المؤمنُ بينَ مخافتيْن - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

المؤمنُ بينَ مخافتيْن

  نشر في 01 ديسمبر 2018  وآخر تعديل بتاريخ 11 ديسمبر 2018 .

تتوالى علينا الأيام والشهور والسنون وتمضي بنا الحياة بحلوها ومرها وخيرها وشرها ، ونرى ونشاهد بأعيننا كل يوم أحبة لنا كانوا بيننا تخطفتهم أيدي المنون ، منهم الشيخ المسن ، ومنهم الشاب اليافع ، ومنهم ما دون ذلك ، ونعجب عندما نعرف أن فلانا قضى فجأة ولم يشكو يوما من داء ، وننسى أن الحياة أنفاس معدودة فمن استنفذ هذه الأنفاس رحل عن هذه الدنيا إلى مستقره الدائم وموطنه الأبدي ليس معه إلا ما قدم من عمل صالح. وقد يتأثر الواحد منا بمشهد من المشاهد ولكنه سرعان ما ينسى ويعود إلى سابق عهده من الغفلة والضياع.

(اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مَّعْرِضُونَ) الأنبياء 1

يقول أبو العتاهية:

أيَـا مَـن يَـدّعي الـفَهْـم .. .. إلِـى كـَمْ يَـاأخَـا الـوَهْـمْ

تـُعَـبـِّي الـذنـبَ والـذّم .. .. وتـُخطِـي الخـطـأ الجَـمّ

أمَـا بَـانَ لـكَ الـعـَيـبْ .. .. أمَــا أنـذرك الـشـَّيـب

وَمَــا في نـُصْحِـه رَيـبْ .. .. وَلا سَمـعُـك قـَد صَـمّ

أمَـا نـَـادَى بـِكَ المَـوتْ .. .. أمَـا أسْمَعَــكَ الصَّـوْتْ

أمَــا تخشَـى مِنَ الـفـَوْت … … فـَتحـتــَاط َوَتهْـتـَمّ

إن أسوأ ما يصيب المرء المسلم في هذه الحياة هو داء الغفلة الذي يجعله كالسكران الذي يعيش في نشوة سكره ولا يبالي بما حوله، أو كالمريض الذي أصيب بغيبوبة فتعطلت كل جوارحه عن ممارسة وظائفها.

إن الشخص المصاب بداء الغفلة شخص لا همة له ولا همّ له في هذه الدنيا إلا ما يأكله وما يشربه وما يلبسه وما يشبع شهواته، وهو مقطوع عن الآخرة لا يفكر فيها ولايعمل لها

(لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ ) الحجر 72

والغفلة إنما تنتج عن رضا المرء عن نفسه وإعجابه بحاله. يقول ابن عطاء الله السكندري رحمه الله :

” أصل كل معصية وغفلة وشهوة الرضا عن النفس وأصل كل طاعة ويقظة وعفة عدم الرضا منك عنها . ولأن تصحب جاهلا لا يرضى عن نفسه خير لك من أن تصحب عالماً يرضى عن نفسه فأي علم لعالمٍ يرضى عن نفسه ؟ وأي جهل لجاهل لا يرضى عن نفسه ؟

يعني أن النظر إلى النفس بعين الرضا يوجب تغطية عيوبها ويصير قبيحها حسناً . والنظر إليها بعين السخط يكون بضد ذلك على حد قول القائل :

وعين الرضا عن كل عيب كليلة ..كما أن عين السخط تبدي المساويا

فمن رضي عن نفسه استحسن حالها فتستولي عليه الغفلة عن الله تعالى فينصرف قلبه عن مراعاة خواطره فتثور عليه الشهوة وتغلبه لعدم وجود المراقبة القلبية التي تدفعها فيقع في المعاصي لا محالة .

وإنما كان الرضا عن النفس أصل كل المعصية لأنها أمارة بالسوء فهي العدو الملازم . و في الأثر : ” أعدى عدوك نفسك التي بين جنبيك ” وناهيك قول يوسف الصديق : { وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي أن النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ } ( 53 ) يوسف .

وخالف النفس والشيطان واعصهما.. وإن هما محضاك النصح فاتهم

ولا تطع منهما خصماً ولا حكما.. فأنت تعرف كيد الخصم والحكم

إن الإنسان المؤمن يحتاج إلى قدر كبير من اليقظة والانتباه لأنه محصور بين مخافتين كما ورد في بعض الآثار:

(إِنَّ الْعَبْدَ بَيْنَ مَخَافَتَيْنِ : أَجَلٌ قَدْ مَضَى لا يَدْرِي مَا اللَّهُ فَاعِلٌ فِيهِ , وَأَجَلٌ قَدْ بَقِيَ لا يَدْرِي مَا اللَّهُ قَاضٍ فِيهِ ، فَلْيَأْخُذِ الْعَبْدُ مِنْ نَفْسِهِ لِنَفْسِهِ , وَمِنْ دُنْيَاهُ لآخِرَتِهِ , وَمِنَ الشَّبِيبَةِ قَبْلَ الْكِبَرِ , وَمِنَ الْحَيَاةِ قَبْلَ الْمَمَاتِ )

إن يقظة العبد المؤمن هي الضمان الوحيد- بعد توفيق الله عز وجل- للنجاة من مخافتيّ الماضي والمستقبل ،فمن استيقظ وانتبه من رقدة الغفلة فإنه يستطيع أن يتدارك ما وقع منه من تفريط وتقصير في حق الله تعالى واستخفاف بأمر الآخرة وذلك بالتوبة النصوح والإنابة إلى الله عز وجل والإكثار من الإستغفار والعمل الصالح فيما بقي يستقبل من عمره

ونختم بأبيات من قصيدة للدكتور عائض القرني:

ياغافلاً عن إله الكون يا لاهي… تعيش عمرك كالمذهول كالساهي

الجأ إلى الله واكسب قربه كرماً… والله والله لاتلقى سوى الله

فوِّض له الأمر واقصد بابه فله … لطفٌ خفيٌّ ونعم الآمر الناهي

اللهم لا تدعنا في غمرة ولا تأخذنا على غرة ولا تجعلنا من الغافلين.



   نشر في 01 ديسمبر 2018  وآخر تعديل بتاريخ 11 ديسمبر 2018 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !


مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا