعبارات تُذيب الأكباد الغليظة مما يصاحبها من صياح وعويل" ، ومن هنا فالنّدب هو بكاء النفس وأسفِها على فقدان الأهل والأقارب.. بل يمتد إِلى رثاء العشيرة والوطن والدولة حين تصاب بمحنة من المحن المحزنة.

3- العزاء:

المفهوم العام للعزاء هو الصبر على ما يُصيب الإنسان من مصائب وأقدار وأوجاع، وقد اقتصر مفهومها على مصيبة الموت التي تخطف الولدان والأحبة، والعزاء هو الصبر عن كل ما فقدت. تقول: عزّيت فلاناً أُعزيهُ تعزيةً، أي آسيتُه، وضربت له الأسى، وأمرته بالعزاء فتعزى تعزياً، أي تصبَّر تصبراً، وتعازي القوم: عزى بعضُهم بعضاً ، والتعزية في الإسلام مشروعة ، وهي الدعاء للميّت بالمغفرة وللمصاب بجبر المصيبة، وهي مستحبة ومأجور على فعلها، كما أنها تُهوِّن المصيبة، وتحظ على التزام الصبر واحتساب الأجر.ولعل أعظم بلاء ابتليت به الخنساء حين فقدت أعز ما تملك أخاها صخرا، إذْ تقول :

ولَوْلا كَثرَة ُ الباكينَ حَوْلي على إخوانهم لقتلتُ نفسي

وما يَبكونَ مثلَ أخي ولكِنْ اعزّي النَّفسَ عنهُ بالتَّأسي

4- النّعي:

النّعي هو الإخبار وإشاعة الموت المقرون بمدح الميّت وتعداد صفاته، فنعى الميّت ينعاهُ نعياً، ونِعياً، إذا أذاع موته، وأخبر به، وإذا ندبه ، قال ابن الاثير:"والمشهور في العربية أنّ العرب كانوا إذا مات منهم شريف، أو قُتِلَ بعثوا راكباً إلى القبائل ينعاه إليهم، يقول نعاء فلاناً، أو يا نِعاء العرب: أي هلك فُلان أو هلكت العرب بموت فلان" ، ولهذا جاء النّهيمن قبل الرسول الكريم بقوله:"إِيَّاكُمْ وَالنَّعْيَ فَإِنَّ النَّعْيَ مِنْ عَمَلِ الْجَاهِلِيَّةِ" ، وعلى هذا يكون النّهي عن النعي المشتملعلى ذِكر الْمَفاخر وَجلب الأحقاد والثأر مثلما ذكر ذلك الشاعر طرفة بن العبد عندما خاطب ابنّهُ معبد بأن يرثيه بما كانوا يرثونه في الجاهلية فقال بيته المشهور :

فإِنْ مُتُّ فَانْعَيْنِي بِمَا أَنَا أَهْلُهُ وشُقِّي عَلَيَّ الجَيْبَ يَا ابْنَةَ مَعْبَد

وعلى هذا فإنّ النّعي يشترك مع النّدب في كونه تعدادًا لصفات الميّت ومحاسنه.

5- النياحة:

النياحة هي إظهار الجزع والتسخط على موت الميت، والإحساس بالفاجعة،قال ابن حجر الهيثمي في الزواجر: "النّوح: هو رفع الصوت بالنّدب، ومثله إفراط رفعه بالبكاء" ، وصورته كما ذكر القرافي (ت: 1286م):"أنْ تقول النائحة لفظًا يقتضي فرط جمال الميت وحسنه، وكمال شجاعته وبراعته، وأبهته ورئاسته، وتبالغ فيما كان يفعل من إكرام الضيف، والضرب بالسّيف، والذّب عن الحريم والجار، إلى غير ذلك من صفات الميت التي يقتضي مثلها أن لا يموت، فإن بموته تنقطع هذه المصالح، ويعز وجود مثل الموصوف بهذه الصفات، ويعظم التفجع على فقد مثله، وأن الحكمة كانت بقاءه وتطويل عمره لتكثر تلك المصالح في العالم..." ، إذاً فالنياحة مثل ما تقدم هي رفع الصوت والإحساس بالحزن ومجارات المحزون وأهله ومواساته بالبّكاء والشفقة عليه.

ومن هنا نلاحظ ارتباطا كبيرا بين هذه المفاهيم:الرثاء،التأبين، النّدب، العزاء، النياحة.. ومدى التصاق معانيها بالحزن والأسى والصبر، على فقدان الميت ومدحه بذكر محاسنه وفضائله، وقد أدرك الشّعراء والبلغاء واللغويون هذه المعاني وفرقوا بينها لغويا، ولكن المعنى الاصطلاحي والدلالي واحد، وهذا الإحساس نابع من النظرة الإنسانية والعاطفية والأخلاقية التي يشترك فيها الفرد مع أخيه وعشيرته وأهل بيئته.

ثانيا: أوليات الرثاء عند العرب: استحضار الحي أم عتاب النفس؟

أقدم ما وصلنا في رثاء النّفس رثاء ابن خذاق العبدي، قال أبو عمرو بن العلاء:أول شعر قيل في ذم الدنيا قول يزيد بن خذاق، وقيل أنَّ أول مَنْ بكى على نفسه وذكر الموت في شعره: يزيد بن حذَّاق .

هَلْ لِلْفَتَى مِن بَناتِ الدَّهْرِ مِن وَاقِي أمْ هَل لهُ مِن حِمَامِ الموْتِ مِن رَاقِي

قدْ رجَّلونِي ومَا بالشَّعـرِ مِن شَعَثٍ وألْبَسُونِي ثِيــابًا غير أخْـلاقِ

وأرْسَلُـوا فِتيةً مِن خَيْرِهم نَسباً لِيُسيدُوا في ضَرِيـحِ القَبْـر أطْبَاقِي

وقَسَّمُوا المَال وارْفضَّت عوائِدُهُم وقَال قَائِلُـهُم: مَـاتَ ابْـنُ خَذَّاقِ

كما نجد رثاء امرئ القيس (520م- 565م) الذي قال فيه ابن رشيق القيرواني في كتابه (العمدة):"وهو عندهم أفضل ابتداء صنعه شاعر؛ لأنه وقف واستوقف، وبكى واستبكى، وذكر الحبيب والمنزل في مصراع واحد" ، ومما جاء في مرثيته ما يلي :

أعِنّي عَلَى بَرْقٍ أراهُ وَمِيضا يُضيءُ حَبِيّاً في شَمارِيخَ بِيضِ

وَيَهْدَأُ تَارَاتٍ سَنَاهُ وَتَارَة ً يَنُوءُ كَتَعتَابِ الكَسيرِ المَهيضِ

أَرَى الْمَرْءَ ذَا الْأَذْوَادِ يُصْبِحُ مُحْرَضًا كَاحْرَاضِ بَكْرٍ فِي الدِّيَارِ مَرِيضِ

كأن الفتَى لمِ يغنَ في النّاس ساعَة إذا اختَلَفَ اللَّحيانِ عند الجَرِيضِ

وقد تطور غرض الرثاء مع مجيء الإسلام، وأخذ يتناص مع معطيات الدين الإسلامي وحمولاته التربوية ومعانيه الفلسفية وروحه السّمحة، وتخلدت مفردات جديدة واكتسبت مدلولا مستمداً من مبادئ العقيدة الإسلامية، من ذلك ألفاظ الشّهادة والصلاة والجهاد والحساب والثواب والنار والآخرة وما إلى ذلك، وأهملت الألفاظ المستكرهة والطويلة والثقيلة على النّفس واللسان، كلفظ المرباع، والنشيطة، والمكس ولفظ راعنا..وغيرها ، ومن أروع قصائد الرثاء في العصر الجاهلي رثاء المهلهل عدي بن ربيعة (94ق.هـ /؟- 531م)لأخيه "كليب"إذ يقول في مطلع قصيدته :

أَهَاجَ قَـذَاءَ عَيْنِي الاذِّكَارُ هُدُوّاً فَالدُّمُوعُ لَهَا انْحِدَارُ

وَأَبكي وَالنُجومُ مُطَلِّعاتٌ كَأَن لَم تَحوِها عَنّي البِحارُ

على مَن لَو نُعيتُ وَكانَ حَيّاً لَقادَ الخَيلَ يَحجُبُها الغُبارُ

أَبَت عَينايَ بَعدَكَ أَ ن تَكُفّا كَأَنَّ غَضا القَتادِ لَها شِفارُ

تذكر المصادر أنّ المهلهل بقي بجانب قبر أخيه يندبه، ويذكر أخلاقه ومكارمه وشمائله، ويتوعد أعدائه بالثأر ولو بعد حين، وقد ترك الخمرة وموائدَها، وأقام حربا سميت بحرب "الباسوس والعبراء" دامت 40 سنة ، فالشاعر في ترصيعه لمرثية ما إنّما يحس ببكاء الآخر، ويحاكي نفسه، ولهذا يقال:"إنّموتأحد النّاس موضوع خارجي مستقل عن الأنا، ولكنه مع ذلك يقبل الانسحاب إلى الداخل نظرا لاستطاعة الذات تصور موتها عبر الآخر" ، وفقدان الأخ لأخيه يترك عمقا نفسيا صعبا، وفراغا اجتماعيا لا يملأه غيره.

وتعد الخنساء المخضرمة(575م- 645م)، من أبرز شعراء الرثاء في هذا العصر، خاصة في رثاء أخيها صخرا، الذي بكته طويلا ورثته وأسمعت به بطون القبائل العربية والفارسية، حتى صار الرثاء مقترنا بها، إذْ تقول :

يا عَينِ جُودي بالدّموعِ الغِزَارْ وأبكي على أروعَ حامِي الذمارْ

مَنْ كانَ يَوْماً باكياً سَيّداً فليبكهِ بالعَبراتِ الحرارْ

ولتبكهِ الخيلُ إذا غودرتْ بساحة ِالموتِ غداة َالعثارْ

إلى أنْ تقول:

وليبكهِ كلُّ أخي كربة ٍ ضاقتْ عليهِ ساحة ُالمستجارْ

فكلُّ حيٍّ صائرٌ للبلى وكلُّ حبلٍ مرَّة ًلاندثارْ

والرثاء كما ذكرتُغرض إنساني أصيل، وهو قريب من الزهد وترك الملذات والشهوات، وقد عُرف هذا الفن في العصر الجاهلي، واكتسب عمقًا وثراءً بمجيءالإسلامبفضل ما أتيح له من روعة النّظم والخطابة وجمال الأسلوب وتناسق العبارة، من أمثال من برع فيه أبو تمام (788-845م) والبحتري (820م- 897م) وابن الرومي(836- 896م)...وفي طليعة هؤلاء الشعراء يأتي شعر أبي تمام الطائي في رثاء ابن قبيلته محمد بن حميد الطوسي -القائد العباسي- وهي ممزوجة بنزعة القومية وروح القبيلة المتجذرة في حياة العربي، حتى قيل عن أبي تمامأنّه «مداحة نواحه»، ومما جاء في مرثيته :

كَـذا فَـليَجِلَّ الخَطبُ وَليَفدَحِ الأَمرُ فَـلَيسَ لِـعَينٍ لَـم يَفِض ماؤُها عُذرُ

فَـتىً كُـلَّما فـاضَت عُـيونُ قَبيلَةٍ دَمـاً ضَحِكَت عَنهُ الأَحاديثُ وَالذِكرُ

فَـتىً مـاتَ بَينَ الضَربِ وَالطَعنِ ميتَةً تَـقومُ مَقامَ النَصرِ إِذ فاتَهُ النَصرُ

فَـأَثبَتَ فـي مُـستَنقَعِ المَوتِ رِجلَهُ وَقـالَ لَـها مِن تَحتِ أَخمُصِكِ الحَشرُ

كما نجد رثاء البحثري للمتوكِّلُ أحد الخلفاء العباسيِّين، والقصيدة تقطر أسىً وألمًا وحزنًا!!مطلعها :

مَحَلٌّ على القَاطُولِ أخْلَقَ داثِرُهْ وَعادتْ صُرُوفُ الدّهرِ جَيشاً تُغاوِرُهْ

كأنّ الصَّبا تُوفي نُذُوراً إذا انبَرَتْ تُرَاوِحُهُ أذْيَالُهَا، وَتُبَاكِرُهْ

فَمَا قَاتَلَتْ عَنْهُ المَنَايَا جُنُودُهُ وَلاَ دَافَعَتْ أمْلاَكُهُ وَذَخَائِرُهْ

وَلاَ نَصَرَ المُعتَزَّ مَنْ كَانَ يُرْتَجَى لَهُ وَعَزِيزُ القَوْمِ مَنْ عَزّ ناصِرُهْ

روت القصيدة حزنَ البحثري لمقتل المتوكل لأنّ القتلة أوقعت محنة عظيمة عاشها المسلمون وقتها، يقول ابن رشيق القيرواني في العمدة: "وأمّا البحتري فكان أملح صنعةً وأحسنَ مذهبًا في الكلام، يسلك فيه دماثةً وسهولة مع إحكام الصنعة وقرب المأخذ، لا يظهر عليه كلفة ولا مشقّة" ، فهذه صورة شعرية وقف فيها البحتري أمام القصر"الجعفري" واستذكر أيام أنسه وجماله وبهائه ، وهو إحساس بالمكان المرتبط بالحدث الذي يكتسب أهمية خاصةإذا رُبط بالفعل الإنساني،"فالشاعر يقيم علاقات مع الأشياء التي تمكنه من تجسيد انفعالاته وهذه الأشياء الجامدة استطاعت هي الأخرىأن تكتسب صفات جديدة من خلال عمليةإسقاط الانفعال الإنساني على الأشياء الجامدة" ، وهذا نوع من الوفاء اتجاه الأرض والإنسان.كما اشتهر ابن الرومي برثائه لابنه الأوسط محمد، وهي قصيدة حزينة تنطلق من إحساس الأبوة اتجاه فلذة كبده، وفيها يقول مخاطبًا عينيه :

بُكاؤُكُما يَشْفي وَإِنْ كَـانَ لاَ يُجْـدي فَجُــودَا فَقَدْ أوْدَى نَظِيرُكُما عِنْـدِي

بُنَيَّ الذِي أهْدَتْهُ كَفَّايَ لِلْثَّـرَى فَيَا عِزَّةَ المُهْدَى وَيَا حَسْرَةَ المَهْدِي

ألاَ قَاتَلَ اللَّهُ المَنَايِا وَ رَمْيَهَا مِنَ القَوْمِ حَبَّاتِ القُلُوْبِ عَلَى عَمْدِ

لَقَدْ قَلَّ بَيْنَ المَهَدِ وَ اللحْدِ لَبْثُهُ فَلَمْ يَنْسَ عَهْدَ المَهْدِ إذْ ضُمَّ فِي اللّحْدِ

وقد زادت مواضيع الرثاء تبلورا حين اهتم الشعراء بتوطيد الصلات مع الخلفاء والأمراء والملوك، فلا يتوفى خليفة أو وزير أو أمير إلا ورأيت أفواجا من الشعراء يرثون بقصائدهم الطوال جميل الصفات وحسن المناقب وكريم الشمائل، ما كان يتحلى به هؤلاء.ولم يقف فن الرثاء على رثاء الأشخاص، وإنّما عرف نموذج آخر عرف برثاء المدن والممالك، وقد تفنن ابن الرومي في قصيدة أخرى قالها أثناء سقوط مدينة البصرة في أيدي التتار سنة 275هـ، حيث زحفوا إليها واستباحوها وألحقوا بها خرابا ودمارا ، وراع هذا النبأ الفاجع ابن الرومي وصور خراب المدينة وتشرد أهلها ..جاء مطلعها :

ذادَ عن مُقْلِتي لذيذَ المنامِ شُغلها عنهُ بالدموعِ السجامِ

أيُّ نومِ من بعد ما حل بالبصْ رَة من تلكمُ الهناتِ العظام

إلى أن يقول:

كم أخٍ قد رأى أخاهُ صريعاً تِربَ الخَدِّ بينَ صَرْعى كرامِ

أين تلك القصورُ والدورُ فيها أين ذاكَ البنيانُ ذو الإحكام

فالحالة النفسية التي يحس بها الشاعر حين يصف مفقودا أو محزونا، تنبئ عن إحساس حقيقي وشعور واقعي، لا يمكن أن يدركه إلاّ من عايشها أو اتصف بها.ولنا في شعر أبي العلاء المعري خير نموذج، حيث رثى أباه وأمه ووقف متأملا بفكره وعقله ما فعلته الموت بصديقه أبي حمزة الفقيه الحنفي،يقول عنه طه حسين:" نعتقد أنّ العرب لم ينظموا في جاهليتهم وإسلامهم ولا في بداوتهم وحضارتهم قصيدة تبلغ مبلغ هذه القصيدة في حسن الرثاء" وجاء مطلع القصيدة:

غَيْرُ مُجْدٍ في مِلّتي واعْتِقادي نَوْحُ باكٍ ولا تَرَنّمُ شادِ

وشَبِيهٌ صَوْتُ النّعيّ إذا قِي سَ بِصَوْتِ البَشيرِ في كلّ نادِ

أَبَكَتْ تِلْكُمُ الحَمَامَةُ أمْ غَنْ نَت عَلى فَرْعِ غُصْنِها المَيّادِ

إلى أنْ يقول:

رُبّ لَحْدٍ قَدْ صَارَ لَحْداً مراراً ضَاحِكٍ مِنْ تَزَاحُمِ الأضْدادِ

وَدَفِينٍ عَلى بَقايا دَفِينٍ في طَويلِ الأزْمانِ وَالآباءِ

وقد تغير مضمون القصيدة عما كانت عليه سابقا، وطرأ عليها نوع من التفسير الجديد، وذلك حسب فلسفة أبي العلاء، حيث لا فرق بين الموت والحياة عنده، كما لا فرق بين البكاء والغناء... فكل الناس سائرون وإلى التراب مقبورون، فارفع رجليك عن هذا التراب لأنك تمشي على بقايا آبائك.

ثالثا: نمطية الرثاء في بلاد الأندلس: ترنـمــات العقـد المفقـود

اتخذ الرثاء في الأندلس نفسَ مسار الرثاء في المشرق العربي من وصف للمصيبة والأحزان، وتعديد لمناقب المفقود والأسى على فقدان الأخلة والأحباب.. وقد حافظ على نمطه التقليدي في سيرته الأولى في استهلال القصائد بالحِكَم، وختمها بالعبر والعظات؛ إلاّ أنّ في هذه الفترة بالذات(711-781م)، ظهر شكل جديد من الرثاء في الأندلس هو "رثاء المدن والممالك"؛ حيث أوجدته الظروف السياسية والحوادث التاريخية التي مرت بها الأندلس، وقد وفرت الظروف نشوء هذا النوع من الشعر، يقول مصطفى الشكعة:"فهو الغرض الأندلسي الذي نبعت سماته وأفكاره من طبيعة الاضطراب السياسي في الأندلس، وكان مجال إبداعٍ في الشعر الأندلسي" .

وقد افتن الشعراء بهذا الفن، تبعاً لتلاؤم السّياق الداعي لذلك، وتوطدت الصلات بين الشعراء ووُلاة أمورهم وصاروا يتبارون في مجالس الملوك ويتناثرون بأشعارهم خير النظم وأرقهِ، إذ لم يمت خليفة ولا وزير، ولا قائد ولا عظيم، إلا رثّوه رثاء حاراً وأبَّنوه تأبيناً رائعاً، مبرزين في قصائدهم كل ما كان يتحلى به الفقيد في حياته من مناقب وما كان له من فضل حتى أصبح تمدن الأندلس مختص بنوع أدبي معين، "فكانت أشعار الروضات ببلنسية وشرق الأندلس، وكثرت الموشحات والأزجال في اشبيلية لتخصصها في الغناء وآلات الطرب، وظهرت قصائد وصفا لحيتان وعواصف البحر في شرق الأندلس دونغربها لنشاط موانئه للتجارة والصيد البحري ، وكذا نشطت الحركة الأدبية الأندلسية على مستويات مختلفة.

رابعا: رثاء المدن والماليك في نونية أبي البقاء الرندي :

أهم الدول التي رثاها الشعراء وبكوها دولة"بني المظف" وقد رثاها ابن عبدون -شاعر بني الأفطس- بتفجع مرير، ثم تأتي "نونيةأبي البقاء الرندي" ، التي رثت حاضرة الأندلس بعد سقوطها أنشدها بالمغرب سنة665ه عندما تنازل ابن الأحمر(629-897ه) عن بعض القلاع والأمكنة والأسوار .. للمسيحيين) ، وقد خلطت القصيدة بين الحبو وصفا لطبيعة والحنين إلى موطنه الأصلي "قرطبة" متذكرا ذكريات الصبا وساعات اللقاء ولوعة الفراق.

وقد نظم أبواسحق ابراهيم بن مسعود الالبيري نونية أخرى على شكل خطاب موجه إلى قبيلة"صنهاجة" وإلى شعب غرناطة بالذات يطلب منهم التّصدي لمكائد الوزير اليهودي"ابن النغرلة".

والظاهر أن قافية النون لها نصيب في الحنين للأوطان، فقداشتهرت قصيدة "أبو القاسم عامر بن هشام القرطبي" في موضوع دعا الأندلسيين إلى أن يطلقوا عليها"كنز الأدب".

واشتهرت نونية"الأعمى التطيلي" في رثاء بعض أعيان إشبيلية "ابن اليناقي"الذي جسد فيها أحداثاً تاريخية أطال الوقوف عندها، وكانت النونية السابعة التي اشتهرت في زمانه لـ "ابن مقانا الأشبوني" ، شاعر الحموديين، وسماها بــ:"ألِبـرقٍ لائحٍمـِن اندرينْ"، وتأتي قصيدة الأمير سليمان ابن الحكم ، وهي نونية شهيرة نظمها وهو في الخلافة، وكان سبب نظمه لهذه النونية رغبة في معارضة الأبيات المنسوبة للخليفة العباسي هارون الرشيدفي جاريتيه الثلاث.

1- دراسة القصيدة:

تعالج نونية أبي البقاء الرندي ندب بلاد الأندلس أو "الفردوس المفقود" ، وهي قصيدة رثاء مفعمة بأعمق المشاعر وأسمى الأحاسيس، بكى فيها أبو البقاء مصير الإسلام والمسلمين في اسبانيا بعد سقوط قرطبة واشبيلية بيد سان فرناندو، وقد احتوت على مواعظ وحكم وبيان أحوال الدنيا وتقلبات الدهر، لكونها من عيون الرّثاء التي قيلت في الدولة الإسلامية والممالك المنهارة، وقد اختار لها مطلعا من أجود ما قيل في الحكمة، ومع أنّ هذه الأبيات عبّرت عن فكرة الاعتبار في الماضي الزائل، إلاّ أنّ أبا البقاء استطاع أن يضفي عليها ألوانا وعبارات استخلصها من أعماق تاريخنا المجيد، فكانت هذه الأبيات خير مدخل وُفق فيه الشاعر للتمهيد لموضوعه، ونالت هذه القصيدة الشّهرة التي تستحقها سواء في القديم أو في الحديث ، وجاء مطلعها:

لِكُلِّ شَيْءٍ إِذَا مَا تَمَّ نُقْصَانُ فَلا يُغَرَّ بِطِيبِ العَيْشِ إِنْسَانُ

هِيَ الأُمُورُ كَمَا شَاهَدْتُهَا دُوَلٌ مَنْ سَرَّهُ زَمَنٌ سَاءَتْهُ أَزْمَانُ

وقد اختار الشاعر ألفاظا جيدة السّبك واعتنى ببِّنائها الفني، فجاءت كلماته رشيقة معبرة، واستخدامه للوسائل البلاغية الملائمةكالاستعارة ورسم الصور البيانية، وهذا دليل على ثقافة الشاعر وإتقانه لصنعة الشعر، وقد "استطاع أبو البقاء أنْ يرتب أفكاره ويلون عباراته ويعطيها إيقاعا يميزها عن سواها، على الرغم من تشابه المضمون عند غير شاعر" ، فالشاعر الراثي في هذه الفترة كان يعقد مقارنة بين الماضي والحاضر؛ ماضي الإسلام في مجده وعزه، وحاضره في ضعف وهوان، ودور العبادةغدت كنائس وبيعًا للنّصارى وصوت النواقيس أضحى يجلجل مكان الأذان، واستبيحت حرمات الفتيات المسلمات وصارت الدويلات المسلمة تستعين بأعوان النّصارى.. وتمتلئ كل هذه المشاهد بشعور عميق يطفح بالحسرة والنّدم، وصارت لوحة أبي البقاء الرنديحزينة وريشته كئيبة، لفنان عاش النّكبة واكتوى بنارها، وهي نونية تربعت على عرش رثاء المدن في الشعر العربي المغربي القديم.

والظاهر أنّ غرض الرثاء في هذه المرحلة تطور من رثاء المدن، ورثاء الممالك إلى رثاء الأندلس كلها بعد أن سقطت، لأنّ الرثاء في العصر الجاهلي لم يكن له متخيلة عن المدينة أو المملكة يرثيها ويبكي على خرابها، كانت هنالك مراثي على فقد الأخلة والأحبة في وسط الصحراء الشاسعة من مكان إلى آخر، ولعل البُّكاء كان مركزا على الطلل الذي أندرس، وهو لون تعبيري نابع من العاطفة الحية.

2- - المعجم الدلالي واللغوي للقصيدة: تندرج بنية الرّثاء لدى الشاعر في ثلاثة حقول دلالية:

• الموت والفناء:الحزن والأسى وما يتصل بها من ألفاظ مثل:

نقصانُ، الإساءة، القضاء، لا تبقي على أحد (الفناء)، دار الزمان، العينُ باكيةُ القلب حيرانُ، الفراق، الغافل، المصيبة، النّسيان، الظلام،الجور، طغيان...

طغت على القصيدة جو من الكآبة والحزن والفرار من الوقع، وهذه المفردات دليل على أنّ الشاعر انكسر خاطره وضعفت همته وخورت قوته، لما آل إليه الوضع، ومن هنا فدلالة هذه الألفاظ توحي بسواد وظلمة وعتمة لا تصيبها شمس الضحى، لأنّ الجرح غائر والمصاب جلل.

• التسميات: ذكر الأمجاد وأثار المدن

ذي يزن، اليّمن، أرم، ساسان، الفرس، قارون، عاد، شداد، قحطان، بلنسية، مُرسيةً، شاطبـة،جيـَّـانُ، الأندلس...

التفريض على ما فات، وذكر أمصار غابرة، وملوك عابرة ...توحي أنّ الشاعر لا زال قلبه يعيش في ماضيه الذي يتمنى أن يرجع برجاله وأبطاله وحصونه، وهذه المفردات فيها عنصر "التمني"؛ أي يتمنى أن يصطلح التّاريخ مع المكان وتعود الأندلس لسالف عهدها ؟!!

• الديني: الحساب والثواب

الاسلام، المساجد، الكنائس، النواقيـس، الصلبان، الكفر، عباد الله، إخوان، الياقوت والمرجان، الايمان....

حشد الشاعر في هذا الباب تراكيبا دينية ومواعظ أخلاقية متناصة مع النّص القرآني، مع العلم أن الشاعر فقيه وحافظا للحديث النبوي الشريف، وقد استعان بالمعجم الديني لأنّه الأقرب إلى النّصح والوعظ وذكر العاقبة والمآل.

ومن هنا نلاحظ أنّ الشاعر لمَّ في قصيدتهألفاظا موحية بمعاني الحزن والأسى مستبغة بنزعة العزاء والتأبين والتسليم لقضاء الله والصبر على المكروه، كما غلب على النّص الأسلوب الإنشائي المتمثل في الاستفهام غرضه التمني المناسب لفن الرثاء، مثل: أين الملوك ذوي التيجانِ من يمنٍ؟ والنداء في: يا غافلاً وله في الدهر موعضةٌ؟

وقد وظف الشاعر أسلوب السّرد والقص والمحكيات عن حقائق التاريخ المرّ مثل: ذييزن، شـدادٌ، قحطـانُ ؟ كما نّوع في استخدام الجمل الفعلية والاسمية بغية تشخيص الحوادث ووصفها، وهذا دليل على وجدان الشاعر المحترق، والمشاعر المسحوقة بالألم والأسى مثل:أين قرطبةٌ دار العلوم؟ وأيـن شاطبـة أم أيـن جيـَّـانُ؟

كما لمسنا وضوحا في المعاني وسهولة في الأفكار، فأفكاره مباشرة وواقعية خالية من التكلف والتعقيد،لأنّ المقام يستدعى معاني صادقة ورؤية حقيقة، ومن هنا فقد "حوت قصيدة أبي البقاء الرندي التوظيف الأنسب للمقاطع اللغوية المنسجمة في المباني الإفرادية والتركيبية وتراوحت كميات نهايتها ما بين مقاطع مفتوحة وأخرى مغلقة ما يولد تنوعا صوتيا يتفاعل والحالة الشعورية للشاعر الرندي" .

3- الخصائص التعبيرية والفنية للقصيدة:

• يلجأ الشاعر إلى توظيف التشخيص والتصوير، فالتشخيص حينما يصور حالة الثكلى والمصابين بهول المصيبة من أصوات النحيب والعويل وحيث المأساة والمعاناة والقتلى، وآهات المعذبين.. وجاء التصوير مليئا بالألوان التي تستدعي من المتلقي استخدام الذهن للوصول إلى كنه هذه الصور المعبرة بحق وبعمق عن الدهر وأرزاءه، مثل قوله: يُمزق الدهر حتماً كل سابغةٍ وقوله: دارَ الزّمانُ على دارا وقاتلـهِ... ومن هنا فبكاء الأطلال من بكاء الشاعر، وهذه الحالة النفسية الشعورية استدعت هذه الصور المتكاملة، وهي بطريقة أخرى تشكل لنا التجربة الشعرية والفنية التي عاشها الشاعر.

• اهتمامه بالصورة اللغوية المجرد وبالصورة التشبيهية لتقريب الفهم، مثل قوله: ولا مَلكَ الدُّنيـا سُليمـانُ.. إلى جانب توظيفه للاستعارة كركن بلاغي مهم في بيان معاني الألفاظ. وكأني بالشاعر يسعى إلى تحقيق التوازن بين عواطفه وبين والواقع من حوله، عن طريق اللجوء الى التمثيل بالاستعارة. مثل: فالدّهرُ يمزِق، والحنيفيةُ تبكي، والمحاريبُ تنُوح، والمنّا بعترثي، والدّهر يقظان.. كل هذه الألفاظ المستعارة تفرض على الملتقى نوعا من العمل الذهني وتصور مرارة الوضع والتناص معه كأنه أمامك.

• توظيف الموروث الديني والتّاريخي والثقافي في عملية البّناء الشعري، فهو ينتقل من الحاضر إلى الماضي ويتطلع إلى أفق أرحب، موظفا طاقته الإبلاغية والتواصلية القائمة على البرهنة والحجاج، مثل: وأين ما حازه قارُونُ من ذهبٍ؟ وأين عادٌ وشـدادٌ وقحطـانُ ؟ كما نلاحظه يوظف عناصر الصياغة المنطقية والاستدلالية القائمة على الأداء الفني والتشكيل اللغوي بهدف كشف الشّق الاقناعي والبرهان المتواري مثل التقابلات التالية: التّمام والنقصان،البقاء والفناء، السُّرور والحزن، غافل ويقضان، خالية وعمران، المسّاجدوالكنائس...

• تشقق المعاني، بحيث يستنطق الحوادث التاريخية والمآثر الخالدة بتوليد مغزاها ومعناها قصد رفع الهمم واستدراك النقص وبناء الذات القوية التي لا تخور.مثل: وصار ما كان من مُلكٍ ومن مَلكِ كما حكى عن خيالِ الطّيفِ وسنانُ..

الخاتمة:

إنّ نونية أبي البقاء الرّندي تعتبر ملحمة تراثية وعملا فنيا متماسكا، اشترك في تأليفها عنصر التاريخ والمكان وحوادث مماليك الأندلس، ولونت صورها بلغة شاعرية وتركيب منطقي استجابت للفكر وتمثلات الواقع، الذي أُخرج من البعد الإسلامي إلى البعد الإنساني، وصارت القصيدة مضرب النّدب لكل حاضرة ومدينة تُستباح، وبقى شعراءها يتصفون بشعراء النّكبة والمرثيات لإقامتهم في ندب موتاهم وتذكر أسراهم وخراب دواوينهم، ومن هنا فقد حافظت هذه القصيدة على عمود الشعر وموضوع الرثاء، وصارت وثيقة تاريخية تسرد وضعية شعب في فترة ومكان معلومين، يتسفيد منها المؤرخ في حقل تاريخ البلدان والأمصار، والباحث الاجتماعي في معرفة نظام الحياة الاجتماعية بالأندلس واللّساني في دراسة شعرية الرثاء، فهو نّص تاريخي حواري مفتوح ومتّجدد.

قائمة المصادر والمراجع:

- ابن الأثير، عز الدين أبو الحسن (1997م)، الكامل في التاريخ، تحقيق: عمر عبد السلام تدمري، بيروت، دار الكتاب العربي.

- ابن الرومي، ديوان ابن الرومي، (2003)، تحقيق: حسين نصار، القاهرة، مطبعة دار الكتب القومية القاهرة.

- ابن منظور، جمال الدين، (1883)، لسان العرب، بيروت، دار صادر.

- الإحاطة في أخبار غرناطة، لسان الدين ابن الخطيب (1975)، تحقيق: مخمد عبد الله عنان، القاهرة، مكتبة الخانجي.

- الأوسي، حكمت علي، (1977)، فصول في الأدبالأندلسي في القرنين الثاني والثالث للهجرة القاهرة، مكتبة الخانجي، ط3.

- الجوهري، اسماعيل بن حماد، (1990)، تحقيق: أحمد عبد الغفور عطار، دار العلم للملايين، ط4.

- الخنساء، (1985)، ديوان الخنساء، تحقيق: إبراهيم عوضين، القاهرة، مطبعة السعادة.

- الدينوري، ابن قتيبة، (1958)، الشعر والشعراء، تحقيق: أحمد محمد شاكر، مصر، دار المعارف.

- الشرقاوي، محمود، (1941)، رثاء البصرة في شعر ابن الرومي، العدد: 398، القاهرة، مجلة الرسالة.

- الشعر الأندلسي وصدى النكبات، يوسف عيد، دار الفكر العربي، بيروت، ط1، 2002.

- الشكعة، مصطفى، (1979)، الأدب الأندلسي: موضوعاته وفنونه، ط9، بيروت، دار العلم للملايين، د.ت.

- القيرواني، ابن رشيق، (1981)، العمدة في محاسن الشعر وآدابه، تحقيق: محمد محي الدين عبد الحميد، دار الجيل، ط5.

- الكتبي، ابن شاكر، (1974)، فوات الوفيات، تحقيق: إحسان عباس، دار صادر، بيروت، ط1.

- المقري، أحمد، (1939)، أزهار الرياض في أخبار عياض، تحقيق: مصطفى السقا وابراهيم الابياري وعبد الحفيظ شلبي، لجنة التأليف والترجمة والنشر، القاهرة.

- المقري، أحمد،(1988)، نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب، تحقيق: إحسان عباس، دار صادر، بيروت.

- تاريخ الفكر الاندلسي، آنخل جنثالث بالنثيا، ترجمة: حسين مؤنس، مكتبة الثاقفة، مصر.

- ربابعة، موسى، ( 1990)، ظواهر من الانحراف الأسلوبي في شعر مجنون ليلى، مجلة أبحاث اليرموك، عدد: 1، عمان– الأردن، جامعة أل البيت.

- طه، حسين (2012)، تجديد ذكري أبي العلاء المعري، القاهرة، مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة، ط2.

- عيد، يوسف، (2002)، الشعر الأندلسي وصدى النكبات، يوسف عيد، بيروت، دار الفكر العربي، بيروت، ط1.

- لسان الدين ابن الخطيب (1975)، الإحاطة في أخبار غرناطة، تحقيق: مخمد عبد الله عنان، القاهرة، مكتبة الخانجي.

نص القصيدة :

لكل شيء إذا ما تم نقصانُ * * * فلا يُغرُّ بطِيب العـيشِ إنسـانُ

هي الأمور كما شاهدتها دولٌ * * * من سره زمن ساءتهُ أزمــانُ

وهذه الدار لا تُبقي على أحد * * * ولا يدوم على حالٍ لهـا شــانُ

يُمزق الدهر حتماً كل سابغةٍ * * * إذا نبت مشرفيـّاتٌ وخُرصـانُ

وينتضي كلّ سيف للفناء ولوْ * * * كان ابن ذي يزَن والغمدَ غمدانُ

أين الملوك ذوي التيجانِ من يمنٍ * * * وأين منهم أكليــلٌ وتيجانُ ؟

وأين ما شادهُ شدادُ في إرمٍ * * * وأين ما ساسهُ في الفُـرسِ ساسانُ ؟

وأين ما حازه قارُونُ من ذهبٍ * * * وأين عادٌ وشـدادٌ وقحطـانُ ؟

أتى على الكُلِّ أمرٍ لا مردّ َلهُ * * * حتى قضوا فكأنَّ القوم ما كانُـوا

وصار ما كان من مُلكٍ ومن مَلكِ * * *كما حكى عن خيالِ الطّيفِ وسنانُ

دارَ الزّمانُ على دارا وقاتلـهِ * * * وأمَّ كسـرى فمـا آواه إيـوانُ

كأنما الصعبُ لم يسهُل لهُ سببُ * * * يوماً ولا مَلكَ الدُّنيـا سُليمـانُ

فجائعُ الدَّهر أنـواعٌ مُنوَّعـةٌ * * * ولِلزمـانِ مسـرَّاتٌ وأحــزانُ

وللحوادثِ سلـوَانٌ يُسهلُهـا * * * وما لما حـلَّ بالإسـلام سُلـوانُ

دهى الجزيرة أمرٌ لا عزاء له * * * هوى لـه أُحدٌ وأنهد ثهـلانُ

أصابها العينُ في الإسلام فارتَزأت * * * حتى خلَت منه أقطار وبُلـدانُ

فأسأل بلنسية ما شأنُ مُرسيةً * * * وأيـن شاطبـة أم أيـن جيـَّـانُ

وأين قرطبةٌ دار العلوم فكـم * * * من عالـمٍ قد سمـا فيها له شـانُ

وأين حمصُوما تحويه من نزهٍ * * * ونهرهُا العذبُ فياضٌ وملآنُ

قواعدٌ كنَّ أركان البلاد فمـا * * * عسى البقاءُ إذا لـم تبـق أركـانُ

تبكي الحنفية البيضاء من أسفٍ * * * كما بكى لفراق الإلـف هيمـانُ

على ديار من الإسلام خاليـة * * * قد أقفرت ولها بالكفـر عُمـرانُ

حيث المساجد قد صارت كنائس ما * * * فيهنَّ إلا نواقيـسٌ و صلبانُ

حتى المحاريبُ تبكي وهي جامدةٌ * * * حتى المنابرُ تبكي وهي عيدانُ

يا غافلاً وله في الدهر موعضةٌ * * * إن كنت في سِنةٍ فالدهرُ يقضانُ

وماشياً مرحاً يلهيـه موطنـهُ * * * أبعد حمصٍ تغرُّ المـرء أوطـانُ

تلك المصيبةُ أنستْ ما تقدمهـا * * * وما لها من طول الدهرِ نسيـانُ

يا راكبين عِتاق الخيل ضامرةً * * * كأنها في مجال السبـقِ عقبـانُ

وحاملين سيُوف الهندِ مرهفـةُ * * * كأنها في ظلام النقـع نيـرانُ

وراتعين وراء البحر في دعـةٍ * * * لهم بأوطانهم عـزٌّ وسلطـانُ

أعندكم نبأ من أهل أندلـسٍ * * * فقد سرى بحديثِ القوم رُكبـانُ ؟

كم يستغيث بنا المستضعفون وهم * * * قتلى وأسرى فما يهتز إنسانُ ؟

ماذا التقاطع في الإسلام بينكمُ * * * وأنتم يا عبـاد اللـه إخـوانُ ؟

ألا نفوسٌ أبياتٌ لهـا هِــممٌ * * * أما على الخيرِ أنصارٌ وأعـوانُ

يا من لذلة قومٍ بعد عزِّهــمُ * * * أحـال حالهـمْ جـورُ وطُغيانُ

بالأمس كانوا ملوكاً في منازلهم * * * واليوم هم في بلاد الكفرِّ عبدانُ !

فلو تراهم حيارى لا دليل لهـمْ * * * عليهمُ من ثيابِ الـذلِ ألـوانُ

يا ربَّ أمّ وطفل حيل بينهمـا * * * كمـا تفـرقَ أرواحٌ وأبـدانُ

وطفلةً مثل حسنِ الشمسِ إذ طلعت * * * كأنما هي ياقوتٌ ومرجانُ

يقودها العِلجُ المكروه مُكرهةً * * * والعينُ باكيةُ والقلب حيرانُ

لمثل هذا يذوب القلبُ من كمدٍ * * * إن كان في القلبِ إسلامٌ وإيمانُ.



   نشر في 25 أكتوبر 2018  وآخر تعديل بتاريخ 16 فبراير 2019 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا