حديثٌ إلى الجبل - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

حديثٌ إلى الجبل

أصابعُ خمسٍ تشابكت في أصابعه الخمس، تلك عشرةُ عهود كاملة على النهوض

  نشر في 01 يونيو 2018 .

حين تأخذنا الحياةُ إلى أضيق مراحلها ركْلاً بأقدام مواقف متتابعة، حين نتلقى لكماتٍ غير متوقعة وبدرجات متفاوتة، على حَلَبَة الصراع مع الحياة.. تلك أكثرها وجعًا، وأشدها فتكًا، ذلك أنّ الجسد الوَاهِن بطعنات الحياة المادية والنفسية ليس بحاجة إلى مزيدٍ من اللكمات.

لكَ أن تتخيل صورة ذلك الشاب الذي يسقط بجسده على الأرض فوق حلبة الصراع، بعدما تلقى لكمةٍ قاضية.. جسدٌ مثخنٌ بالآلام.. وعيونٌ تغرغر.. صورٌ متداخلة تبدو أمامه عندما يُحاول مقاومة إغلاق جفنيه المتعبين.. صوره الذهنيّة أكثرُ حضورًا من تلك الواقعية، يمرُّ الهواء إلى رئته بشق الأنفس، يُحاول الوقوف فلا يستطع، مراتٌ عديدة يفتح – على مضض – عينيه، فلا جدوى.

فجأة تلتقط عيناه يدًا قريبةً من الأرض، حين قرفص أحدهم أمامه محوّلاً ذارعيه إلى عكاز، في مهمةٍ لإنقاذ جسدٍ اقترب على النهاية.. بدون تردد يضع الشابُ يده على رأس العكاز.. أصابعُ خمسٍ تشابكت في أصابعه الخمس، تلك عشرةُ عهود كاملة على النهوض.

يُحاول الوقوف متعكزًا على أمل المستقبل، الذي نسجه ذلك الذي مد يده لانتشال سقوطه، يقف إلى منتصف صُلبه.. تتفتح عيناه أكثر إلى صور الحياة الطبيعية.. يزداد في عينيه الأمل، حتى يشتد عوده واقفًا مستقيمًا؛ متناسيًا آثار اللكمات التي طرحتُه أرضًا، ينظر في عينيّ من أوقفه فإذا لكمةٌ قاضية قد سقطت هذه المرة أسفلَ عينيه اليمنى، أزاحت ما تبقى من البصر القليل الذي استجمعه في رحلة النهوض مرة أخرى.

سيناريوهات الأمل التي رأها في رحتله إلى النهوض أنسته أنّ تلك اليد التي امتدت إليه ليقف على قدميه كانت عكازًا قاضيًا في رحلته الهابطة بسرعة إلى الهاوية، لتبدأ أنفاسُه الأخيرة في الخروج على مهلٍ، وهو يستعرض شريط الصراع على الحلبة، كمْ مرةً كان بإمكانه أن يتصدى لضربة قاضية.. كم مرة كان بإمكانه أن يسدد هو الضربات.. كم مرة هرب إلى حافة الحلبة لالتقاط الأنفاس، قبل أن يستعجل الهرولة إلى منتصف الحلبة.

قطع ذلك اللاكم الأخير (صاحب الضربة القاضية)، شريطَ ذكريات الشاب بهبوط القرفصاء على ركبتيه مقتربًا بفهمه إلى أذن الشاب، ليسوق إليه أسفه الشديد على ما اقترف في حقه، يضع أمام أنفاسه الأخير ذلك الظرف القاهري، يقول وهو يتحسّر على ما بدا خطأ أوليًا: «كنتُ حسَن النية حين حوّلتُ ذراعي إلى عكاز، لكنّ المصارع الآخر وضع على رقبتي السيفَ، إما أنْ أعيد إليك اللكمة القاضية أو تهبط رقبتي إلى الأرض بجوارك».

حينها لم يكن أمام الشاب خيارات التفكير كثيرًا، سوى جملة من التساؤلات، هل فديت نفسك بموتي أيُّها المُنقذ، إن صحت نيتك؟ ألمْ تتوقع وجود المصارع على الحلبة لا يزال واقفًا؟، ألم تحاول مصارعته هو؛ كأقرب الحلول إلى الحياة؟.

.. انتهى المُتكئُ فوق أريكةٍ خشبيّة أمام البحر من سرد ملامح صامتة، مخاطبًا ذاك الجبل الواقفُ في الناحية المقابلة للشاطئ، وهو يُحاول إيجاد تفسيرٍ لما جرى، قبل أن يسمع رنينَ حديثٍ كأنه الوحي، أنْصَت قليلاً فإذا بالمُخاطَب يرد على أزيزه.

يبدأ العنصر الجمادي الذي قطع نواميس الكون، كأحد معجزات الخالق، إلقاء عباراتٍ كأنَّها قاعدة الحياة علّها تخرج تفسيرًا لما جرى.

همهمات ثقيلة.. ينهض المُتكئُ واقفًا ينصت أكثر، فإذا بوحي الطبيعة يحاول تضميد الألم، حين يخبره بأنَّ القدر كان حاضرًا عندما اتسع الجرحُ بلمس المشارط التي حاولت تنظيف آثار الصديد بجوانبه، كأنّه اللظى في أعلى مراتبه.

يشد – متحدثًا- على كتفيه حين يخبره أن كلام المعاتَب فوق الثلاث مرات كالطلاق البائن، لا رجعة بعده؛ إذ أصبحت بذاتك وروحك لا شيء ذا قيمة لدى الطرف الآخر.

رمى الجبل إلى أذن الشاب قاعدة قبل أن يصمت، مذكِّرًا إياه بقواعد البشر قائلاً: «الإيمان بالواقع أفضلُ من أن يخدعنا الآخرون بجملٍ مُنمّقة، تستر عورات مستقبلنا المجهولَ يا ولدي.. وزخارفُ على جدار القلب لا تمحو الثقبَ، تذهب حينًا الألوانُ ويبقى النخرُ».

نهض الفتى مهمْهمًا بالرد، فإذا بصوت الجبل يقطعه: «عُدْ إلى أريكتك الخشبية والتقط قسطًا من الراحلة الجسيّدة.. ولنكمل حديثنا لاحقًا».

.. طاب مساؤكم

محمود غريب


  • 4

   نشر في 01 يونيو 2018 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم













عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا