على أعتاب الهزيمة - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

على أعتاب الهزيمة

المحاولة الأولى «لقد مررنا من هنا»

  نشر في 13 يونيو 2019  وآخر تعديل بتاريخ 16 يونيو 2019 .

التاريخ: السابع من سبتمبر 2018

المحاولة الأولى

‏‎"تحية وقبلة..

‏‎و ليس عندي ما أقول بعد

‏‎من أين أبتدي؟.. وأين أنتهي؟

‏‎ودورة الزمان دون حد

‏‎وكل ما في غربتي

‏‎زوادة، فيها رغيف يابس، ووجد

‏‎ودفتر يحمل عني بعض ما حملت"

‏‎الثانية عشرة مساء أو بعدها تبدء الأحلام والأسئلة سواء يقظة أو في غفلة من النوم؟ متي ينتهي كل هذا؟!"

‏‎أتذكر الأيام الفائتة في الشوارع، البيت، قريتنا الحزينة، وسط البلد، أحن حقًا حنين صارخ إلى خبز أمي وقهوة أمي ولمسة أمي.. أحن إلى نفسي!

‏‎ليس لدي إيمان حقيقي بالعودة؛ فكل الطرق قطعت وأُغلقَت ولا أملك جسارة الماضي القريب في مواجهة المنازعات الصغيرة أو الكبيرة، فشيآن كما يقول رسول حمزاتوف يستحقان المنازعات الكبيرة وطن حنون، وامرأة رائعة، أما بقية المنازعات فهي من اختصاص الديكة "واعتقد أني فقدت الاثنين معًا وفقدت شجاعة مواجهة قدري أيضًا.

‏‎ليس لدي سبب كافٍ لعناء الكتابة ولكني أكتب كي لا أكون وحيدًا، ربما تخفف الكتابة من حدة الغضب أو وحشة الوحدة، أو تساعد في إزالة شحوب اليوم الروتيني البارد المقيت حد الموت.

‏‎"من أين أبتدي؟

‏‎وكل ما قيل وما يقال بعد غد

‏‎لا ينتهي بضمة.. أو لمسة من يد

‏‎لا يرجع الغريب للديار

‏‎لا تنزل الأمطار

‏‎لا ينبت الريش على جناح طير ضائع.. منهد

‏‎من أين أبدأ؟!

تحيّة وقبلة.. وبعد"

‏‎رغم مرارة أيام الثورة الأولى وهزائمها المتكررة، ولكن كان هناك شبح أمل، سراب هش، نجم خافت يحلق في الأفق البعيد، أخذنا أخذ طواعية إلى كل دروب الموت، إلى يناير، إلى محمد محمود، إلى مجلس الوزراء والعباسية والاتحادية... إلخ، أخذ منا كل غالِ حتى فناء الروح.

‎من تركيع صوري للثورة المضادة في الجامعة والحي وحتي قصر الجمهورية، كان هناك شيء غير واقعي، غير واضح، ولكن كان هناك، وكنا هناك أيضًا نمتطي جواد الثورة دون هوادة أو خوف، بالنهار نودع شهداءنا وفي الليل نزرع الأمل!

‏‎حق اختيار الميعاد المناسب للموت والمكان المناسب حق تقرير المصير! في أيام الثورة الأولى كنّا فعل أو رد فعل لا يهم، الآن أيًا كان، ولكن كنّا هناك.

‏‎كل من صادفتهم ممن أصابتهم حمى الثورة، كل من كانوا شواهد في ميادين التحرير، كل من باتوا علي الكعكة الحجرية واقتسموا الرغيف، لعنوا!

‏أما قهر السجون، ويل المنافي، أو الاحتجاز القسري في السجن الأكبر، منهم من يفعل كما يفعل العاطلون عن العمل يربون الأمل.

‏‎خيبات تلاحق كل فرد فينا، وهزيمة تلو الأخرى، حتي الهزائم طالت الشخصي، الانكسارات كلها أتت بعد هزيمتنا الساحقة في يناير ويوليو، رغم كل المحاولات كتب علينا لعنة كل "جيل النكسة".

"كأس الهزيمة يا أمي في هذا الوطن المعتل داير!

‎والليل يا أماه ذئب جائع، سفاح يطارد الغريب أينما مضى!

‏‎ماذا جنينا نحن يا أماه حتي نموت مرتان؟

مرة نموت في الحياة ومرة نموت عند الموت!"

‏‎صدقًا يا رفاق البارحة والمعارك العظيمة، لم أشعر بشيء يؤرقني حد الجنون مثل يوم التنازل والخيانة، يوم انفراط آخر حبات العقد بالتفريط وبيع الأرض، واكتمل المشهد المجنون بشكل نهائي مفزع، كل ما هو غير متوقع أصبح واقعًا، كل المشاعر انفجرت حتى فارت وتبخرت، كل مشاعل الثورة هاجت حتى انطفت، كل نيران الثأر صرخت ثم خمدت.

لم يبقى مشتعلاً سوى الحنين القاتل والإرادة المقهورة وركام حطام تكسد حتى سد وهج الشمس عن روحي.

والطفل حتى إن ضحك، فالضحكة طياري، "باعوا البلد حتة حتة ووزعوا الباقي".

هنا تتفشي الهزيمة وتتوغل، تقتل كل شيء، تبيد وتحصد الروح حصدًا، لست من حاملي الآمال ولست حالم مثل ذي قبل، لكني أكتب لأجد حلاً، أو أهدئ من روع خوفي، لا أعرف، كل شيء يتضاءل في عيني ويبهت، إلا ذلك النور الخافت من وراء ستار مثل أيام الثورة الأولى، لا أعلم، يلمع ويختفي، أحاول جاهدًا أن لا انخدع وأن لا أتوهم الانتظار، ولكن مرارة الهزيمة قاسية، لا أستطيع استساغتها ولا تقبلها بشكل كامل تام، البعد أيضًا يجعل الرؤية ضبابية ولكن لا يخفى على أحد الوضع بشكل عام في المحروسة!

الانتظار والركض خلف توفير متطلبات حياة آمنة مستقرة أمر في غاية البلاهة، أضحك أوقات، وانفجر في البكاء متي تحولت إلى هذا الشخص الألي، أحاول جاهدًا أن أفسر لنفسي أني لست ممن فروا من سفينة نوح وليس معي بطاقة لجوء، مازال لدي وطن ولكن لا أملك تذكرة العودة، ولست مستعدًا لدفع ثمن دون نتيجة! لن أقبل بانسحاق كامل ولا أقبل أن أكون مجرد رقم.

‏‎الوقت يمضي ثقيل الخطى ولكنه يمضي، عدوي هو الوقت، إنه عدو العشاق وعدو الثورات الكبيرة منها والصغيرة، تململت حتى قتل فيِ كل أوهام الثورة، كل أحلام الخلاص، الانتظار مقيت، وحش كاسر يأكلني علي مهل، دون عجل منه ودون مقاومة مني، لا أحد يستطيع مقاومة عقارب الساعة ولا حتي يستطيع أن يسرعها إلا إذا كان مُصرًا على خداع نفسه، وأنا زهدت الخداع وعاهدت نفسي ألا أخدعها ثانيةً، أتذكر ما كُتِب في وثيقة التغيير بأعمال "ندوة بيروت ١٩٦٨" وأتهجم وأسخط.

إن ما يحدث الآن ليس المخاض، ثمّة شيء عظيم يولد بين ركام الهزيمة مثلما يولد بركان من تحت الشظايا الباردة.

"الجبل مهجور" أو كما قال غسان كنفاني في حديثه عن فترات هزيمة الثورة، وتفشي الهزيمة في كل ربوع الوطن، ولكني أعقب بأن مصر ليست مهزومة وفقط، مصر لا تخجل أن تبدو أمامنا وأمام العالم بأنها هُزمت شر هزيمة، الوطن نفسه في حالة اقتناع تام بأن الهزيمة الكريهة هذه، أفضل من حال سوريا والعراق!

وحيدًا يقودني الحنين إلى ممرات آمنه أحيانًا، أبحث عن فرصة لأتهرب من صراعي، وانزوي خوفًا من الاكتئاب فأصاب به واعتّل، أتغيب، أغلق على روحي، وأمضي في روتين الحياة، اركض أحيانًا، أحصل على وظيفة، انتصارات ونزاعات، لكني أرى نفسي وأعلمها.

"خواء"، فراغ أسود قاتم، أصرخ بأني لن أقبل لنفسي بهذا المصير أبدًا.

"ومنين أجيب ناس لمعناة الكلام يتلوه.. إذا كنت باجي أقوله، نص عقلي يتوه"

ومنين أجيب ناس لمعناة الكلام يتلوه؟

الكلام مش مستجيب

والصمت عار

والمسافة بعيدة.. بين الفعل والقول البليد

لكن نحاول



‏‎اقتباسات بين علامات تنصيص "محمود درويش، غسان كنفاني، عبد الرحمن الأبنودي".


  • Mahmoud Safwat
    لقد ولدت في تلك المدينة، لكن المستقبل لا يسكن أبدًا بين جدران الماضي. بقى اختيار المنفى.
   نشر في 13 يونيو 2019  وآخر تعديل بتاريخ 16 يونيو 2019 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا