لستَ تعرفُهُ..! - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

لستَ تعرفُهُ..!

  نشر في 23 أكتوبر 2018  وآخر تعديل بتاريخ 28 أكتوبر 2018 .

في حياتنا اليومية نقابل الكثير من الناس في أماكن العمل و النوادي والمساجد و الأسواق و الحدائق وأماكن التنزه ، وبعض الناس يتكرر لقاؤنا بهم ويصبحون جزءا من حياتنا بشكل أو آخر، والبعض ربما لا نراهم إلا مرة واحدة في العمر ، ومع تكرار اللقاء ببعض الناس وتبادل أطراف الحديث معهم في شتى الأمور العامة وربما الخاصة نظن أننا نعرفهم ونشهد لبعضهم بالعدالة والفضل مع أننا لم نر منهم شيئا يدل على ذلك أو قرينة تؤيد هذا الادعاء وفي أغلب الأحيان نبني هذا الإعتقاد على ملاحظات ظاهرية وأمور سطحية لا ترقى إلى منزلة الدلائل والبراهين على ما نقول وندعي. نشهد لبعض الناس بالتدين والورع لأننا سمعناهم مرة يتكلمون في الدين وقد يكون حظهم من الدين لا يعدو الكلام الذي ليس له رصيد من عمل يصدقه ، وقد يخدعنا بعض الناس بارتيادهم المساجد وحرصهم على صلاة الجماعة مع الناس ، وقد يخدعنا بعض الناس بتمسكهم بالسمت الإسلامي مثل إعفاء الحية وتقصير الثوب وحمله للمسواك في جيبه وربما لمصحف من القطع الصغير لا يفارق جيبه ، ورغم أن هذه الأشياء أشياء مطلوبة ولا ينبغي أن تكون موضع سخرية أو استهزاء إلا أنها لا تصلح للحكم بمعرفة شخص ما والشهادة بعدالته وفضله.

وعلى الطرف الآخر نخطئ في الحكم على بعض الناس ونرميهم بكل نقيصة لأنهم لا يحسنون الحديث في المجالس ولا يأخذون أنفسهم بالمظاهر متأولين في ذلك أو مضطرين وهم في الحقيقة أهل عدالة وفضل وأهل تضحية وسبق ولا يعنيهم أن يعرفهم الناس ولا يضرهم عدم معرفتهم لهم مادام ربهم الذي خلقهم يعرفهم.

ذكر أن فضيلة الشيخ عبد الرحمن الدوسري ـ رحمه الله ـ ، ألقى محاضرة  تحت عنوان :(تصحيح الإيمان) وحين فرغ الشيخ من المحاضرة انبرى أحد السائلين معترضاً عليه في استشهاده بكلام سيد قطب، مع أنه حليق لا لحية له ! فأجابه الشيخ الدوسري قائلاً له:" أنت تعالج الجرح والرأس مقطوع ، فإذا كان سيد قطب ـ رحمه الله ـ بلا شعر في لحيته؛ فهو صاحب إحساس وشعور، وإيمان ويقين، وعزة وكرامة، وغيرة على الإسلام والمسلمين؛ قدَّم روحه فداءً لدينه، واستشهد في سبيل الله طلباً لمرضاته، وطمعاً في جنته، وقال قولته المشهورة حين ساوموه ليرجع عن موقفه: "لماذا أسترحم؟ إن سُجِنتُ بحقٍ، فأنا أرضى حُكم الحق، وإن سُجِنتُ بباطل ؛ فأنا أكبر من أن أسترحم الباطل، إن إصبع السبابة الذي يشهد لله بالوحدانية في الصلاة ليرفض أن يكتب حرفاً يقر فيه حكمَ طاغية".

ثمَّ قال الشيخ الدوسري :هذا هو سيد قطب، فأين أصحاب الشَعْر بلا شعور من مواقف الرجال؟!"

إن معرفة الأشخاص أمر يحتاج إلى دلائل وبراهين لا يمكن الحصول عليها من خلال اللقاءات العابرة في الأماكن العامة التي يلتقي فيها الناس عامة ، فكل شخص يظهر أحسن ما لديه أمام الناس ، كما أن مجالات التعامل بين الناس في هذ الأماكن مجالات محدودة تحكمها طبيعة المكان ، فالناس في المسجد كلهم ركع وسجود يقفون بين يدي الله عز وجل يلتمسون ما عنده ويستغفرونه ، وفي أماكن العمل كل مشغول بمهمته والناس يتعاملون مع بعضهم في إطار المهام المشتركة المنوطة بهم ، وهكذا الأمر في الحدائق والمنتزهات حكايات وأسمار وأكل وشرب ولعب ولهو ثم يتفرقون.

كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه ذكيا فطنا بأحوال الرجال لا يخدعه مظهر عن جوهر ولا يقبل تزكية لشخص ما إلأ ممن ثبتت له معرفة حقيقية بهذا الشخص ، وقد وضع رضي الله عنه قواعد وأصولا لهذه المعرفة ، واعتبر أن من لم يأت بهذه الأصول لا يمكن أن تثبت له المعرفة ولا يحق له أن يصدر تزكية لغيره.

ذكر أبو القاسم البغوي بإسناد حسن والخطيب في الكفاية وغيرهم عن خرشة بن أبحر قال شهد عن عمر بن الخطاب رجل شهادة ؛ فقال له : لست أعرفك ولا يضرك أن لا أعرفك فأت بمن يعرفك . فقال رجلٌ من القوم : أنا أعرفه . فقال بأي شيء تعرفه ؟ قال : بالعدالة والفضل . قال : فهو جارك الأدنى الذي تعرف ليله ونهاره ومدخله ومخرجه ؟ قال : لا . قال : فمعاملك في الدينار والدرهم اللذين يستدل بهما على الورع ؟ قال : لا . قال : فرفيقك في السفر الذي يستدل به على مكارم الأخلاق ؟ قال : لا .

قال : لست تعرفه . ثم قال للرجل : ائت بمن يعرفك.

ورواه ابن أبي الدنيا في الصمت بلفظ : أن عمر رأى رجلا يثني على رجل فقال : أسافرت معه ؟ قال : لا . قال أخالطته قال : لا . قال : والله الذي لا إله إلا هو ما تعرفه .

وروى الدينوري في المجالسة عن عبدالله العمري قال : قال رجل لعمر إن فلانا رجل صدق فقال له هل سافرت معه ؟ قال : لا . قال : فهل كانت بينك وبينه معاملة ؟ قال : لا . قال فهل ائتمنتَه على شيء ؟

قال : لا . قال : فأنت الذي لا علم لك به أُراك رأيتَه يرفع رأسه ويخفضه في المسجد انتهى .

ولا يعارضه اذا رأيتم الرجل يعتاد المسجد فاشهدوا له بالإيمان فتأمل )

من خلال هذه الروايات المتعددة نستخلص أن عمر رضي الله عنه قد وضع خمس قواعد تثبت بها المعرفة وتعطي للمرء الحق في تزكية شخص ما

أولا: الجوار في السكن الذي يمكن المرء من معرفة أحوال جاره.

ثانيا: المعاملة المالية التي يعرف من خلالها ورع المرء وخوفه من أكل المال الحرام.

ثالثا: مصاحبته في السفر لأن السفر يسفر أي يكشف عن أخلاق الرجال.

رابعا: المخالطة والمعايشة بالاجتماع مثلا في سكن واحد فيطلع كل منهما على أحوال صاحبه

خامسا: أداء الأمانة فلا دين لمن لا أمانة له كما جاء في الحديث.


  • 5

   نشر في 23 أكتوبر 2018  وآخر تعديل بتاريخ 28 أكتوبر 2018 .

التعليقات

انتم شهداء الله في الأرض ، نحكم على الناس بالظاهر ، ولكن الإخلاص لله شيء اخر ، فمثال نحن اليوم في عصر ال لا اسلام حكمي ، هناك خطب ومواعظ وصلوات وزكاه وحج وصوم ولكن ليس اسلام حكمي منهجي.
0
جهلان إسماعيل
نسأل الله العلي القدير أن يكتب لأمتنا الخير والرشاد والأمة ما هي إلا مجموع أفرادها فإن صلح الأفراد صلحت الأمة. ولنبدأ بأنفسنا قبل كل شيء فالإنسان مسؤول عن نفسه أمام الله أولا ثم بعد ذلك أسرته وأولاده. أشكرك لكم مروركم الكريم وجزاكم الله خيرا
يعطيك العافيه على الطرح القيم والرائع
جزاك الله كل خير وجعله فى ميزان
حسناتك يوم القيمه تسلم
الايادى وبارك الله فيك
دمت بحفظ الرحمن ....
1
جهلان إسماعيل
أشكرك أختي الكريمة وأسأل الله لي ولك التوفيق والسداد
روحي لله أبثها
اجمعين يارب
ابو البراء منذ 5 شهر
جزاك الله كل خيرا استاذنا على هذه المقالة القيمة دام قلمك
1
جهلان إسماعيل
شكرا لك أبا البراء. ما كان صوابا فمن الله وما كان خطأ فمن نفسي ومن الشيطان. ولا تحرمنا من رأيك بارك الله فيك
Salsabil Djaou منذ 5 شهر
مقالك أكثر من رائع ، يتضمن نصائح قيمة في المعاملة مع الآخرين ، وعدم الحكم عليهم من مظاهرهم ،دام قلمك استاذ ،كل التقدير لك.
1
جهلان إسماعيل
جزاك الله خيرا أخي الكريم وبارك فيك. نسأل الله أن ينفعنا جميع بما نقرأ وبما نكتب

لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا