سرد تعبيري - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

سرد تعبيري

قصائد نثر مكتوبة بأسلوب السرد التعبيري

  نشر في 30 يناير 2017  وآخر تعديل بتاريخ 11 يونيو 2017 .




"عالم فضّيّ"


كان بارعاً في جمع أشعّة الشمس و خيوط الحرير، كان يحدّثني عن النهر و شجرة الفضّة يا للنقاء الغريب. لقد قال لي: إنّ الكلمة كالشمس ليس لها الا أنّ تكون نقية، ليس لها الا أنّ تكون كما يجب، بيضاء تفيض بالسائرين.

وسط ذلك السرور، حكى لي قصّة الفجر الحزين، و تلك العيون المورقة ، لقد لمست ُ رموشَها بيديّ هاتين، بينما تلك السحب تغنّي ببرود، كم هي سعيدة بأقدامها الحافية، لقد سمعتُ صوتها البعيد، كل ما تجيده لون باهت و أعمى .

قال لي إنّ الفضّة طيبة كالعنبر النديّ، هي ليست من الظباء كما تتوهّم، فأجدادنا الغالون ذوو الاجنحة الطويلة أحضروها من جزر بعيدة حينما نزلوا قبل المساء. قال وهو يبتسم: أنا أتذكّر ذلك جيداً. كنت أعلم أنه لا يكذب أبدا. لكنّ تلك العيون ما عادت ترى بريقه الفاتن لم تعد تستطيع أن ترفع طرفها نحو نجومه الخضراء.

أنا لم أتكلم، لكنّني في واقع الأمر أردت أن أساله شيئا. إلتفتَ إليّ قائلا: أين أجد صخرة و بخوراً؟ حينها نطقتُ و قلت له لقد رأيتهم يصفعون وجه الزمن الأعمى، لقد رأيتهم ينثرون الفضّة في الأرض اليباب. ليتك رأيتها كانت تتراقص مع الريح في وديان بللها المطر. أجل كم هو مبهج أن ترى السرور على جفون الحقول النديّ، لقد كانت فضية كما يجب. بعد ذلك أشرتُ نحو العمق و قلت له: هنا نهر فضّي، أرواح فضّية ، صوت فضّي. لقد أذهلتُه فعلاً حتى صار يردّد: يا لهذا العالم الفضّي. و أخذ يرمق الأفق كقارب وحيد عند الغروب، كان يشعر بذلك بقوة. شيء غريب فعلاً.



"البركة الجريحة" 


ظلّ أنا و مرآة شاحبة ، أنثر ألميه المرّ في كلمات غريبة ، ذلك النحيل الذي تدمي الصخور ركبتيه، لقد اعتاد السير عليهما نحو البركة الجريحة. في الطريق تلقاه الأعمدة الحجرية القديمة، تحدّثه عن الذين مرّوا من هناك، و ايضا عن الارواح التي ملأت أعماق البركة بالنداء و الأغنيات الشجيّة ، و عن صندوقها الخشبي الذي تخرجه كل مساء و بحبرها الاحمر تدوّن جراحها؛ ما فعلته أيدي أبنائها الغالين .

لقد كان ذلك النحيل كثير الابتسام، لا يهتّم كثيرا للنزيف اليومي من قلبه و ركبيه، لا يريد أن يتوسّل عطف العالم الواسع و لا كلماته الحماسية. ليتك تراه و انت تطلّ من تلك التلّة على كذب العيون الباردة ، تقول في نفسك: يا لشعره الأشعث، يا لثيابه الرثّة. أيها القارئ يا أنا، متى ترى جراح ركبتيه و قلبه اليائس؟



"القنفذ البنيّ"


حينما رآني أخذ يبتسم، ذلك القنفذ البنيّ. لقد ذُهِلتَ، لم أتوقّع منه هكذا وضوح، فالأشياء البنيّة عميقة عادة.

كان سمّاكاً ماهرا، لديه شبكة من فضّة، قد ورثها من أجداده القدامى، لكنّه أخبرني أنّه لا يحبّ السمك، و كلّ ما يفعله، أنه يصبغ الأسماك بالفضّة، و يرميها الى الجانب الآخر من النهر، حيث تغرب الشمس، كان يحبّ الغروب و يحبّ الشمس. لقد أخبرني أنّ الشمس عند الغروب تصير قريبة من النهر، فتلتقط الأسماك كما يفعل الدببة.

أدخلني بيته العامر، يا له من جحر بارد. التراب رطِب. له جيران ودودون و ناعمون كأوراق الليمون. لقد أجلسني على طاولة قديمة مصنوعة من عظام الهدهد. كان يجيد السحر، إنه ساحر ماهر.، له زوجة و أطفال سحرة. في البداية سخروا منّي لأنني أرتدي ثياباً براقة. قالوا لي: كن بنيّاً عميقا. بعدها حوّلوني الى سمكة فّضية ذات جناحين رشيقين، ثم رموا بي الى الضفّة الأخرى، حيث مغرب الشمس. كنت مبتهجاً رغم أنني لا أحب السمك و لا الغروب. أجل لطالما حلمتُ أني أطير في فضاء غريب، لكنْ لم يخطر ببالي يوما أني سأكون وجبة طعام فضّية للشمس.


"فلاح"

أنا فلاح قديم، لا أرى صورتي الا على وجه الماء، هناك في ساقيتنا الحبيبة. لقد كانت صغيرة بقدر حلمي البريء، تحدثني عن وجه آخر للشمس، حينها كنت طفلا أذوب في ألوان الفراشات، و أعد اغصان الريح برفق. يا للصفاء الذي سرقوه، لقد أخذوا غصن زيتونتنا الناعم، صنعوا منه قذيفة و موتا، ثم أخبروني أنني مجرم خطير أزرع الزيتون.

أجل، هكذا بلا كلل سأردّد أغنيات الطيور. أنظر هل ترى في حكاياتها وهما؟ لن آبه لوجه العالم الوقح، لقد ملأوا الفضاء كذبا، قالوا: لنا اقدام نحاسية، أنظر هل ترى شيئا غير الخواء؟ يا للمدنية العمياء.

متى ستتعلم البسيطة صوت الزهر؟ ها أنا اسمعه يردّد : لن تجد الريح الموحشة مكانا في مساماتي، فأنا طائر حر، أعشق رائحة الطين و أحبّ أن تلفح شمس الظهيرة وجهي، ربما لأن أبي زرعني مع حبّة قمح في بستاننا الصغير.





• أنور غني الموسوي شاعر و كاتب عراقي من مواليد 1973 من مدينة بابل . ظهر اسمه في عدد من المجلات الادبية العربية و الانكليزية. صدر له مجموعة كتب شعرية و نقدية في بغداد و فلسطين و دمشق.

• السرد التعبيري هو كتابة قصيدة النثر باللغة النثرية الكاملة من دون اي تفنن بصري او شكلي و تجنب اسلوب التشطيرالمعهود في كتابة قصيدة النثر. يعتمد السرد التعبيري على السرد الممانع للسرد، السرد الذي لا يكون بقصد الحكاية و القص بل بقصد الايحاء الرمز.









   نشر في 30 يناير 2017  وآخر تعديل بتاريخ 11 يونيو 2017 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا