ازمة اللغة - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

ازمة اللغة

  نشر في 22 مارس 2016 .

لا اظنني بقادر على التخلي عن الموروث البشري القديم قدم الانسان نفسه , بل جعل هو نفسه حاملا لثراث من خلقه ليكون ثراثا في بادئ الامر , و ان الحديث عن اللغة من زاوية ادبية محضة , لن تصل بنا الى اي نتائج مهمة في دراسة هاته الظاهرة التي حبكت اشكالات غطى التاريخ جزءا منها . ان تحليلنا لهاته الظاهرة يستوجب منا حسا واقعيا عقلانيا , وهذا ما يعني تجاوز الخطابات الادبية الجمالية التي بدل ان تصبوا الى معالجة الظاهرة على نحو يسمح لنا باستشراف تحدياتها و فك الغازها , تضيف الى الطبقات المترسبة فوقها شوائب ستمحي عاجلا ام اجلا كنه الظاهرة المستعصى فهمها.

فدعنى الان نقوم باعادة صياغة للاحداث التاريخية التي مهدت لبروز اللغة . في بداية الامر بدأ الانسان القديم حياته بتلبية رغباته الحيوية من مأكل و مشرب ... و بالموازات مع ذلك اتضح له الاشكال المتعلق بالتواصل مع الاخر , خصوصا بعد توسيع دائرة التواصل , من الاسرة الى العلاقات التجارية مع الاسر الاخرى ( المجتمع الفلاحي ) وهذا ما حتم عليه توظيف رموز و ابجديات مشتركة بينه من جهة و بين الاخر من جهة اخرى . و هذا ما ذفع به الى تبني اشارات ترسم هياة الاشياء التي يشير اليها في عمليته التواصلية , و يمكننا القول ان في هاته المرحلة بدأ الانسان يصوغ لنفسه اشارات الاصابع و غيرها التي اصبحنا اليوم نستعملها بشكل عفوي بعيدا عن اية اعتبارات . و كما ان لغة جسده التي يمكننا اعتبارها لاارادية كما هو الحال عند الحيوان ساهمت هي الاخرى الى حد ما في انجاح العملية التواصلية بين الانا و الاخر , والتي انطلقت بداية بتعبيرات جسدية عفوية صرفة , زد على ذلك العمليات المنظقية التي ينشئها عقل الانسان لربط كل شيء حوله سواء تعلق الامر بالزمان او بالمكان .بعد هذه المرحلة انتقل الانسان من اسلوبه البدائي في مخاطبة الاخر الى اسلوب متقدم نسبيا , لقد وظف الانسان في المرحلة الموالية الصور المستوحات من مخيلته التي لا تدع اي معطى طبيعي حتى تصوره , فنجد ان غالبية اللغات القديمة ان لم نقل كلها قد استعملت رسومات الاشجار و الامطار و النيران لتقلص على نفسها عملية ايصال المعلومة بين اصحابها , فرسم شخص يحمل رمحا يكفي للدلالة على ان الامر يتعلق بالصيد , او رسم شجرة تلتهمها النيران يكفي لاقناع المتلقي ان مكانا ما يحترق وهناك امثلة عديدة لا يسعفنى الوقت لذكر تفاصيلها . و من ناحية اخرى تجدر الاشارة الى ان عملية الانتقال هاته جائت بضغك من عوامل اخرى بدل اللبس في فهم ما يسعى الاخر لايصاله , فالى جانب عسر الفهم نجد ان حاجة الانسان الى اخفاء مشاعره ساهمت هي الاخرى في الانتقال المذكور سلفا , فكما جاء به الحديث بخصوص الدور الذي لعبته تعبيرات الجسد (لغة الجسد) في عملية التواصل و باعتبار لغة الجسد لا تخلوا من انفعالات نابعة بالاساس من المشاعر الدفينة داخل لاشعور الانسان , يمكننا القول بان الحاجة الملحة في كبت المشاعر الانسانية نظرا لانها مراة نفس الانسان و الملجا الوحيد الذي تلجأ اليه الرغبات المكبوثة بسبب ثقافة المجتمع و تسلطه , فمن هنا يظهر ان الانتقال من الخطاب البدائي الى نظيره المستحدث يعتبر من اولويات الانسان القديم و من ضروريات عيشه. و من هنا يبدوا ان التهمة الموجهة للغة بدريعة اخفائها للمشاعر الانسانية يعتبر امرا صائبا , و هو الامر الذي تقدم بنا توضيحه انطلاقا من تسلسل منطقي لتطور الانسان القديم بناءا على مقدمات عيشه الى غاية عصرنا هذا الذي عرف طفرة في ميدان اللغة.

و بعد هاته السيناريوهات التاريخية استقر حال الانسان الى تبنيه للغة المكتوبة و المقروءة التي تتناسب مع فيزيولوجيته كانسان دو لسان و اذن. و لم تكن غاية الانسان تزيد عن ايصال المعلومة الى المتلقي و الذي هو بدوره يوضح وجهة نظره من خلال تغدية راجعة الى المرسل . الا ان مع تطور الانسان و تقدمه و احتكاكه اكثر فاكثر مع عناصر الطبيعة التي تكون محيطه , اصبحت اللغة اعقد من لغة الامس البعيد و اتسعت رقعة المعجم المستعمل من كلمات تكتفي بذكر العناصر الطبيعية بايجاز الى الاسهاب في ذكر التفاصيل المملة للاشياء , و بعدها تعرضت الكلمات الى تغيير بواسطة الة الزمن التي ساهمت في تحرفيها شيئا فشيئا حتى تتخد معاني اخرى . و مع ذلك لم ينسى الانسان التعبير عن مشاعره الدفينة كلما سمحت الفرص بذلك , و من هنا جاء الشعر الى جانب الاساطير و القصص الخرافية ...

بعد هاته التطورات و مع فرض المنهج العلمي سلطته على المجتمعات البشرية , بدأ الانسان يقوم بعملية تنظيم لغته وفق قواعد منطقية تحل محل التلقي التقليدي القائم على اساس الاستماع و التحدث . و يمكنني اعتبار انه انطلاقا من هاته اللحظة بدأت عملية تقييد الافكار و الاراء حتى و ان كانت صائبة و لا مشكل في صحته , فاي شخص اراد ان يفصح عن ما في سريرته من افكار و اعتقادات يتعرض لاكاراهات عدة نجد على رأسها اكراه سلامة اللغة , في حين لا يجد متقنوا اللغة اي حرج في التحدت عن مواضيع مختلفة , و التي كانت في اغلب الاوقات مواضيع تافهة او ان اصحابه لم يملكون الكفاءة المطلوبة للحديث عنها بعيدا عن الكفاءة اللغوية . و ليس بالامر الصعب على القارئ لمح ذلك في تاريخ الشعوب عندما كانت الطبقة الارستقراطية تحتكر المعرفة و السلطة من خلال احتكارها اللغة.

لقد تعرضت اللغة لاكبر عملية تحريف شهدها التاريخ , فقد اصبحت لفظة متحايثة مع الهيمنة و القمع الفكري .


  • 3

   نشر في 22 مارس 2016 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم













عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا