علبة ليل - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

علبة ليل

قصة قصيرة

  نشر في 31 يناير 2017  وآخر تعديل بتاريخ 22 ماي 2017 .

  طول عُمر الأسطى "سمير" المزيّن ,مهتم بنفسه فشعره مصبوغ بالحناء ينسدل على جبهته وكتفيه يستمتع كثيرا بالتأكد من تصفيفة شعره أمام الناس حتى فى غياب المرآة, وطاقم أسنان الذى لم يحدث أبداً أن خلعه أمام أحد حتى زوجته, مما جعل أهل الحتة يطلقون عليه " سمير العايق", وإياك أن تناديه بهذا اللقب ولو على سبيل الهزار فى ساعة صفا فقد حدث ذلك معى,وحاولت أن أشاكسه فانقلبت جلسة الصفا رأسا على عقب واتهمنى بال..

ما علينا !!

هو كشخص رايق لا يحلق لأكثر من خمس رؤوس فى اليوم يغلف أجواء المحل غير الصور الكبيرة للفنانة ليلى علوى وناهد شريف وعبد الحليم حافظ أغانى شبابية بصوت صاخب وهذا فى غير أوقات الصلاة ففى أوقات الصلاة يصدح القرآن بصوت الشيخ عبد الباسط عبد الصمد , وإذا كان لابد أن تحلق عنده فلتحجز قبلها بيوم, ولو كنت عريسا سيرحب جدا وربما يلغى حجز اليوم بالكامل فهو رجل خدوم ولطيف ويستمتع كثيرا بالحديث فى العلاقات الزوجية, مرة كنت أنتظر دورى بعد شاب متزوج جديد وبعد فترة صمت حذر, ينافى طبيعة "الأسطى سمير" نظر فى وجه الشاب ورفع المقص عن رأسه :

_مالك يالا ؟

_. . .

_الله يخربيتها السمنة الهولندى ,يابنى إحنا كنا بنعرق سمنة.

_يا عم سمير مش ناقصك والنبى!

كان سيرد عليه بانفعال ولكن بعد أن لاحظ وجودى فهمس فى أذنه وهو يشير بيديه فى الهواء ويحرك وسطه بخلاعة,ضحكا معا وانصرفت ليكملا على راحتهما.

أما "الحاجة علية" زوجته, إمرأة سمينة متهدمة , أهلكها الزمن والعيال ولا تحتفظ بنضارة روحها الأولى كزوجها ولكنها لا تزال تحبه مهما شتمته وأجبرته على البيات فى المحل ,وهى أيضا تخشى عليه من العين بل وتغار عليه

_يا راجل إتهد ,أنت أحفادك بيقابلوك فى محلات الأتارى , إفهم بقى أنت عجزت وراحت عليك ؟

_فشرتى يا مرة يا عجوزة, واسمه بلاى ستيشن يا ولية,ويلعّب حاجبيه ويزغزغها

يوم الجمعة يرتدى جلبابه الأبيض المكوى,وسبحته الخضراء الرفيعة فى يده يحركها بلا انقطاع,بينما الحاجة ترقيه وهو خارج بالبخور المغربى وعين العفريت الذى يعطر الشقة فى هذا اليوم

رقيتك من عين الجارة السحارة النكارة

اللى تدخل للجارة بالسحر والنكارة

بيتك اللى عُمُر

بُنَيّك اللى كُبُر

ما تخرج اللعينة من ديار المسكينة

إلا ما تصبّحها حزينة

_خلاص يا ولية!!

بينما يمضى فى طريقه تتهامس النساء الجالسات على المصاطب ويضحكن من تحت لتحت فى إشارة لشعره المصبوغ المسبسب:

_يخيّبك راجل!

فى المسجد يستند إلى أقرب عمود للمنبر ويدير ظهره للخطيب ويقلّب النظر فى المصلين, ويتفاعل مع صياح الخطيب يشير للإمام من خلفه ويومئ برأسه وكأنه يقول :

_إمم , إتعلموها بقى !

يتكرر برنامجه أسبوعيا يوم الجمعة بأن يذهب لشارع الفسخانى ليشترى الرنجة والبصل للغداء, وبالليل يرتدى تيشرت كاجوال ويمضى "لمقهى عليوة" ومقهى عليوة هى مقهى منزوية فى حارة بائسة تقدم التقارير للمخبرين و المشاريب للرواد من البؤساء و أصحاب جرائم اليوم الواحد, نشالين على بلطجية على عاهرات..غلابة يعنى

وما يعنى الأسطى سمير فى أمر المقهى ليس النشالين ولا البلطجية بالطبع ولا العاهرات طبعا حاشا لله, ولكن ذلك الكوب من الشاى الذى يكمل تلك اللوحة الساخرة لشبابه الذى يتشبث فيه, ويسميه مازحا "شاى هتلر" ,_إعلم أنى أنتظر عند بداية الشارع الآن لألتقط بعينى تلك الصورة التى يغمز فيها القهوجى بالعشرة جنيهات ليحصل على جرعته من شاى هتلر _

ينصرف من المقهى إلى شارع سد جانبى تمتلك الجانبين منه "الست لواحظ" لتحول أرض الشارع إلى طرقة منزل مفتوحة , هى متعهدة حفلات تورّد فنانين وفنانات وتكتشفهم أيضا _وتفتخر بذلك كثيرا_, لم يكن ذلك الثراء الغامض بسبب السمسرة فى الراقصات ولكن كان بسبب هذه النقطة الحمراء فى مدينتنا العذراء, يسميها المراهقين والشباب الذى يريد الحرام ويتهيّب الموقف "العلبة"

المكان بالنهار عادى جدا أطفال تلهو وسماعات ضخمة ينقلها عمال على ظهورهم لأن السيارات لا تستطيع الدخول فى هذا الزقاق, وفتيات ينشرن الغسيل الغزير جدا, ما أن تُذكر كلمة "العلبة" فى أى سياق ولو كان الحديث عن "علبة كشرى", حتى تحمر خدود العذراوات وتضحك السيدات ويتجهم الرجال ويسيل لعاب الشباب والمراهقين.

ما شغلنى بالأمر أن "عم سمير" مهما كان عايق فلياقته البدنية حتى بالإستعانة بشاى هتلر لا تسمح طبعا, للسن أحكام يا جماعة !

يستمر ذلك الرجل فى إدهاشى, أتابعه وهو خارج فى الثالثة فجرا أحمر الوجه منتفخ الأوداج وابتسامة لا إرادية على وجهه يحيي القهوجى بشدة حتى يكاد يقبل يديه.

ما هذا ؟

ولماذا أنتظر هنا من أجل رجل فى الستين ويفعل ذلك,لم أشغل بالى كثيرا بما أفعل لأن مهما فعلت لن يكون أغرب مما أرى بأم عينى !

كنت فى زيارة لصديق منزله يطل على الشارع السد, وقد كنا على سطح المنزل نذاكر فى ليلة إمتحان ومتعسرين وسط هذا الكم الرهيب من المعلومات التى يجب أن نحشو بها رؤوسنا قبل طلوع الفجر لننام ساعتين ونذهب للإمتحان, وبينما أنا أِشرب الشاى مستندا إلى سور السطح وأنظر إلى "العلبة" حتى رأيت "عم سمير" ينزل إلى أرض الشارع يهندم ملابسه,مبعثر الشعر متجهم ويحدث إحداهن فى مدخل البيت بصوت عالى بعض الشئ:

_لا يا بنتى , أنتى مالكيش ذنب,خدى فلوسك دى حقك !

_يا عم سمير,عندك حق البنات يقرفوا الليمون ع السجر , تعالى فى حتة جديدة, إستنى لسه بدرى !

أشار من خلفه بالسلام ومضى منكس الرأس وأنا أتابعه وفى رأسى العديد من الإحتمالات والتخمينات.

من يومها, لم أرَ "عم سمير" كسابق عهده أبدا ,حتى صوته تغيّر وظهرت صورته الحقيقية أبيض الشعر ,بطاقم أسنان يعيد تثبيته كثيرا ويخلعه وهو يأكل بل وهو يشرب الشاى أيضاً, يحدثك عن السن والزمن كثيرا حتى تمل من صحبته بعد أن كان سيد المزاح والقافية وبعد أن كان يتلذذ بإحراجى بالإفيهات البذيئة والكلمات النابية أصبح يحدثنى بعقل ويستمع للكلام بجد ولا يضحك إلا نادرا

تغيّر "الأسطى سمير"!!


  • 1

  • محمد سامى أبو القاسم
    احب الكتابة ،أرى أن القصة حياة على الورق أكثر دلالة وأكثر عمقا،وأن الأدب الحقيقى هو ما يصالحنا على الواقع لا يحاكمه. msamyy8@gmail.com
   نشر في 31 يناير 2017  وآخر تعديل بتاريخ 22 ماي 2017 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا