التنشئة السياسية والمضامين المجتمعية - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

التنشئة السياسية والمضامين المجتمعية

لا وجود لسياسة ناجحة بدون وعي سياسي قائم على التنشئة

  نشر في 04 فبراير 2016  وآخر تعديل بتاريخ 13 فبراير 2016 .


يعد موضوع التنشئة السياسية موضوعاً أساسياً من موضوعات علم الاجتماع السياسي ، إذ أن جميع المجتمعات الإنسانية تعتمد في تماسكها وتطورها على ما يتوفر لديها من فهم مشترك للقيم والعادات والتقاليد التي تسود المجتمع وآلتي تطبع سلوك أعضاء المجتمع بطابع معين ، يميزه عن سلوك أعضاء المجتمعات الأخرى .

مفهوم التنشئة السياسية : Political Socialization

       قبل الحديث عن مفهوم التنشئة السياسية فانه م نالمهم الوقوف على الحقل الذي ينهل منه هذا الفرع الا وهو علم الاجتماع الذي يحدد الاطر العامة للتنشئة وان من بين اهم هذه الاطر الكلية التنشئة الاجتماعية التي بدورها تتفرع الى تنشئة ثقافية وسياسية .. الخ .وفي ابسط معانيها هي كيف يتكون الانسان الاجتماعي ، أو بصورة اخرى كيف يكتسب الانسان خصائص وثقافة المجتمع الذي ينتمي اليه بحيث تصبح له هوية هذا المجتمع وثقافته فينسب اليه لا لغيره ، ويندمج فيه ويتمايز عن غيره من افراد المجتمعات الاخرى .

إذن التنشئة عملية مستمرة ودائمة ، لا تتوقف عند مرحلة الطفولة أو المدرسة بمعنى أن الإنسان يتعرض لها منذ طفولته وحتى شيخوخته ، وهى عملية تلقين لاتجاهات وقيم سياسية ولقيم واتجاهات اجتماعية ذات دلالة سياسية .

اما التـنشئة السياسيةPolitical Socialization كجزء من عملية التـنشئة الاجتماعية للأفراد لا يمكن أن تتم بوجه واحد أو بأسلوب واحد ، وباعتبار هذه العملية التـنشيئية تبدأ مع الفرد منذ ولادته وتستمر معه حتى مماته فإن الفرد خلال ذلك يأخذ من المصادر والقنوات التي قد تختلف في أساليبها ولكنها في النهاية تتجه نحو هدف واحد، وهو تـنشئة الفرد تـنشئة اجتماعية وسياسية يكون من خلالها عضواً فاعلاً في المجتمع الذي يعيش فيه، وقد اختلف العلماء والباحثون حول أهمية هذه المصادر بالنسبة للفرد، إلا أنهم يعتقدون بأنها جميعاً تتعاون وتتكامل لغرس وزرع القيم السياسية الأساسية لدى أفراد المجتمع وتربيهم سياسياً تربية علمية وعملية تساعدهم في توجيه سلوكهم بما يخدم مصلحة المجتمع وبما يخلق منهم مواطنين صالحين قادرين على فهم وتحليل النسق السياسي بالطرق العلمية المدروسة وبما يحقق إيمانهم بالمشاركة السياسية التي بدورها تحقق المنفعة المتبادلة والمصلحة المشتركة بين المجتمع والدولة، أي بما يحقق الفائدة للجماهير الشعبية صاحبة المصلحة الحقيقية في بناء مجتمع سليم يقوم على احترام ذات الإنسان. التـنشئة السياسية هي تلك العملية التي يكتسب الفرد من خلالها معلوماته وحقائقه وقيمه ومثله السياسية ، ويكوّن بواسطتها مواقفه واتجاهاته الفكرية أو الايدولوجية التي تؤثر في سلوكه وممارسته اليومية ، وتحدد درجة تضحيته وفاعليته السياسية في المجتمع ، وتساعد على بقاء وديمومة واستقرار النظام السياسي ، طالما تستهدف تمرير الأفكار والخبرات والأساليب السياسية التي يعتمدها المجتمع بين أبناء الشعب ، ويحاول زرعها في نفوس الأفراد والجماعات على اختلاف خلفياتهم الاجتماعية والطبقية.

وعرفها " فاجن " Fagen بأنها: عملية غرس المعلومات والقيم والممارسات الثورية سواء كانت رسمية أم غير رسمية ، وبأسلوب مخطط له أو غير مـخطط له ، لخـلق أنواع من المـواطنيـن ضرورية لبقاء ونمو المجتمع ، وعرّفها "لانجتون" Langton على أنها: الطريقة التي ينقل بها المجتمع ثقافته السياسية من جيل إلى جيل ، وهذه العملية تخدم المجتمع ، حيث أنها تساعد على حفظ التقاليد والتعاليم والمؤسسات السياسية لذلك المجتمع. 

تنقسم التنشئة السياسية إلى نوعين:

تنشئة مباشرة: وهي ما يتعلمه الفرد أو يتلقاه بشكل مباشر كما في المدرسة (مواد التاريخ، العلوم الدينية، العلوم الاجتماعية … إلخ)، أو من قادة الأحزاب السياسية بأيدلوجياتهم المختلفة، أو من والديه أو غيرهم.

تنشئة غير مباشرة: وهي ما يتعلمه الفرد من خلال الحوادث التي تصادفه، والتجارب والخبرات التي يمر بها لتشكل مفاهيمه ووعيه.

اما اهم مصادر التنشئة السياسية 

اولاً : الاسرة : 

يتـفق الجميع على أن الأسرة أو العائلة تعتبر من أهم وسائل التـنشئة السياسية مما يعطينا افتراضاً وهو أن جذور الحياة السياسية للفرد البالغ توجد في حياة الطفولة وتقوم الوسائل الأخرى للتـنشئة بتعميقها أو صقلها وتهذيبها ، وعلى هذا الأساس فإن الأسرة تعد إحدى وسائل التـنشئة السياسية والاجتماعية إن لم تكن أهمها على الإطلاق وتلعب الأسرة دوراً أساسيا في تعلم الطفل الروابط الاجتماعية وقيم المجتمع وتساهم في تطوير شخصية الأفراد أثناء مراحل تطورهم الأولى بالإضافة إلى ما تلعبه الأسرة من تأكيد لهوية الطفل الشخصية المميزة ، فالأسرة بالنسبة للإنسان الفرد أهم من الدولة والأسرة هي مهده ومنشأه ومظلته الاجتماعية فالمجتمع المزدهر هو الذي ينمو فيه الفرد في الأسرة نمواً طبيعياً .

الأسرة عادة لا تهتم كثيراً بإعداد أبنائها للحياة السياسية مثل اهتمامها بإعدادهم لأدوار أخرى، فالسياسة لا تقع في أعلى سلم الأولويات بالنسبة إلى الأسرة العربية، كذلك فإن المحيط السياسي لا يمثل شيئاًَ مهما ً وبارزاً بالنسبة الى معظم الأطفال والصبيان، و إن إعداد الأبناء لأدوار مهنية أسرية يعتبر أكثر أهمية وأولوية بالنسبة الى معظم الأسر من إعدادهم للحياة السياسية

الا ان هناك عاملان يساهمان في الدور الأساسي للعائلة في التنشئة السياسية أن تملك وصول معقول للشخص ودرجة تأثير الأسرة عليه حتى يتم تنشئتهم سياسياً خلال فترة التأسيس المبكرة

والتي تؤثر ايجابياً على الفرد، وتشير معظم النظريات التي درست تكوين الإنسان وجدت أن السنوات المبكرة عبارة عن تكوين مميز لأساس الشخصية الفرد.

الأسرة تملك قوة الرابطة بين أعضائها، حيث إن الفرد يعتمد على الرابطة العاطفية في كونه اجتماعياً، حيث إنه كلما كانت الرابطة أقوى، كلما أعطت مؤسسة الأسرة معرفة أكبر للشخص

وتلعب الأسرة دوراً محورياً في سلوك الأفراد بطريقة سوية أو غير سوية، عن طريق النماذج المؤثرة سلباً أو إيجابا في تربية الناشئين , وتعتبر الأسرة المدرسة الأساسية لكل طفل، لأن ما يتعلمه فيها يظل معه طول حياته يكتسب النشء قيمه الاجتماعية والسياسية.

ثانياً: المدرسة والتعليم الموجه :

تعد  المدرسة بمختلف مراحلها اللابتدائية والثانوية وصولاً الى سلم التعليم الجامعي اللبنة الثانية في التنشئة الاجتماعية ثم السياسية ، لاسيما في التعليم الموجه وفي الانظمة العربية، فاللقيم والمبادئ الوطنية تترسخ بشكل اكبر في المرحلة الاولى من مراحل الدراسة من عمر (6-12) سنة ، وهي مصدراً هاماً ومختلفاً من مصادر التنشئة السياسية باعتبارها نقلة نوعية في حياة الطفل من حياته العادية غير المنظمة إلى بيئة تعليمية يتعلم فيها القراءة والكتابة والنظام والأخلاق والتربية، حيث إنه من خلال المدرسة يتوعى الطفل ويطلع على الأحداث السياسية الداخلية، أو الخارجية من خلال المقررات المدرسية.

وقد أدرك الباحثون في العلوم السياسية والاجتماعية دور المدرسة في التنشئة السياسية، فأولهما الاهتمام بالدراسة، ويرى بعضهم أن تأثيرها يكون رسمياً وغير رسمي، أما غير الرسمي فيتحدد بطبيعة البيئة الاجتماعية والبيئة المدرسية ونشاطاتهاوباعتبار المدرسة قناة تمرر التوجهات الوطنية والفكرية والاجتماعية والسياسية، عن طريق المناهج والمقررات المدرسية، فإنها إلى جانب ذلك أيضا تمارس دوراً وجهداً عميقاً متجسداً ذلك في ممارسة السلطة في المدرسة ذاتها، من خلال أنماط العلاقات التي تربط المعلمين بالإدارة وتربط الطلبة بالمعلمين والإدارة، والجهاز التعليمي ككل. وباعتبارها تملك اسلوب الجزاء والعقاب فإنها تحدد النموذج الأمثل لكي يحتذي به الآخرون .

ثالثاً : الاحزاب السياسية والحركات الاجتماعية ومنظمات المجتمع المدني :

يتمثل المعطى التطبيقي للفكر السياسي الذي تتغذى عليه مرتكزات التنشئة السياسية (بالمشاركة السياسية) والتعبير عن الراي في ادارة الدولة والنموذج الامثل في تحقيق الرفاهية للشعلب وتوفير الخدمات الاساسية فضلاً عن حماية كيان الدوللة من الداخل وحماية سيادته من الخارج.

          إن المشاركة السياسية تزود السلطة الحاكمة بمزيد من الآراء والتصورات التي تسهم في إنضاج القرار وترشيده، وتبقى قناة مناسبة لنقل احتياجات الجماهير للحكام. كما أن الشعور الشعبي بالمشاركة في صنع القرار يجعل تنفيذ الخطط والبرامج أكثر سهولة، وبذلك يتعزز استقرار المجتمع وتتكرس شرعية النظام السياسي ويرتفع مستوى الولاء له، وتتراجع صور استغلال السلطة. وحيث إنه من الصعب قبول مقولة: إن القمع وحده يمكنه وقف التناقضات الاجتماعية والفكرية والسياسية في المجتمع، وانفجار هذه التناقضات قد يتخذ أشكالًا عنيفة تكون نتائجها مدمرة، لذلك فإن تأطير هذه التناقضات وفتح قنوات المشاركة أمامها، وإشاعة قيم التسامح مع الرأي الآخر تحفظ المجتمع من التناقضات العنيفة. وبذلك تسهم المشاركة السياسية في تنمية الشخصية الديمقراطية على المستويين الفردي والجماعي. وحتى تكون المشاركة السياسية فاعلة لابد أن تكون قنواتها مفتوحة لمختلف التوجهات السياسية في المجتمع، والانتماءات الدينية والقومية، وقادرة على استيعاب الشرائح الاجتماعية الجديدة ومطالبها المتصاعدة في المشاركة في الحكم، على أن تجد صداها لدى النظام السياسي بالاستجابة لمطالب واحتياجات الشعب.

رابعاً : وسائل الاعلام والفاعل الرقمي (الانترنيت) :

     حيث تقوم الوسائل الإعلامية بتدعيم الثقافة السياسية بكافة قيمها حسب الجهة المشرفةعلى تلك الوسائل؛ فيستخدم الإعلام الرسمي في عمليات الدعاية والتوجيه لسياسة الدولة، أما الإعلام الحر فيركز على قيم سياسية تتمثل في مقاومة التسلط والدفاع عن حقوق الإنسان المقهور اجتماعي ، وسياسياً في ضمان استقلاليته.

وتستطيع وسائل الإعلام الجماهيرية أن تصل إلى الغايات المنشودة والأهداف المرسومة فيما يخص التـنشئة السياسية وذلك عندما تتفق تلك الوسائل في عرضها للأفكار التي تريد إيصالها لأفراد المجتمع وأن لا تتعارض مع بعضها البعض لأن تعارضها يخلق بلبلة وتشويش لدى المواطنين مما يجعلهم ينقسمون أيديولوجياً وقيمياً ، فمن الأهمية بمكان أن تكون هذه الوسائل مكملة الواحدة للأخرى عن طريق ما تعرضه من أفكار واتجاهات تلائم مستويات الجماهير الثقافية والاجتماعية معتمدة في ذلك على أسلوب الإقناع والمشاركة، وبذلك تمارس التأثير المنظم في الرأي العام، ويتوقف ذلك على الاستعداد النفسي والاجتماعي والثقافي لدى الأفراد في تقبّل المادة التي تنشرها تلك الوسائل.

خامساً: المؤسسة الدينية في البلاد العربية (الاسلامية) :

لا يمكن تقليل أهمية دور المؤسسة الدينية (الكنيسة ، المسجد ، الهيئات والمعاهد الدينية) في عملية التنشئة السياسية في جميع البلدان ولا شك أن النظام السياسي يستفيد كثيراً كلما زاد التطابق بين القيم التي يدعو إليها ، والقيم التي تتبناها المؤسسة الدينية ، وتعرض لتحديات إذا ما تضاربت القيم التي يدعو إليها والقيم التي تتبناها المؤسسة الديني.

هي تتمتع بهالة التقديس والإجماع العام على تدعيمها، فالدين له مؤسساته التي تعمل على تحقيق أهدافه وغاياته قامة الشعائر، ولا يقف الدين عند حدود العبادات وا الدينية بل إن الدور الذي تقوم به المؤسسة الدينية على اختلاف مشاربها في تنشئة الأفراد يكاد يعكس آثاره ا على بقية مؤسسات المجتمع الأخرى. ففي الدين الإسلامي بات استعمال الخطاب الإسلامي ضرورياً من أجل المصالح الخاصة أو العامة، إلا أن كل ذلك مرهون بكيفية استغلال المؤسسات الدينية واستخدامها، إذ لابد من استغلالها الاستغلال المناسب الذي يقو ي اللحمة الوطنية ويعزز روح المواطنة والقيم والأخلاق بين أفراد المجتمع، لا أن يتم توظيفها من أجل شق الصف والوحدة الوطنية وتطويعها من أجل تحقيق مصالح سياسية خاصة لحزب أو فئة أو طائفة معي.




  • د.سيف نصرت الهرمزي
    د. سيف نصرت توفيق الهرمزي ​مقرر قسم الدراسات الدولية \ العلوم السياسة \ جامعة تكريت ​ سكرتير تحرير مجلة تكريت للعلوم السياسية ( مجلة محكمة) سكرتير تحرير دورية شؤون سياسية ​
   نشر في 04 فبراير 2016  وآخر تعديل بتاريخ 13 فبراير 2016 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !


مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا