السبئية بين الواقع والخيال - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

السبئية بين الواقع والخيال

نظرة علمية

  نشر في 10 ماي 2014 .

1 | الصفحة

(ليس التأريخ هو الوقائع التاريخية , وإنما المؤرخ هو الذي يختار من بين الوقائع ما يريد وينظمها حسب ذوقه ورأيه)

بوستيك

الاهداء

الباحثون عن الحقيقة

الباحثون عن الحوادث المرة التي تفتح الجراح 000وصولا الى الصواب

الباحثون عن الحقائق التي لا نريد أن نعرفها ، وإنما قد تم تلقينها من قبل الاباء والاجداد ونخاف من الاقتراب منها كي لا يقال لنا أننا خائنون

مقدمة :

ما هو التأريخ ؟

التأريخ يعني بصورة مبسطة : دراسة ومعرفة أحوال الاقوام الماضيين ، للتعرف عليهم من النواحي الاجتماعية والاقتصادية و السياسية والدينية ، وما يفكرون به ، وأسلوب حياتهم 0

وبهذا التعريف الموجز للتأريخ ، يعطينا دافعاً قوياً وهو لماذا ندرس التأريخ ؟

التاريخ علم يبحث فيه عن معرفة احوال الطوائف وبلدانهم ورسومهم وعاداتهم وصنائعهم وأنسابهم ووفياتهم 0 ويعتبر التأريخ علماً شريفاً فيه العظة والاعتبار0000ولم تزل الامم الماضية من حين اوجد الله هذا النوع الانساني تعتني بتدوينه سلفاً عن سلف000 وفن التاريخ علم يندرج فيه علوم كثير لولاه ما ثبتت أصولها ولا تشعبت فروعها منها: طبقات القراء 000 سير الصحابة000 طبقات المجتهدين 000 وأخبار المغازي وحكايات الصالحين ومسامرة الملوك من القصص والاخبار والمواعظ 0000

والغرض منه الوقوف على الاحوال الماضية من حيث متى وكيف كانت ، وفائدته : العبرة بتلك الاحوال والتنصح بها وحصول ملكة التجارب بالوقوف على تقلبات الزمن ليحترز العاقل عن مثل أحوال الهالكين من الأمم السالفة ويستجلب خيار أفعالهم ويتجنب سوء أقوالهم ويزهد في الفاني ويجتهد في طلب الباقي 0

والتاريخ هو السلوك البشري الذي تجسد في زمن مضى حقيقة في عالم الواقع 0 ولتدوين التاريخ ودراسته الأثر البالغ في تواصل المسير بين أجيال الأمة ، كما له الأثر الكبير في وعيها وفهم هويتها 0 ولقد اعتنى المسلمون بتدوين السيرة والتأريخ عناية فائقة 0000 إذ أرخوا الحوادث والوقائع العسكرية والنزاعات والاتجاهات السياسية ، وحياة الخلفاء والأئمة والحكام ، كما أرخوا للأفكار والمذاهب والفرق العقيدية والفقهية ، والموقف من السنة النبوية 0 وبذا وفروا لنا مادة لفهم واقعنا الذي نعيش فيه ، وما أنتهى من تلك القضايا0

وهذه المعرفة بالتاريخ لكي يبقى للعالم ذكرأ محموداً وعلماً منظوماً عتيداً 000 وقد ألف الناس كتباً في التأريخ والأخبار ممن سلف وخلف ، فأصاب البعض وأخطأ البعض ، وكل قد أجتهد بغاية إمكانه 0

والتاريخ يعني البحث والتدقيق والتحدث عن الامور والاحداث التي وقعت في الماضي 0 فالتاريخ هو حركة دائمية باتجاه المستقبل وهو عمر الانسان الذي طوى سنين حياته وتشكلت شخصيته من حيث ولادته لحد الان 0

ويمكن القول إن بحث ومطالعة الأقوام والمجتمعات والحوادث الماضية ليست هي التاريخ ، ولكنها نماذج جزئية وعينية سيستفيد منها المؤرخ في كشف قوانين التاريخ ، وهذه القوانين تشمل معرفة الناس والمجتمعات الإنسانية وكيفية تكوينهم 0000 وكذلك معرفة نوع الانسان ومصيره ، ومعرفة التاريخ تعني أيضاً معرفة قوانين الحركة والتحول وتكوين المجتمع والحضارة 0

والهدف من قراءة التاريخ هو الحصول على القوانين والمجهولات الموجودة والمخفية في التاريخ ، وللحصول عليها أن نقوم بالبحث والدراسة العميقة 0

ودراسة التأريخ تحقق المعرفة بالذات الانسانية، وتحقق الحكة التي جعلها الاغريق أسمى غايات الحياة الانسانية 0

واعلم أن حقيقة التأريخ هو خبر عن الاجتماع الانساني الذي هو عمران العالم ، وما يعرض لطبيعة ذلك العمران من الاحوال وما ينشأ عن ذلك من الملل والدول ومراتبها 0

ولكن كيف ندرس التأريخ :

يعتقد علماء الاجتماع إن التأريخ مبني على الوهم والخيال ، باعتقادهم ان المعلومات التاريخية هي معلومات منحرفة، فالوقائع

التاريخية لا يمكن بواقعها في الذهن والذاكرة ، لذلك فهي ناقصة ومنحرفة وكاذبة 0

ولكن التأريخ هو علم اجتماعي يحدثنا عن مجتمعات عاشت في زمان وكانت تربطهم روابط علية 000 وهناك تأثير متبادل بينهم ، وهذا التأثير والتأثر بينهم تابع للواقع وهو تابع لأصول وقوانين ، فالتأريخ لا يمكن ان يكون مجموعة حوادث ليس فيها شكل وقاعدة بل هو متصل ومتغير 0

والتأريخ ليس مجرد سرد للحوادث أو نوع من الثقافة العامة 000 وأنه نوع من فروع الادب للتسلية وامتاع النفس ن ان التأريخ علم له أصوله ومستلزماته أنه علم وتحقيق ، ودراسة التأريخ تخلق الذكاء الاجتماعي والشخصية الاجتماعية ذات الاثر في مجرى الحياة القومية 0

ونجد أن المدونات التاريخية الاسلامية تحمل بمجموعها أشياء كثيرة ن وكثيرة جداً من حقائق التاريخ ، موجزة ومطولة ، وقائع واحداثاً ، مشاهدات ونقولاً ، نصوصاً ووثائق ، أرقاماً ومحاكمات 0

وحين نقرأ هذه المدونات أو كما تسمى بعيون التأريخ ، نجد هناك مرويات يرويها الرواة ، ويجب هنا أن يتم تدقيق هذه المرويات وكذلك الرواة لماذا ؟

اذا نحن وضعنا مرويات التأريخ جانباً ، وذهبنا إلى الاحاديث النبوية ورواتها ، نجد هناك علماء يسمون في علم الحديث بعلماء الجرح والتعديل ، فلا تقبل كل رواية بدون تدقيق أو تحميص لماذا ؟ لان قبول حديث نبوي يترتب عليه التزامات من المسلم أمام ربه 0 وعليه يجب التثبت من صحة صدور الحديث من النبي (ص) 0 لماذا ؟

لان الاحاديث الضعيفة – بجميع أقسامها – قد عملت في الامة عملاً سيئاً ، فقد انحرفت عبادة كثير من المسلمين بسبب تلك الاحاديث واشتعلت الفتن بين المصلين بين المصلين في المساجد – فضلاً عن غيرها – بسبب ذلك 0

والحقيقة ان تساهل العلماء برواية الاحاديث الضعيفة ساكتين عنها قد كان من أكبر الأسباب القوية التي حملت الناس على الابتداع في الدين فإن كثيراً من العبادات 0000 إنما أصلها اعتمادهم على الاحاديث الواهية بل الموضوعة 0

ومثلما نجد في علم الحديث أحاديث ضعيفة وضعيفة جداً وباطلة وموضوعة ، كذلك نجد في علم التأريخ رواة كاذبين متمثلين بالقصاصين والوضاعين الذين دفعتهم الشهوات والعصبيات ، أو الكيد للإسلام 000 إما لتزيين الاخبار ، أو لتشويش الحقائق 0

ومما ميز التدوين التاريخي عند المسلمين ، اعتماد أسلوب المحدثين في الرواية وأسانيدها ، وهذا الاسلوب قد أغنى التأريخ بلا شك بعنصر مهم من عناصر القوة والتوثيق 0 لكن هذا الاسلوب نفسه قد ساعد في الوقت ذاته على تشتت الحقيقة التاريخية وتوزعها إذ ظهرت روايات كثيرة موضوعة ، لا أصل لها ، تحت تأثير أغراض متعددة ، بعضها بحسن نية ، وبعضها بعكس ذلك ، فلما كان هم المؤرخ أن يجمع كل ما روي او ما بلغه في الحادثة الواحدة ، فقد جمع الروايات المختلفة والمتناقضة والمتنافرة في القضية الواحدة التي لا بد وأنها قد وقعت بصورة واحدة في حينها ن ولم تقع بهذه الصور المتعددة ، فأصبح تمييز الصورة الصادقة من بين هذه الصور مشكلة عسيرة أمام المؤرخ وأمام الناقد والقاري 0

فإذا كان المؤرخون قد سلكوا سلوك المحدثين ، فحفظوا الروايات بأسانيدها ، فينبغي أن يبقى قبولها أو ردها بهذه رهن بهذه الاسانيد وبالقرائن الصادقة التي لا ينازع فيها ، ولكن المشكلة تصبح أكثر تعقيداً حين تكون الأهواء والميول هي قانون الترجيح الاول وأننا نجد الكثير من النقاد من مسلمين ومستشرقين يأخذون بهذه الرواية ويطرحون الأخرى ، ويوثقون هذا الراوي ويطعنون الآخر ، لا اعتماداً على الاسس العلمية الصحيحة في القبول والرد 0000 وعاطفة الكراهة تجعل من الحسن قبيحاً، وتستنبط من الخير شراً ، ولم يطمس من هذا الشر العظيم ، الذي يطمس معالم التاريخ ويضيع الفائدة من تجارب الأمم ، إلا نفر قليل جداً 0

ولنا أن نتساءل : ما هي الدوافع نحو الكذب في التاريخ ؟

لقد وقف كبار علماء وفلاسفة التأريخ عند هذا العنوان فيقول الشيخ تاج الدين السبكي:

ان الجهل ، واعتماد من لا يوثق به، والتعصب، هي الامور التي يرجع إليها كل ما في التاريخ من أوهام وأباطيل ، ويرى أن هذه الأمور هي الغالبة على التأريخ ، فالجهل في المؤرخين أكثر منه في أهل الجرح والتعديل ، وكذلك التعصب ، قل أن نجد تأريخاً خالياً منه 0

ويقول ابن خلدون في مقدمته :

فكثيراً ما وقع للمؤرخين والمفسرين وائمة النقل من المغالط في الحكايات والوقائع ، لاعتمادهم فيها على مجرد النقل ، غثاً أو سميناً ، ولم يعرضوها على أصولها ، ولا قاسوها بأشباهها ، ، ولا سبروها بعيار الحكمة والوقوف على طبائع الكائنات ،وتحكيم النظر والبصيرة في الأخبار 0

أما الاسباب التي تدفع للكذب في الاخبار عند أبن خلدون فهي :

1- التشيعات للآراء والمذاهب 0

2- الذهول عن المقاصد : يعني الكثير من الناقلين لا يعرف القصد بما عاين أو سمع ، فينقل الخبر على ما في ظنه وتخمينه 0

3- توهم الصدق 0

4- الجهل بتطبيق الأحوال على الوقائع لأجل ما يداخلها من التلبس والتصنع 0

5- تقرب الناس في الأكثر لأصحاب المراتب 0

وماذا قال الفكر الغربي الحديث في هذا الموضوع :

لقد عدا الفرنسيان ( لانجلوا وسنيوبوس ) ست حالات تدفع المؤلفين عادة الى الكذب :

1- ان يكون للمؤلف مصلحة في الكذب 0

2- أن يكون المؤلف في موقف أرغمه على الكذب 0

3- أن يستشعر المؤلف عطفاً أو كراهية لجماعة من الناس او مجموعة من المذاهب وهذا الشعور حمله على الكذب 0

4- أن يكون المؤلف قد انساق وراء غرور فردي أو جماعي ، فكذب لتمجيد شخصه أو الجماعة التي ينتمي اليها 0

5- أن يكون المؤلف اراد أن يتملق الجمهور 000 لكي يشوه الوقائع ابتغاء تكييفها مع أهواء جمهوره وأحكامه السابقة 0

6- أن يكون المؤلف قد حاول تملق الجمهور بحيل أدبية ، فشوه الوقائع ليجعلها أجمل حسب تصوره للجمال 0

ويقول الدنماركي ايلر لنغ ليدوك بيترسن :

لقد ترك وضع التدوين التاريخي في المجتمع الاسلامي هامشاً واسعاً للعرض المتحيز لنزعة أو هدف معين 0

ولقد تسلل الكذب والوضع والانتحال عن الغير في موضوع الشعر ايضاً وخصوصاً في الشعر الجاهلي ، مما دعا عميد الادب العربي الدكتور طه حسين الى وضع كتاب في بداية القرن العشرين الميلادي الى تأليف كتابه ( الادب الجاهلي ) وتبعه بكتابه الاخر ( في الادب الجاهلي ) الذي توصل فيه الى أن القصائد الجاهلية هي قصائد موضوعة 0

ومما يشار في هذا الصدد أيضاً ، أن هنالك رواة ظهروا على مسرح التاريخ ، فرووا اشعار وقصائد لشعراء جاهليين لم ينشدوها ومنهم ، حماد الراوية الذي كان راوياً فاسداً فاسقاً ماجناً زنديقاً ، وكان شاعراً يحسن صوغ الشعر وحوكه ، فكان ينظم على لسان الجاهليين ما لم ينطقوا فيه ، وكثر منه ذلك حتى عُرف به ,واشتهر 000 ومما يذكر في هذا الشأن ، أنه قدم على بلال بن أبي بردة بن الصحابي المشهور أبي موسى الاشعري ، فأنشده القصيدة التي في شعر الحطيئة بمديح جده أبي موسى الاشعري فقال بلال :

ويحك يمدح الحطيئة أبا موسى ولا أعلم به 000 ولكن دعها تذهب في الناس 0

ومن الرواة المشتهرين بالوضع أيضا خلف الاحمر راوي البصرة الذي كان يأخذ الشعر المنحول من حماد ويرويه ، وكذلك برزج العروضي وكان من أكذب الناس في الراوية ، ومثله جناد وكان يخلط في الاشعار ويصحف ويلحن 0

والسبب الذي دعا في هذا الوضع هو عدم تدوين الشعر في حينه 0 فتدوين اي شيء في الحياة يكسبه حقا ويحميه من اي تلاعب مستقبلاً 0

وتطرقي لهذه المواضيع الآنفة الذكر ، الغرض منها هو لكي يكون القارئ الكريم على اطلاع ولو على القليل في ذلك ، مما يسهل على كاتب هذا البحث ايصال فكرة بحثه بيسر وسهولة ، فيكون لدى القارئ الاستعداد كي يتقبل بحثي اذا لاقى القبول لديه 0

أولاً:

سبأ من الناحية اللغوية :

يقول ابن منظور في مادة سبأ :

سبأ الخمر يسبوها سبأ وسباء ومسيأ وأستبأها : شراها 0 000 والاسم السباء على فعال بكسر فعال ، ومنه سميت الخمر سبيئة 0 والسباء بياعها 0 قال خالد بن عبد الله لعمر بن يوسف الثقفي : يا بن السباء 0 000 وسبأ اسم رجل يجمع عامة قبائل اليمن ، يصرف على ارادة الحي ويترك صرفه على ارادة القبيلة 000 وهو سبأ بن يشحب بن يعرب بن قحطان 0000 وقال الزجاج: سبأ هي مدينة تعرف بمأرب من صنعاء على مسيرة ثلاث ليال 000 وقيل : سبأ اسم رجل ولد عشرة بنين ، فسميت قرية باسم أبيهم 0 والسبائية والسبئية من الغلاة وينسبون الى عبد الله بن سبأ0

ويسمى عبد شمس بن يشجب الذي ذكرت المصادر العربية إنه أصل السبئيين، وسبب تسميته بهذا الاسم ، لأنه سبأ خلقاٌ كثيراً فكان أول من سن السبي عند العرب 0

ثانياً:

سبأ كمملكة:

ورد اسم سبأ في القران الكريم، وفي التوراة، وفي بعض النقوش الآشورية والكتابات اليونانية والرومانية القديمة فضلاً عن الكتابات العربية الإسلامية 0 وأقد إشارة إلى سبأ والسبأيين قد وردت في نقش سومري يرجع تاريخه إلى حوالي سنة 2500 ق0م وتأريخ الدولة السبأية تاريخ طويل يمتد من القرن الثامن قبل الميلاد ليصل الى القرن السادس الميلادي 0 ويتسع ليشمل جميع أراضي اليمن 0 وتعتبر مملكة سبأ من أشهر الدول التي ظهرت على المسرح السياسي في بلاد اليمن بالإضافة الى دول معين وقتبان وحضر موت 0

وكانت الديانة اليمنية القديمة التي يقع حكم مدينة سبأ ضمنها ديانة فلكية، أي أنها تقوم على عبادة آلهة تجسدها أجرام سماوية، وقد ظهرت تحولات في العبادة في الحياة الدينية القديمة لليمن، حيث نجد أن ملوك سبأ بدأوا يتقربون إلى آلة "ذي سماوات " أي رب السماوات وذلك النصف الثاني من القرن الرابع الميلادي 0

فهل لهذه العبادة التوحيدية قد جاءت نتيجة لتأثير الديانتين اليهودية والنصرانية؟

من الثابت أن اليهودية والنصرانية قد أخذت من أواخر القرن الرابع الميلادي تجد لها أتباعاً في اليمن ، ويبدو أن بعض هؤلاء الأتباع كانوا على أتصال بأشراف القبائل وذوي النفوذ في البلاد 0 وقد ترتب على ذلك نشوب صراع عنيف بين الديانة اليمنية القديمة وبين اليهودية والنصرانية ، فنجد حينما تولى ذو نؤاس الملك عمل على اضطهاد النصارى في اليمن ونشر اليهودية فيها ، وعندما أفلح الاحباش في احتلال اليمن وأزاحة ذي نؤاس عن الملك اضطهدوا اليهود وأصحاب الديانة اليمنية القديمة وحاولوا صبغ اليمن بالصبغة المسيحية 0 ولا نعلم اعداد أصحاب كل ديانة لعدم توفر الأدلة في هذا الصدد ، وقد ذهب كوبيشانوف في كتابه الشمال الشرقي الافريقي في العصر الوسيطة المبكرة الى أن النصارى في الجنوب العربي كانوا في بداية القرن السادس الميلادي أكثر من اليهود ، ولم يقدم لنا الأدلة على ذلك 0 ولكن مهما يكن ، فعندما جاء الإسلام صار أغلب أهل اليمن مسلمين 0

ثالثاً :

بداية الكتابات التاريخية:

أدى اعتناء النحاة واللغويون بأنساب العرب وأخبارهم إلى اقترانها بنمو الكتابة التاريخية، وهو نمو أرتبط بالسيرة النبوية، وانضمت إليها مادة من تاريخ الرسل ومن تاريخ العرب ثم تاريخ الأمم المجاورة للجزيرة العربية وخاصة الفرس 0

فمن المؤرخين الكبار في مجال العناية بكتابة السيرة والمغازي النبوية في هذا العصر – العصر العباسي الثاني – محمد بن عمر الواقدي قاضي المأمون والمتوفي عام 207 هجرية ، وكذلك تلميذه محمد بن سعد المتوفي سنة 230 في كتابه المعروف ( الطبقات الكبرى ) 0 وعنى المؤرخ أبو مخنف لوط بن يحيى الأزدي المتوفي سنة 158 هجرية بالكتابة في أحداث الدولة العربية وله كتب في الفتوح وفي حروب صفين ، وسيف بن عمر التميمي المتوفي سنة 180 هجرية ويشتهر في الردة والفتوح وواقعة الجمل ونصر بن مزاحم له واقعة صفين وقد نشر بالقاهرة 0

وصب هشام بن محمد السائب الكلبي عنايته على تاريخ العرب القديم وما يتصل بهذا التاريخ من انساب وايام واشعار ن وقد اتهم بالوضع عند معاصريه 0 ومن أعلام المؤرخين لهذا العصر المدائني المتوفي سنة 225 هجرية، وله كتاب ضخم في أخبار الخلفاء، وأخذت تؤلف أيضاً كتب الرجال الذين حملوا الحديث النبوي من صحابة وتابعين على نحو ما يصور ذلك كتاب الطبقات الكبرى لمحمد بن سعد، وكتاب معرفة الرجال ليحيى بن معين المتوفي سنة 223 0 وعلى هذا النحو نشطت كتابة التاريخ في العصر العباسي الأول ، فلم تقف عند السيرة النبوية ، بل اتسعت لتشمل تاريخ العرب في الجاهلية وفتوحهم ودلهم في الإسلام وتاريخ الرسل والأنبياء ، وهبطت اليهم روافد من تاريخ الأمم القديمة وخاصة الفرس ، إذ عنى ابن المقفع وغيره بترجمة الكتب المؤلفة في سير ملوك العجم 0

ونشطت الكتابات التاريخية في العصر العباسي الثاني نشاطاً عظيماً من كتابة تاريخ السيرة النبوية إلى كتابة في الأحداث الإسلامية والأمم والدول، وكتابة في المدن، وكتابة في التراجم والطبقات 0 حيث كتب الكثيرون في الاحداث الإسلامية وفي تاريخ الأمم والدول منهم اليعقوبي المتوفي بعد سنة 292والبلاذري المتوفي 279 وله كتاب انساب الاشراف وفتوح البلدان، ويعاصره أبو حنيفة الدينوري المتوفي سنة 282 هجرية صاحب كتاب الاخبار الطوال، وقد أتاحت للمؤرخ محمد بن جرير الطبري المتوفي سنة 310 هجرية تاريخ الأمم القديمة والكتابات الكثيرة عن الرسل والأنبياء أن يكتب تاريخه الضخم (( أخبار الرسل والملوك )) واتبع في كتابة تاريخه طريقة المحدثين ، فكل خبر وكل حادثة تروى مع إسنادها 0

ومن أهم المؤرخين في هذا العصر أبو الحسن علي بن الحسين المسعودي المتوفي سنة 345 هجرية، حيث كتب تاريخه المعروف بمروج الذهب وأيضاً، وتتميز كتبه التاريخية بحيوية جمة ومنها التنبيه والاشراف وأخبار الزمان 0

رابعاً:

الان نأتي الى موضوع بحثنا (السبئية):

سميت بهذا الاسم نسبة الى رجل دعي في التاريخ بما يلي:

1-اسمه عبد الله بن سبأ 0

2-أو يعرف بأبن السوداء نسبة الى اسم امه السوداء 0

3 – كانت امه حبشية 0

4-كان يهودياً من أهل اليمن أو من اهل صنعاء 0

5-هل كانت امه يهودية؟

6-أسلم في أيام الخليفة عثمان بن عفان 0

7-تنقل بين الامصار وبدأ يؤلب المسلمين على حكم الخليفة عثمان، وبدأ يذيع في الناس – من هم الناس الصحابة وباقي المسلمين – آراء محدثة أفسدت عليهم رأيهم في الين والسياسة -ولا أعلم لماذا يكره الخليفة وخصوصاً قد صار مسلماً حديثاً؟ هل فعل له الخليفة شيئاً وجد عليه هذا الرجل؟

8-أخذ عنه الصحابي أبو ذر الغفاري مقالته، وأوغر صدره ضد الخليفة عثمان، علما ً أن الصحابي أبو ذر قد غضب على كعب الاحبار وقال له: يأبن اليهودية في محاورة مع الخليفة عثمان حول موضوع الزكاة 0فكبف يأخذ من انسان كان يهودي ثم صار مسلماً مثل كعب الاحبار 0 حيث ان عبد الله بن سبأ قد لقن أبا ذر ان يقول لمعاوية ان المال مال المسلمين وليس مال الله 0 علما انه قد سبق الكثير من المهاجرين والانصار في اعتناق الإسلام وطالت صحبته للنبي (ص) ويعرف الحلال والحرام 0

وبهذا القبول نستطيع القول ما يلي:

لقد أستطاع عبد الله بن سبأ أن يجعل بيده المسلمين كأنهم قطيع خراف ومجموعة من البلهاء والمغفلين 0 بحيث يستطيع غريب أن يلعب بعقولهم، ويقوم بتأليبهم على خليفتهم الذين بايعوه، وهو زوج ابنتي رسول الله (ص)، وهنا يستوقفنا حديثان مرويان عن رسول الله (ص) وهما:

1-" خير أمتي القرن الذي بعثت فيهم، ثم الذين يلونهم ثم الذين يلوهم للمرة الثانية 0

2-" لتتبعن سنن الذين قبلكم، شبراً بشبرٍ، وذراعاً بذراع 0 حتى لو دخلوا في حجر ضب لا تبعتموهم " قلنا: يارسول الله اليهود والنصارى؟ قال: "فمن " 0

فالسؤال هنا: كيف يتم التوافق بين هذين الحديثين، فمن جهة أن القرن الذي فيه رسول الله (ص) هو أفضل القرون الإسلامية الى يوم القيامة، ومن ثم القرنين الأخرين، والقرن مقداره 100 سنة، أي من السنة الأولى الى السنة المائة – وأستطيع القول في جهة بعيدة عن الموضوع، ان التأريخ الهجري قد بدأه رسول الله (ص) وإلا كيف قال بهذا الكلام إلا إذا عنى بالتاريخ الميلادي ومن هنا يتبن لنا مدى سخف رأي علماء الدين الذي يتبجحون في كلامهم ويؤكدون على التاريخ الهجري – ونحن عندما نقلب صفحات التاريخ في هذه الفترة نجد ما يلي:

1-مقتل الخليفة عثمان بن عفان 0

2-حرب الجمل وما حدث من تقاتل كبار الصحابة بين علي بن ابي طالب وطلحة بن عبيد الله والزبير بن العوام وعائشة بنت أبي بكر، وتقودنا هذه النقطة الى حديثين متناقضين مرويين عن رسول الله (ص)وهما:

أ-" القاتل والمقتول في النار"

ب – وحديث العشرة المبشرة بالجنة المشهور على السنة الناس 0

فالسؤال الذي يطرح هنا:

أما ان هذين الحديثان موضوعان، وفي حالة صحة الحديث الأول، فالصحابة المتقاتلة في معركة الجمل في النار، ويقودنا الى أن رسول الله (ص) كان لا يعلم أن صحابته سيتقاتلون فيما بينهم، فقال الحديث الثاني 0

4 – حرب صفين 0

5 – قتل آل النبي في معركة كربلاء 0

6-ضرب الكعبة 0

7-موقعة الحرة التي انتهك فيها جيش الحكومة الاموية حرة المدينة المنورة ورسول الله (ص) يقول:

" المدينة حرم 0 فمن أحدث فيها حدثاً أو آوى محدثاً فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين 0 لا يقبل منه يوم القيامة عدل ولا صرف "

خامساً:

فتنة الخليفة عثمان بن عفان:

لقد قلنا في الصفحات السابقة أن هناك مؤرخون عنوا بكتابة احداث الدولة العربية 0 ومن بين هؤلاء سيف بن عمر التميمي المتوفي في سنة 180 هجرية وقد أشتهر بمصنفاته عن وقعة الجمل والفتوح والردة 0 وقد أعتمد المؤرخ الطبري على مؤلفات سيف في كتابة تاريخه عند الحديث عن فتنة الخليفة عثمان بن عفان، باعتماده طريقة المحدثين الذين يذكرون الرواية بسندها 0

نحن نجد ان سيف بن عمر قد أوجد بان مقتل عثمان بن عفان كان على يد عبد الله بن سبأ 0 وما الفتنة التي حدثت ورافقتها من التطورات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية 0000 الخ كان لعبد الله بن سبأ اليد الطولى في ذلك، فما هي هذه الفتنة؟

نقم الناس على عثمان بن عفان بعد ولايته بست سنين، وتكلم من تكلم، وقالوا: آثر القرباء، وحمى الحمى، وبنى الدار، واتخذ الضياع والأموال بمال الله والمسلمين، ونفى أبا ذر صاحب رسول الله، وعبد الرحمن بن حنبل، وآوى طريدا رسول الله الحكم بن أبي العاص، وعبد الله بن سعد بن أبي سرح، وأهدر دم الهرمزان، ولم يقتل عبيد بن عمر به، وولى الوليد بن عقبة الكوفة 0

وقد كثر الطعن على عثمان، وظهر عليه النكير لأشياء ذكروها من فعله:

منها ما كان بينه وبين عبد الله بن مسعود، وانحراف هُذيل عن عثمان من أجله 0 ومنها ما كان بينه وبين عمار بن ياسر وما نال منه، وانحراف بني مخزوم عن عثمان من أجله 0

وذكر أيضاً بهذا النكير، أنه أجتمع ناس من أصحاب النبي (ص)، فكتبوا كتاباً ذكروا فيه ما خالف فيه عثمان بن عثمان من سنة رسوله وسنة صاحبيه، وما كان من هبته خمس أفريقيا وفيه حق الله ورسوله، ومنهم ذوو القربى واليتامى والمساكين، وما كان من تطاوله في البنيان، حتى عدوا سبع دور بناها بالمدينة: داراً لنائلة – زوجته –، وداراً لعائشة0

ومما ذكروه أيضاً، من عمارة الأموال بها من الخمس الواجب لله ورسوله، وما كان من أفشائه العمل والولايات في أهله وبني عمه من بني أمية أحداث وغلمة لا صحبة لهم من الرسول ولا تجربة لهم بالأمور 0 وتركه المهاجرين والأنصار لا يستعملهم على شيء ولا يستشيرهم ، واستغنى برأيه عن رأيهم ، وما كان من الحمى الذي حمى حول المدينة ، وما كان من ادراره القطائع والآرزاق والاعطيات على أقوام بالمدينة ليست لهم صحبة من النبي (ص) ، وما كان من مجاوزته الخيزران إلى السوط ، وأنه أول من ضرب بالسياط ظهور ، وإنما كان ضرب الخليفتين قبله بالدرة والخيزران 0

علماً أن الخليفة عثمان بن عفان قد صعد المنبر وقال – لما أنكر الناس عليه -:

لكل شيء آفة، ولكل نعمة عاهة، وأن آفة هذا الدين وعاهة هذه الملة، قوم عيابون طعانون، يرونكم ما تحبون، ويسرون ما تكرهون 0 أما والله يا معشر المهاجرين والأنصار، لقد عبتم على أشياء ونقمتم أموراً قد أقررتم لابن الخطاب مثلها، ولكنه وقمكم (أي جعلكم تغتاظون) وقمعكم (أي قهركم وذلكم وصرفكم عما تريدون)، ولم يجترئ أحداً يملأ بصره منه ولا يشير بطرفه منه 000

وخلال السنوات الستة من خلافة عثمان بن عفان، لم ينقم عليه أحد من الناس، ولكن هذه النقمة ظهرت عندما توانى في أمرهم وأستعمل أقرباءه وأهل بيته في الست الأواخر، وكتب لمروان بخمس افريقيا، وأعطى أقرباءه وأهل بيته المال، وتأول في ذلك الصلة التي أمر الله بها، وقال: إن أبا أبكر وعمر تركا من ذلك ما هو لهما، وإني أخذته فقسمته في أقربائي، فأنكر عليه ذلك 0

وهذا القول الأخير للخليفة عثمان بن عفان يؤكد قول الملوك الذين تربعوا على كرسي الحكم من قول الحاكم ظل الله في الأرض أو المال مال الله وأنا أقسمه كيف أشاء 0

ويعتبر من أوليات الخليفة عثمان بن عفان: أنه أول من أقطع القطائع، وأول من حمى الحمى 0 ونجد أن الناس وقفوا من الأحداث التي حدثت أيام عثمان مواقف أشد التباين : فقوم أراحوا أنفسهم جملة ، وقالوا إن أكثر هذه الأحداث مكذوب مصنوع لم يصح وقوعه ، وإنما تكلفه المتكلفون ، أراد بعضهم به الكيد للإسلام 000 وقوم يستبعدون أن تقع هذه الفتن من أصحاب النبي 000 والذي يدفع هذا الاتجاه ، أن الناس يقدسون صحابة رسول الله (ص) ويكرهون أن يحملوا عليهم ما يحمل عادة على الذين يستقبلون أمور الدنيا بما في نفوسهم من استعداد للمنافسة والاصطراع حول أعراض وأغراض لا تلائم قوماً صحبوا رسول الله 0

ولقد نظر القدماء الى فتنة عثمان بن عفان من النظرة الدينية الخالصة ومن النظرة الاجتماعية 0 فمن النظرة الدينية فقد أنكر خصوم عثمان عليه أنه لم يكد يبدأ خلافته حتى عطل حداً من حدود الله حين عفا عن عبيد الله بن عمر، فقال أهل السنة والمعتزلة: ليس بهذا العفو بأس 0 وكان هذا العفو موافق للمصلحتين الداخلية والخارجية، فالداخلية رعاية المهاجرين وقريش عامة، إذ قالوا قتل أبوه أمس ونقتله اليوم، والخارجية فقالوا: لو قتل عبيد الله لشمت بهم عدو المسلمين 0

وعاب عليه المسلمون المعاصرون لعثمان عليه بعد هذه القضية مخالفته للسنة المعروفة عن النبي وعن الشيخين وعن عثمان نفسه في صدر من خلافته، وذلك حين أتم الصلاة في منى 0 وسببه أنه قد بلغه أن الاعراب والجفاة من أهل اليمن يقولون إن صلاة المقيم اثنتان، فخشيت أن يظن هؤلاء الناس أن صلاة المقيم ركعتان وهو ما جادله مع عبد الرحمن بن عوف حين سأله عن صلاته، وقد ذكره أي _ عبد الرحمن بن عوف – إلى عبد الله بن مسعود فقال له عبد الله بن مسعود: أني صليت بأصحابي أربعاً لآني خشيت الفرقة 0

وعاب عليه المسلمون أنه حمى الحمى فكانت حجته أنه إنما أراد ألا يكون هناك اختلاف بين الأفراد والدولة فيما يتصل بالمراعي 0 وعندما رأى تحرج المسلمون تركه 0

ومما عاب عليه المسلمون أيضاً أنه أخذ من أموال أبل الصدقة والزكاة وأنفقها منها في الحرب وغير الحرب، فقال أهل السنة والمعتزلة بأن عثمان لم يفعل إلا حين رأى في أموال الصدقة سعة 0 وقام أيضاً على حمل الناس على مصحف واحد ، وأحرق باقي المصاحف ما عدا هذا المصحف 0 ولم يتردد أهل السنة والمعتزلة في أقرار هذا العمل لأنه قد منع فرقة المسلمين 0 وأنكر عليه رد عمه الحكم بن أبي العاص و أهله إلى المدينة وكان النبي قد أخرجهم منها إخراجاً عنيفاً 0 وقد شفع عثمان عند النبي في أعادته فلم يعده ، وطلب من أبي بكر وعمر ذلك فلم يجيبا طلبه 0 فلما أستخلف رده إلى المدينة 0

وقد دلت سيرة عثمان مع الحكم وبنيه بعد ذلك إنما ردهم إلى المدينة إيثاراً لهم بالخير، وتكاثراً بهم على غيره من المسلمين، واستعانة بهم على أمور السياسة والإدارة والمال، فقد أعطى الحكم مالاً كثيراً، ولما مات ضرب على قبره فسطاطاً، وولى الحارث بن الحكم سوق المدينة 000 ثم أختص بمروان بن الحكم وجعله وزيراً ومشيراً 0

وقد نقم المسلمون من عثمان سياسته في الإدارة وسيرته في التولية والعزل، فقالوا إنه ولي أمو المسلمين جماعة من الاحداث لا يصلحون للحكم ولا يقدرون عليه، فحمل بني أبي معيط وبني أمية على رقاب الناس 0 وقد عوتب في ذلك فلم يعتب حتى ظهر فسق عماله وانحرافهم عن الجادة فلم يعزل أحداً إلا مكرهاً، وما الحادثة المشهورة لصلاة والي الكوفة الوليد بن عقبة لصلاة الصبح أربع ركعات وهو كان سكران 0

أما السياسة المالية التي اصطنعها الخليفة عثمان كلها موضوع للنقمة والإنكار من أكثر الذين عاصروا عثمان ومن أكثر الرواة والمؤرخين، وقد دافع أهل السنة والمعتزلة عنها 0 وسياسته تختصر في أن الحاكم له الحق في التصرف في الأموال العامة حسب ما يرى أنه المصلحة، وأنه ما دام قد انقطع بحكم الخلافة لتدبير أمور المسلمين، فله أن يأخذ من أموالهم ما يسعه ويسع أهله وذوي رحمه 0

والمؤرخون يجمعون على أن المسلمين استقبلوا خلافة عثمان راضين بها مطمئنين إليها؛ لأنه وسع عليهم ما كان عمر بن الخطاب يضيق، ويسر من أمرهم ما كان عمر يعسر 0 وبسط لهم يداه بالعطاء، وأحس الناس رخاءً وسعةً لم يكونوا يجدونها في أيام عمر، وأحست قريش بنوع خاص من الحرية لم تكن تجدها في أيام عمر 0

ويمكن لنا ذكر أسباباً أخرى لهذه الفتنة وهي

1-لقد ترتب على تطبيق نظام العطاء على التفضيل منذ عهد الخليفة عمر بن الخطاب، حدوث تفاوت كبير في الدخل السنوي يتجاوز العشرة أضعاف بين الشريحة الدنيا من أصحاب العطاء وجلهم من أبناء القبائل العربية التي التحقت بالجهاد بعد معارك القادسية واليرموك، وبين الشريحة العليا الذين التحقوا بالجهاد قبل ذلك 0 مما ولد تذمراً واضحاً بين أفراد الفئة الأولى وجعلهم يميلون الى حسد الفئة الثانية وانتقاد سياسة الدولة التي كان معظم أصحاب العطاءات العالية من رجالها 0

2-لقد كان كثير من أصحاب العطاءات العالية تجاراً من قبيلة قريش لذا أنهم قد استثمروا أموالهم في التجارة، والمضاربة بالأراضي واستبدالها، وتملك الأراضي الزراعية واستثمار أموالهم فيها، مما ساعد على تنامي ثرواتهم بشكل حاد وسريع كما هو الحال مع ثروات الزبير بن العوام وطلحة بن عبيد الله وعبد الرحمن بن عوف 0 أما باقي الفئات الأخرى فكانوا ينفقون عطاءهم دون ان تتاح لهم إمكانية ادخار قسم منه لاستثماره 0 ولم يجد هؤلاء دوافع قوية للتذمر طالما الفتوحات كانت في أوج قوتها ، فلما فترت هذه الفتوحات ثم مالت للتوقف في أواخر عهد الخليفة عثمان بن عفان ، أدى إلى انخفاض مواردهم المالية ، فارتفعت أصواتهم بالشكوى والتذمر 0

3-كانت مراكز المعارضة والشغب في الكوفة والبصرة في العراق، والفسطاط في مصر، باعتبار وجود المقاتلين فيها، لكونها تمثل معسكرات تزود الفتوحات بالرجال والسلاح 0

4-لقد كان رجال المعارضة يشعرون ان الأراضي المفتوحة هي غنائم حصلوا عليها بحد سيوفهم، ولم يرتاحوا لقرار الخليفة عمر بن الخطاب بإبقاء هذه الأراضي بيد أصحابها على أن يؤدوا الخراج الى الدولة مقابل استثمارها، ومما زاد في ذلك من النقمة أنها كانت تذهب كإيرادات لخزينة الدولة أو ما يعرف ببيت المال، والى جيوب أصحاب العطاءات العالية 0 ويمكن ملاحظة أن شرارة ( الفتنة ) انطلقت من مجلس أمير الكوفة عندما قال " إنما هذا السواد بستان لقريش " فرد عليه الاشتر " أتزعم أن هذا السواد الذي أفاءه الله علينا بأسيافنا بستان لك ولقومك والله ما يزيد أوفاكم فيه نصيباً إلا أن يكون كأحدنا " 0

5-الموقف الحاد الذي عبر عنه بعض الزعماء القبليين من أهل الكوفة، ربما يعبر عن ضيق أبناء القبائل العربية التي استوطنت الامصار من النفوذ المالي والساسي لقريش 0

6-تطور الاحداث والمواقف دفعت زعماء المعارضة في الامصار، أدى الى ادراكهم بأن ليس من مصلحتهم الدخول في صراع مكشوف مع الخليفة، حيث يؤدي ذلك الى دفاع قريش عليه، فركزوا هجومهم الى الولاة، وانتقاد الخليفة على سياسته المالية والإدارية من أجل عزله عن مؤيديه وبخاصة كبار الصحابة 0

ومما يذكر بهذا الصدد أيضا، أن الخليفة عمر بن الخطاب قد صدقت فراسته في هذه الفتنة بقوله لعثمان بعد ضربته:

كأني بك قد قلدتك قريش هذا الامر لحبها إياك، فحملت بني أمية وبني أبي معيط على رقاب الناس، وآثرتهم بالفيء، فسارت إليك عصابة من ذؤبان العرب، فذبحوك على فراشك ذبحاً 0 والله لئن فعلوا لتفعلن، ولئن فعلت ليفعلن 0 ثم أخذ بناصيته، فقال: فإذا كان ذلك فاذكر قولي، فإنه كائن 0

7-ان الخلافات التي حدثت بين الخليفة من جهة وبين الصحابة الكبار من جهة أخرى، نجدها ليست بسبب عبد الله بن سبأ 0 فعبد الله بن مسعود لم ينفذ أمر الخليفة بإتلاف مصحفه عندما أراد الخليفة عثمان جمع القران بنسخة واحدة 0 وصلى عليه عمار بن ياسر عند مات، فبلغ الخبر الخليفة فأشتد غضبه على عمار، لأنه لم يعلم دفنه0 وكانت بينهما هنات أي بين – عثمان وابي ذر وعمار بن ياسر وعبد بن مسعود - 0

8-قال عثمان لعمار بن ياسر عندما علم بخبر دفن عبد الله بن مسعود ولم يؤذن بذلك: ويلي على أبن السوداء 0 وهذا الكلام يدل على أن هناك لقب لعمار يعرف به بين الصحابة بمجرد ذكره يعرف أن المشار اليه هو عمار 0

الخاتمة:

من خلال العرض التاريخي أعلاه نستطيع التوصل للاستنتاجات التالية:

1-لم يذكر لنا مصدر تأريخي أن معاوية بن أبي سفيان قد ذكر عبد الله بن سبأ في خطاباته عند الحديث عن فتنة عثمان، وما جر ذلك من احداث تاريخية مهمة من مثل معركة صفين، وخصوصاً عند تسلمه كرسي الحكم 0

2-لم يذكر الخليفة عثمان بن عفان في الاجتماع الذي دعا اليه بعض عماله على الامصار وهم معاوية بن أبي سفيان، وعبد الله بن سعد بن أبي سرح، وسعيد بن العاص، وعبد الله بن عامر، وعبد الله بن العاص أسم عبد الله بن سبأ 0 حيث دعا عبد الله بن عامر بأشغال الناس بحركة الجهاد والفتح " فلا يكون همة أحدهم إلا نفسه " 0 بينما رأى سعيد بن العاص أن لين الخليفة وتسامحه هما السببان وراء الازمة فلا بد من القوة، وذهب عبد الله بن سعد إلى ضرورة تآلف قلوب الناس بالمال والعطاء ، بينما رأى معاوية أن يمنح الخليفة كل والٍ ما يحتاجه من الصلاحيات الإدارية لبسط الهدوء والاستقرار على ولايته 0

3- من خلال الحوار الذي دار بين الخليفة وعماله من الامويين حصراً، ان الاقتراحات التي قدمها الولاة للخليفة بين الجهاد والمال والقوة والحزم ومنح الصلاحيات لم يطرح اسم عبد الله بن سبأ، فلو كانت هذه الشخصية موجودة على مسرح الاحداث لذكرت في الحوار 0 فقد كتب الوالي معاوية بن أبي سفيان للخليفة عثمان يشكو إليه أمر أبي ذر الغفاري في خلافه معه حول المال ، وبأنه مال المسلمين وليس مال الله كما كان يقول به معاوية ، وقد أبعد من الشام الى المدينة ، والسؤال الذي يذكر هنا اذا كان عبد الله بن سبأ هو المحرك الرئيسي في الازمة فلماذا لا يبعد من المدينة 0

4-لقد اقحمت شخصية عبد الله بن سبأ في فتنة الخليفة عثمان، لأن الناس لا يصدقون الذي صار بين الصحابة وهم يعتقدون بعداتهم جميعاً 0 فكان لا بد من شخصية يلقى عليها اللوم في جريان تلك الاحداث، وتم اختيارها كشخصية يهودية وليست إسلامية لكون اليهود قد أظهروا العداوة للإسلام من جهة ولتكون أصل لطائفة إسلامية وهي الشيعة 0 وقد فات على واضع هذه الشخصية بأنه قد ذم الصحابة من حيث لا يشعر -وهم الذين بذلوا الغالي والنفيس في سبيل نصرة الإسلام – فجعل شخص قد دخل الإسلام حديثاً يسلك بهم الطريق الى أن أدى في نهايته الى قتل الصحابي الذي عاش بينهم من الأيام الأولى للدعوة الإسلامية وتركوا شخصاً غريباً يهودياً يأخذ بعقولهم ذات اليمين وذات الشمال 0

5-أن واضع هذه القصة هو سيف بن عمر التميمي، ويقول فيه رجال الجرح والتعديل بأنه كان يضع الحديث كما ذكرته السيوطي المتوفي عام 911 هجرية في كتابه تدريب الراوي في الحديث الموضوع الذي قال عندما جاءه أبنه يبكي: معلمو صبيانكم شراركم 0 وقال فيه الحاكم النيسابوري بانه زنديق وهو في الرواية ساقط 0 فاذا كان هذا حال سبيله في الحديث، فكيف نصدق قصته في كتابته للتأريخ عندما تحدث عن فتنة الخليفة عثمان بن عفان 0

6-بنو أمية هم عبد الله بن سبأ وليس شخصية مستقلة قائمة بنفسها كيف؟ لقد ذكر المؤرخون بأن سبب الفتنة هو عبد الله بن سبأ، ولولا وجوده لما صارت الأمور المعروفة في التاريخ 0 ماذا يعني؟

لقد تجنى بنو أمية على الخليفة عثمان وهم السبب في اثارة هذه الفتنة من خلال قولهم: ان هذا السواد ملك لقريش – أي سواد العراق - ، وقيام والي الكوفة الوليد بن عقبة بصلاة الصبح اربع ركعات وقوله : أزيدكم ؟ وقيام مروان بن الحكم الذي كان الغالب عليه بأرسال برقية الى والي مصر مختومة بختم الخليفة يذكر فيها بقتل الوفد المصري الذي جاء الى المدينة يشكون من واليهم عبد الله بن أبي سرح ، وقام الخليفة بتغييره وجعل بدلاً عنه محمد بن أبي بكر، وفي الطريق القي القبض على غلام الخليفة ووجدت لديه رسالة تأمر والي مصر بقتل الوفد عند قدومه اليه ، فرجع الوفد للخليفة ولكنه انكر كتابة هذه الرسالة ، لان مستشاره مروان بن الحكم هو الذي كتبه مما أدى الى زيادة خنق الناس على الخليفة ونجد أيضاً عندما قتل الخليفة هرب مروان وولده من الدار 0

اذن نستطيع القول ان البطانة التي أحاطت بالخليفة هي من سعت الى تأجيج الموقف بين الخليفة والصحابة من جهة وبينه وبين الناس من جهة أخرى 0

7-عمل بنو أمية على تأجيج هذا الخلاف بين الخليفة من جهة وعموم المسلمين من جهة أخرى، هو الرغبة في استلام الحكم، والذي يساعد في ذلك مقتل الخليفة، لأنه سيكون بمثابة المفتاح لقضيتهم، ويستطيعون محاربة الخليفة الجديد من خلاله، حتى لو كان مصعب بن عبيد الله، أو الزبير بن العوام مما يمهد لهم من بعد ذلك الجلوس على كرسي الحكم، وهو ما حدث فعلاً في التاريخ 0

8-لم نجد في التاريخ قيام بن أمية عند وصولهم للحكم في عام 41 هجرية ولغاية غياب عن الساحة السياسية في عام 132 هجرية، أنهم تتبعوا قتلة عثمان بن عفان، وهذا يؤكد ما جاء في الاستنتاجين 7 و6 بأنهم طلاب حكم 0

9 – نظرة المسلمين للصحابة جميعهم بأنهم كانوا أخياراً وابراراً، فعندما تقاتلوا فيما بينهم، فكان الجواب أن السبب هو عبد الله بن سبأ، لكي يغطوا على هذا التقاتل وفاتهم بأنهم قد ذموا الصحابة من حيث لا يعلمون 0 فهم الذي يقول فيهم الله سبحانه وتعالى في كتابه المجيد (كنتم خير امة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر) 0 فكيف يأتي رجل يهودي قد دخل في الإسلام حديثاً وليس له سهم غي معارك المسلمين ضد الكفار ، ويغير وكأنه لديه عصاً سحريةً ، يقول للمسلمين تعالوا يميناً أو يساراً ، وكأنهم ليس لديهم هذا التاريخ العريض في النضال ضد المشركين طوال سنين حياة رسول الله (ص) الثالثة والعشرين سنة 0

وأخيراً، أرجو قد وفقت في بحثي الصغير هذا في الموضوع التاريخي الذي بحثته والذي يمتد لمئات السنين 0



   نشر في 10 ماي 2014 .

التعليقات

محمد فؤاد منذ 3 سنة
ماكل هذه الاصفار في مقالك اخي الكريم هل كنت تكتب ام تجرب هههه
0
علي عبد الرضا حسون
الاخ الكريم هذه ليست اصفاراً وانما هي نقط تختم بها الجمل في اللغة العربية وقد كتبت المقال مسبقاص وقمت بنسخه ولصقه في الموقع وظهرتبهذا الشكل مع احترامي وتقديري لك

لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا