التحليل الجيوسياسي والاستراتيجي للتدخل الروسي في سورية وبؤس الديمقراطية. - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

التحليل الجيوسياسي والاستراتيجي للتدخل الروسي في سورية وبؤس الديمقراطية.

  نشر في 02 يناير 2016 .


لسنا من المتخصصين في العلوم الجيوسياسية من أجل تقديم نظرة تتسم بالدقة في التحليل، ولكن باقتفاء أثر التدخل العسكري الروسي في سورية، ومحاولة تسليط الضوء على الأحداث التي تدور رحاها في المنطقة، يمكن من فك لغز هذا التدخل ببساطة ورفع الحجب التي تعتري حقيقة ذلك. صحيح أنه يصعب جمع شعث كل الأحداث منذ بداية "الربيع السوري"، تحت اعتبار واحد. بيد أنه من خلال تتبعنا للحدث البارز ضمن سلسلة الأحداث هناك، يكفي من أجل التقاط صورة واضحة المعالم لحقيقة التدخل البوتيني (نسبة إلى فلاديمير بوتين) في سورية.

يتخذ تحليلنا في هذا الإطار عدة مستويات يمكن حصر إحداها في المستوى "الجيوسياسي" "والاستراتيجي"، فيما يتخذ المستوى الآخر من "بؤس الديمقراطية" مدارا له، وذلك على نحو مضمر وضمني. ويمكننا بلورة كنه هذا التحليل من خلال استحضار علاقة الثنائي الأمريكي الروسي ومحاولة السيطرة على المنطقة المذكورة آنفا.

بدءا، وجب الابتدار إلى القول أن الأحداث التي تجري في منطقة الشرق الأوسط بشكل عام هي غير معزولة، في سياق فهم حقيقتها، زمانيا (تاريخيا) ومكانيا، عن بعضها البعض،خصوصا إذا استحضرنا تبادل الأدوار في محاولة السيطرة على هذه المنطقة بين الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا إضافة إلى إسرائيل. والحق أن الناظر الممعن في شأن الأحداث التاريخية سيتأكد بالملموس من صحة العبارة الشهيرة التي تؤكد أن التاريخ يعيد نفسه بشكل أو بآخر". من أجل فهم بسيط وغير معقد لهذا الاعتبار يمكننا تتبع الخيط الناظم للتدخل العسكري الأمريكي في العراق سنة 2003. فقد أثبت الواقع أن الهدف الخفي من وراء هذا التدخل هو إضعاف نظام "صدام حسين"، وتثبيت أقدام الولايات المتحدة الأمريكية في المنطقة، استعماريا، وهذا نوع جديد من الاستعمار يقوم في جوهره على محاولة "تدويخ" سكان العالم بحقيقة ذلك، حيث روج الرئيس الأمريكي "جورج بوش" إعلاميا، آنئذ، لمبررات وهمية استقبلها الرأي الدولي بصدر رحب، بين اعتبار دولة العراق تحتوي على أسلحة الدمار الشامل، وبين محاولة إرساء معالم الديمقراطية، اختلطت الأسباب حتى أصبحنا نخوض في أقوال الأقوال وانتقادات الانتقادات، لكن الواقع التاريخي أثبت زيف هذا الادعاء، وكان الطمع الأمريكي، آنذاك، استعماري محض.

سوف لن نجانب الصواب، إذا اعتبرنا التدخل الروسي في سورية هو للأسباب نفسها، وقد يكون ذلك بالأحرى، باتفاق روسي أمريكي. ومن يدري، فهذا نوع جديد من السياسة يقوم على "اتفاق العدوين"؛ أي اتفاق الطرفين المتصارعين النقيضين، وكما أشرنا سالفا، فإن الأمر يتعلق فقط بلعب الأدوار في المنطقة، لكن هذه المرة يكون لروسيا الدور السوفسطائي البارز في تضليل الرأي الدولي، وكأن لسان حال "بوتين" يقول "لأوباما" استرح قليلا فالكلمة الآن لروسيا.

انطلقت محاولة التدخل البوتيني، كما هو معلوم إعلاميا، من الزعم القائل بالقضاء على التنظيمات المتطرفة في شكلها "الداعشي". ولكن ألا يمكن اعتبار هذا التنظيم في أساسه هو تنظيم وهمي، الهدف من هيكلته هو تحقيق أطماع استعمارية خفية؟ ألا يمكن اعتبار هذا التنظيم في صورته هو إعادة صياغة لتنظيم القاعدة المعروف، ولكن في شكل أكثر تطرفا؟. قد يظهر للبعض أن هذين الاعتبارين مبالغ فيهما، ولكن محاولة استنطاق ما بين أسطر التاريخ، تقر بأن الحجب عن ما يجري هناك قد رفعت والحقيقة قد انكشفت، لأن الناظر الممعن لو هو كلف نفسه عناء إعمال العقل في هذا الشأن يلفي أن الاستعمار الجديد يكون بالموازاة مع خلق تنظيم متطرف متأسلم نسجت خيوطه لهذا الغرض. فالأمر يتعلق إذن بتسلم روسيا مشعل استعمار المنطقة من الولايات المتحدة الأمريكية .

إن ما يجري في الشرق الأوسط على مدى العقدين الأخيرين، وفي سورية الآن، هو علامة بارزة على أننا أمام نظام أحادي القطب، لا كما يعتقد بعض المحللين في الشأن الجيواستراتيجي على أننا أمام نظام ثنائي القطب، المبرر واضح في هذا الإطار، فقد أسلفنا الذكر أن الأمر يتعلق في جوهره بالعزف على وثر الأدوار المتبادلة، ما دامت هناك مصالح مشتركة خفية بين قوتين كونيتين هما روسيا وأمريكا. لذلك فالأحداث التي تجري في سورية هي نسخة منقولة عن الأصل لتلك التي دارت رحاها في العراق سابقا. يمكن فهم ذلك بشكل غير معقد من خلال النظر في ردود أفعال الدول الرافضة للتدخل العسكري الروسي في سورية، سنجدها هي الأخرى نسخة طبق الأصل لتلك التي نتجت عن التدخل الأمريكي في العراق، بمعنى أن ردود الأفعال هذه، تجسدت في قناعين اثنين، أحدهما؛ ينكشف أمام سكان العالم في صورة رفض وشجب وتنديد، لما حدث ويحدث هناك، والثاني؛ يقبع خلف الستار في صورة تصفيق وتشجيع. القاسم المشترك ردود أفعال هذه الدول، هو أنها تقف موقف القطط التي تحوم حول مرق ساخن، وبانتهاء الأحداث تتحول إلى قطط ضالة في آخر الليل. مثل ردود الأفعال التي تولدت عن هذا التدخل العسكري، ذلك الذي صدر إعلاميا عن الولايات المتحد الأمريكية في شخص "أشتون كارتر" الذي تنبأ بفشل هذا التدخل، وتكبد روسيا خسائر بشرية هناك، بل إن روسيا تصب الزيت على النار بتوجيهها ضربات للمعارضة السورية بمبرر الحرب والقضاء على التنظيمات المتطرفة، طبقا لهذا الاعتبار، سنجد فعلا أن أمريكا تشكل القطب النقيض لروسيا في مستوى صريح، ولكن في نفس الآن دعا "كارتر" موسكو بأن تشارك واشنطن في مواقفها إزاء الأزمة السورية. إذن كيف يمكن لقطبين متصارعين أن يشتركا في مواقف متناقضة أصلا؟. هذا الأمر يدعو إلى التشكيك في الموقف الأمريكي المذكور سلفا. طبعا قد يقول قائل، إنه على المستوى التاريخي، وكما يتأكد من خلال الصراع القائم بين القطبين، أن أحدهما يحاول أن يستأسد على الآخر، لكن لا أحد يعرف ما يجري خلف الكواليس، ولا أحد يدرك أن هذا الصراع ولى زمانه وانقضى عهده ووعيده، وأخذ شكل الضرب على الكتف ترحيبا بالاستعمار في حلته الجديدة. وتحليلنا في هذا الشأن اتخذ طابعا عكسيا لما هو مألوف لأن من ينظر إلى الوقائع بعين واحدة ومن زاوية واحدة هو دليل على ضعف بصره.

انسجاما مع ما سلف ذكره، نعرج على الموقف العربي حيل الأزمة السورية، وبصدد ذلك نذكر أنه منذ سنة خلت صفقت بعض الدول العربية للموقف الأمريكي المساند للمعارضة السورية ضد "بشار الأسد" من جهة، والداعي إلى وقف الزحف الأخطبوطي لتنظيم "داعش" المتأسلم، لكن بين عشية وضحاها تحول هذا الموقف إلى مناصرة التدخل الروسي، مضمونا، من أجل زعزعة كيان التنظيم المذكور، وشكلا وصف هذا التدخل بأنه احتلال لسورية ودعم للإرهاب.

في مستوى آخر من النظر في شأن الاعتبار القائل أن التاريخ يعيد نفسه بشكل أو بآخر، يتعلق الأمر هذه المرة بإمكانيات السلاح الروسي المستخدم لتحقيق الأهداف البوتينية، فقد استخدمت أسلحة حديثة التقدم، اعتمادا على أحدث طائرات السلاح الجوي ذات الصنع المزدوج، وهي إمكانيات يمكن فهم أبعادها من خلال اعتبارين اثنين، أحدهما؛ يتعلق بتحديد الأهداف بشكل دقيق للغاية استعماريا، وثانيهما؛ هو الأهم يمكن صياغته في اعتبار أن روسيا لم تجد أرضا تجرب فيه هذه الإمكانيات عدا سورية. الأمر نفسه ينطبق على التدخل الأمريكي في العراق الذي استخدمت فيه أسلحة جد متطورة بالنظر للحقبة الزمنية آنذاك، وهذا التدخل يتوافق مع الاعتبارين السابقين لكن في صورته الأمريكية.

لماذا إذن رمنا هذا التحليل المزدوج؟ لأن واقع الحال يؤكد تهافت الادعاء الأمريكي الروسي بصدد تبجحهما بالانتصار لحقوق الإنسان، وأهم هذه الحقوق، الحق في الحياة. أليس واضحا أن أمريكا، على وجه التحديد، من خلال ادعائها القضاء على التنظيمات الإرهابية (الوهمية)، قد قتلت الإنسان قبل أن تقتل حقوقه؟. سياسيا، وسوفسطائيا، تتخذ أمريكا ومعها روسيا من حقوق الإنسان وقضية الديمقراطية مبررا لتحقيق أهدافهما الاستعمارية في المنطقة، ولكن نظرة متفحصة لما بين أسطر هذين المبررين الوهميين، تبين أن الديمقراطية كمفهوم نبيل في الأصل، تحولت إلى أسوأ كلمة تم إبداعها من أجل طرق أبواب الاستعمار الجديد.إنه في الحقيقة مبرر كاذب، لأن الديمقراطية لم تجد طريقها للتحقق الفعلي في بلاد العم سام، فكيف لها أن تتحقق في بلاد الشام؟.

بصريح العبارة إذن نقول، إن معظم التدخلات في الشرق الأوسط بشكل عام، هو محاولة لاستعمار جديد يتوافق مع التقدم الحاصل في الميدان العسكري آليا واستراتيجيا. وعموما إذا كانت الدول الغربية تنحو صوب تكوين متخصصين في الميدان الجيواستراتيجي العسكري، فإن الدول ذات الخط العربي تكتفي بتكوين جيوش من الشعراء الفايسبوكيين من أجل النحيب والبكاء والضرب على الكف بالكف جراء فقدان وقتل المدنيين.  


  • 2

   نشر في 02 يناير 2016 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا