كل البدايات أم، وأمي بداية كل شيء - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

كل البدايات أم، وأمي بداية كل شيء

  نشر في 05 يناير 2016 .

أمي و"والدتي" التي لم تكمل تعليمها المدرسي، وتخلت عن المدرسة في سن مبكرة لتساعد عائلتها المكونة من ١١ فردًا حالها حال الكثيرين في ذلك الوقت ممن هُجّر من فلسطين قسرًا إلى الشتات، كبرت وترعرعت في المخيم، وعملت في الأرض، أحبت الرياضيات والتاريخ، وأحبت كل ما يتعلق بالفن والمطبخ.

مع ذلك عملت بعد الزواج وانتقالها إلى بلاد الغربة الأخرى، كرهت التكنولوجيا إلى أن بدأت تتأقلم معها مؤخرًا وتتعلم عليها، تظل تخبرنا عن فوائدها وهي التي كانت تقول:" ما اخترعوا هالاشيا إلا ليخربوا بيوت العالم وعقولن"، هي اليوم تنتقل من موقع لآخر ومن فيديو لآخر ومن مقال لآخر تشاركنا كل ما هو مفيد، ترسل لنا دعواتها المرتجلة والمقفاة، تنفث فينا حرزها ليحمينا الرحمن ويعيننا على إدراك طريقنا الذي يرتضيه لنا.

لم تشأ أن تنتقل هي وكل من خرج من ضيق المخيم على الرغم من أنهم خرجوا من حصاره وحدوده إلى بيت أكثر اتساعًا وتنظيمًا، كم عنى لهم المخيم، وماذا عنى لهم؟

تظل تتلو علينا حكايا "الحقلة" ومواسم الحصاد و"الأخضر" والمشي لمسافات طويلة حتى يبلغن الأرض، وأكياس" البطون" التي كانوا يحضرونها هي وأمها وإخوتها من بقايا الخبز غير الصالح للأكل حتى وقت متأخر من الليل ليبيعها جدي صباحًا، وعن تلك اللحظات التي كن يسرقنها من ساعات العمل الطويلة والشاقة في الأرض يتسامرن فيها، كانت تسليتهم من الطعام "الخبيز والبندورة".

تشتاق كثيرًا إلى تلك الأوقات التي كانت تخرج فيها هي وصديقاتها إلى نزهة مسروقة من تلك الظروف في الجهة الخلفية من المخيم متسلقاتٍ سوره حاملاتٍ معهن ما استطعن قطفه من أخضر الأرض تحضرنه لتأكلنه، تضحك كثيرًا لتلك الأيام وهي تخبرني، كم هي جميلة ضحكتها وكم أحب أن استمع لها وهي تحكي لي كل التفاصيل حتى تملني" حلّي عني هلأ"

كيف أحببتم المخيم، ولم حزنتم إلى هذه الدرجة عندما انتقلتم؟

تقول لي بصوت ملئ بحنين يفيض عنها:" يا إمي كنا كلنا متل العيلة الوحدة، ما كان في هالمشاكل ولا هالحقد ولا هالتعب، كنا نشتغل أي شي المهم نلاقي لقمة يومنا، الناس كلها كانت لبعضا، كنا نحب الأرض وما كنا زعلانين إنه تركنا المدرسة واشتغلنا بالحقلة، مع إني كنت بحب الدراسة، بس كنا ننبسط كتير برغم كل شي تعب، بس كانت البساطة موجودة بهديك الحياة، نبقى نسهر عند بعض بالشتا، شوفينا متجمعين حوالين الدفا، كان المخيم متل بيتنا الكبير!".

من البيت الجديد في بعلبك إلى بيت الزوجية إلى بلاد الغربة! 

عملت إلى جانب أبي وأنجبت وربت معه ٦ أبناء، درست معنا حين كانت تدرّسنا، وتحدثنا في التاريخ أكثر مما تحتوي الكتب، يداها تفعلان سحرًا في الطعام، وتجد في كل زاوية من البيت وردًا نسقته بيديها، كما ارتدي دومًا ما تحيكه لي وأجده أجمل من أجمل شيء، لها نظرة في كل شيء فتتحدث في الدين والسياسة والصحة والتربية والتكنولوجيا ( أمي البسيطة في هدفها، عظيمة في إنجازها)، تحب أن تحب كل ما تفعل لتقدمه متقنًا مفعمًا بالحب.

اليوم وقد جاوزت ٥٥ من عمرها لا تزال تحب العمل ولا تمل منه رغم التعب ويديها اللتين شاختا حبًا وعمرًا، تقول ممازحة:" ختيرت يا أمي"، أحبّ على يديها:" الكبر هيبة أمي، وكل تجعيدة قصة كبيرة"، طالبناها كثيرًا بالتوقف عن العطاء لترتاح ما بقي، لكني توقفت عن طلب ذلك، فكيف أطالب من أحب الحياة بعطائه أن يكف عن الحياة!

تعلمت على الحاسب والهاتف المحمول وتحاول حفظ كل ما سقط إلى أذنها بالإنجليزية لتكون جملتها التي تتحدث بها إلى أحد الجيران من غير العرب، تحب القراءة وتخبرني دومًا أنها ترغب في إيجاد وقت لتقرأ وهي تحاول ذلك، تطالع الآن كتابًا عن الأندلس، تحب الضحك كثيرًا وتجالسني وصديقاتي وإخوتي مرحة مستمتعة ولا زالت تطمح في فعل وإنجاز المزيد!

لا ترويها لغتي العربية التي جاوزت ٢٣ عمرًا.

كل البدايات أم، وأمي بداية كل شيء!


  • 12

  • آية كايد
    قلت:" أكثر الناس غربة من لا ذاكرة له ولا وطن"، ووطني المنفي والمنسي بين ضجيج الرصاص والاحتلال يكتبني كل يوم لأكبر معه، يوثقني بصموده فأعرف معه فلسطين الغائبة الحاضرة و معنى الحياة والمقاومة والحب والموسيقى واللغة.
   نشر في 05 يناير 2016 .

التعليقات

Amin Almitwaliy منذ 4 شهر
رائعة جدا كلامتك ,, كنت اتمنى المقال لا ينتهي :)
0
قصة تحمل كل معاني الأمل العميقة، أضفتها إلى قائمة المفضلة :)
3
والله مقاله رائعه ... بل هي قصة ألم وأمل ... اتمنى لك التوفيق
2

لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا