النصيحة بين وجهين - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

النصيحة بين وجهين

  نشر في 27 غشت 2018  وآخر تعديل بتاريخ 11 أكتوبر 2018 .

إنما أعمالنا وأقوالنا على اثنين، خيرها وشرها، وبقية المعاني ما هي إلا امتداد لهما كامتداد الابن لأبيه في النسل.

فما في الحياة من جيد وسيء وطيب وخبيث وصالح وفاسد إلا أبناء وأحفاد للجدين الأكبرين الخير والشر، فهما العملتان الأوليان قبل صك العملات ومآل الأعمال والأقوال إليهما، وإليها يرد كل صغيرة وكبيرة في الحياة.

لكن لا يسمى الخير خيرا لانتسابه لصالح الأعمال والأقوال فحسب؛

فإن من أعمال الخير ما قد يكون أسوأ من الشر أو يتساوى معه منزلة،

إنما يتحدد بحسن النية التي لا يعرفها إلا الله ثم المرء نفسه، لكنها ما تلبث أن تتضح ويظهر مكنون النفوس إضافة إلى الهدف المرجو والطريقة التي يؤدى بها العمل.

ولذا قد تكون كلمة طيبة لا تطعم الفقير ولا تكسوه، خير من الصدقة التي قد تفعل ذلك إذ يقول الله -جل جلاله-((قَوْلٌ مَّعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِّن صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى ۗ وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ))1

ونحو هذا تقاس الأعمال والأقوال، فلابد أن يقترن عمل الخير بسلامة النية، وسمو الهدف، مع تتبع الطريق الأمثل للقيام به.

ومن الأعمال التي لا تخلو من ذلك النصيحة، فهي على الوجهين، إما أن تكون خالصة صالحة صادقة، أو تكون غير ذلك، فهذه نصيحة يسعي بها ذو أحقاد يُخْرج الكلام لا نصحا إنما على شكل النصح حتى لا يفور صدره بما يكن من ضغائن.

ولقد كثر الناصحين حتى لا تجد منصوحا، وكم من ثرثار أحرجك بين الناس فيعمد إلى نصحك علانية، ليبدو هو الناصح الأمين، وآخر يتخذ النصيحة سببا لإقحام نفسه في حياتك الخاصة وأمورك الشخصية وهناك أصحاب الحكمة المقترنة بالنية الحسنة لكنهم جهلوا بطريقة النصح أو تجاهلوها، ولذا فإن النصيحة على وشك أن تندثر ويعفو رسمها بسب اختفاء المعنى الحقيقي لها.

ولست بمتحدث عن آداب النصيحة وطرقها لثلاث،

الأولى أن هذا واضح بَين في دين الله وسنة رسوله كما أن هذا الموضوع قتل بحثا بين الكتب والعلماء والفلاسفة في مختلف العصور، فلست بباسط ما كتبوه بإعادته حتى وإن اختلف الأسلوب، والثانية أنها تختلف باختلاف الناصح والمنصوح والزمان والمكان، والثالثة كي لا أكون من الذين يقولون ما لا يفعلون فلا يستقيم أن أشتكي من كثرة الناصحين وتعددهم ثم بعد ذلك أكون واحد منهم فأنصح الناس كيف ينصحون!

إنما هذه الحروف وتلكم الجمل لتوضيح ما قد يُنَفِر من النصيحة أو يجافى الناس عنها، ومنها

الخلط بين الآراء والنصيحة وصهرهما في بوتقة واحدة لا ينفصل أحدهما عن الآخر، ولا أنكر أن الرأي من النصيحة، وإنما جعل التشاور للوصول إلى الرأي السديد والذي يتحول بدوره إلى نصيحة، لكن ليست كل الآراء، فالنصيحة في تعريفها البسيط هو دعوة إلى صلاح ونهي عن فساد، وهذا فيما لا يختلف عليه اثنان من الناس أو ما يشمل الواضحات من الأمور التي لا يضلها أحد، ولا تزيغ عنها السليقة السليمة، لكن الآراء إما أن تكون ناتجة عن خبرة وتجربة أو علم مسبق من الراسخين في العلم، أو المصاهرين للحياة، العارفين بشؤنها، فهذا مما يُسترعى له السمع ويعتد به من النصائح، وإما أن يكون رأيا عارضا لا ينبثق من تجربة ولا يولد من علم إنما هو ترجيح بالقياس أو بالعاطفة فهذا مما ينبغي التريث فيه والتمحيص.

وآفة إنزال الرأي بمنزلة النصيحة تعدد الطرق فبدلا من الطريق المستقيم الواضح تتفرع إلى متاهات وطرق متعددة مما يجعل الأمر صعبا في اتخاذ القرار بل يحتاج إلى نصيحة في أي نصيحة يقبل ويحتاج للنصيحة في النصيحة المقبولة فتصير نصائح فوق نصائح ولأيا يصل إلى المنشودة بعد مشقة.

ومما يجعل النصيحة ثقيلة ظن بعضهم أن نصيحتة لابد أن يأخذ بها في لحظتها وقت خرجت من فمه، فهو يحسب نفسه الحق الذي لا باطل فيه وصواب لا خطأ فيه، ولما يغفل المنصوح عنه، حتى يرميه بالغرور والتكبر وتراه يحزن لذلك ويغضب من صاحبه، ويحسب هذا بخثا لقيمته وإهانة له.

النصيحة قد تؤخذ وقد تترك فما عليك إلا قولها والإخلاص فيها وأما ما بعد ذلك فليس لك من الأمر من شيء.

وهذا لا يتعارض إطلاقا مع تكرار النصيحة والإلحاح فيها خاصة إن كانت لمن نحب، المراد هنا هو ما تحمله في نفسك تجاه المتلقي، وما يصحبه من انفعالات وتغيرات غير مبررة في معاملتك له إن لم يستمع إليك.

وكذلك أيضا إنك إذ تنصح الشخص فتطلب منه التخلي عما يفعل أو حمله على فعل ما يكره أو دفعه لترك ما يحب ليس بالأمر الهين، حتى لو كان مخطئا، إن النصيحة حينما تكون مخالفة للأهواء يصعب اتباعها، لذلك لا بد من التماس الأعذار لهم، وتحمل ما تلقاه تجاه ذلك متأسيا بالأنبياء -عليهم الصلاة والسلام- في نصحهم لقومهم.

ومما يباعد بين النصيحة وقبولها عند المنصوح بعد المشرق والمغرب عمد أحدهم أن يسبق نصيحته بأنه يعلم ما لا يعلمه هذا المنصوح، ويعرف ما لا يعرفه، ويعطف على ذلك بطول تجاربه وكبر سنه وقد لا يكتفي بذلك لكنه يقابل بينه وبين المنصوح ليعلمه أنه أقل خبرة وعلما وأصغر منه سنا، وهذا إما أن ينشأ لدى المتلقي المعاندة والمكابرة، أو يشعره بانتقاص القدر وفقدان الكرامة، وحتى لو اضطررت لاتخاذ ذلك المسلك كنصيحة أب لابنه أو شابه فلابد أن يوضع هذا بين الكلام ويتوارى ليكون حجرا في البناء لا البناء نفسه، ولا معمولا لهدم النصيحة.

إن النصيحة قد تنجي من المهالك وتيسر الطريق على كل سالك، ومن عظم قدرها قوله -صلى الله عليه وسلم- ((الدين النصيحة))2 كما أنها من خلق الأنبياء والرسل -عليهم السلام- 3 فيا ليتها تدرك بدلا من أن تترك.

..............................................................................................................................

1/ سورة البقرة الآية 263

2/روى الإمام مسلم رحمه الله في "صحيحه" (55) عَنْ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ رضي الله عنه: " أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :( الدِّينُ النَّصِيحَةُ) قُلْنَا لِمَنْ؟، قال: (لِلَّهِ وَلِكِتَابِهِ وَلِرَسُولِهِ وَلِأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ) "

3/قال الله عن نوحٍ عليه السلام: ﴿أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنْصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾. وقال عن هود عليه السلام: ﴿وَأَنَا لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ﴾. وقال عن النبيّ صالح عليه السلام: ﴿وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلَكِنْ لَا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ﴾.



   نشر في 27 غشت 2018  وآخر تعديل بتاريخ 11 أكتوبر 2018 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم













عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا