فقط كوني سعيدة - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

فقط كوني سعيدة

فقط كوني سعيدة (ياسين كاوي)

  نشر في 25 فبراير 2016 .

نسير في هذه الدنيا و لا نعرف ما الذي ينتظرنا، وما المصير الذي سنلقاه بينما نسلك طرق الحياة. يوجد في الانسان شيء داخلي يستبق له الاحداث التي قد تكون جيدة بالنسبة له، أو كارثية تجعل حياته أسوأ و يفقد نكهة الحياة. لكن رغم أنه يتلقى تلك الاشارات بأنه حتما سيحصل له شيء ما، رغم ذلك لا يقوم باتخاذ التدابير اللازمة من أجل أن يتجنب أي شيء سيء قد يجعله يعاني، فقط نكتفي بالمراقبة، بكل بساطة نحن لعبة في يد القدر، لا نستطيع أن نفعل أي شيء إذا كان ذلك القدر حسم قراره اتجاهنا.

كلنا نتذكر تلك الايام التي عشناها في الثانوية، وذلك الارهاق الذي يصيبنا عندما نعود من المؤسسة، لاسيما في العام الاخير نكون مقبلون على نيل شهادة الباكالوريا. عندما وصل الى المنزل بعدما كان يومه جد متعب. استرخى حتى يذهب ذلك التعب الذي نال منه. بعد ذلك جلس في بيته محاطا بين أربعة جدران، و أمام حاسوبه. فتح حسابه على الفايسبوك، ونظر في الرسائل التي توصل بها، قرأ بعض المنشورات و الاخبار لأصحاب الصفحات، احيانا تحمل اخبار جيدة، و في بعض الاحيان مؤلمة.. لفت انتباهه اسم لفتاة موجودة في ذلك العالم الافتراضي، أرسل لها طلب الصداقة. بعد ذلك أغلق ذلك الجهاز، و بدأ يراجع دروسه استعدادا للامتحانات. بعد مرور اسبوع على إرسال لها لطب الصداقة، وافقت أخيرا و تركت له رسالة:

—السلام ! من انت؟ لماذا ارسلت لي طلب الصداقة؟ و هل أعرفك؟

عندما نظر الى هذه الرسالة أحس كأنه امام لجنة تحقيق، او في مركز أمن متهم بجريمة ما اقترفها. تجاهل رسالتها لأنه لم يعتد ان يرد على مثل هذه الرسائل. في الليل مرة اخرى ولج ذلك الفضاء الافتراضي الذي اصبح مكاننا الثاني الذي نلجه يوميا، و اصبح المكان الذي نتقاسم فيه الاشياء الجميلة و الحزينة مع اناس غرباء او احيانا اناس نعرفهم. كتب لها رسالة قائلا فيها:

—أنا إسمي انور، ارسلت لك لك طلب الصداقة، صراحة لا اعرف كيف اجبرتني اناملي عن الضغط عن زر “إرسال طلب الصداقة” انا من الناظور. هل هناك أسئلة أخرى يا سيدتي المحققة؟

ردت عليه ضاحكة:

—أجل يا أيها المتهم هناك العديد من الاسئلة، ولكن لنكتفي بهذا القدر الان.

—لقد حان دورك لتكوني حتى انت أيضا متهمة. ما اسمك؟ من اي مدينة انت؟

—انا اسمي أسماء من الناظور لكن أتابع دراستي في وجدة.

انتهت المحادثة بينهما بالتعرف كل واحد منهما على الاخر، فقد تحدثا عن اهداف كل واحد منهما على الاخر وتشاركا المعلومات المعتادة التي لا تخلوا منها الحوارات الاولية. اصبحوا يتكلمون كل يوم سبت عبر هذا الموقع التواصلي، وكان ينتظرها بفارغ الصبر، لم يكن يعلم ان هذا الاهتمام الذي وهبها لها سيتحول إلى تلك الجنة الموعودة و بعدها إلى جحيم لا يطاق. كان هناك شيء في كلماتها في طريقة حديثها كأنها تقول له : ” تستنجد به، و تقول قله: انتظرتك كثيرا، أنا حزبنة، أنا بحاجة لك و اريد أن أحكي لك عن عالمي الحزين و أرمي بجسدي بحضنك كطفلة صغيرة”. دام تواصلهم لمدة شهر كامل كانوا منسجمين في افكارهم، رغم انهم لم يتعرفوا من قبل في ارض الواقع. مرة طلب منها ان يرى صورتها على الاقل ان يعرف ملامحها، عندما ارسلت له صورتها، تأملها بتلك النظرة البريئة، وصاح يردد في بيته كمجنون:

آهِ يا أسماء عيونك مثل السماء.

قلبي نبض من أجلك و هل هناك دواء لهذا الداء.

و طلت عليه أمه و قالت له: ” يمكن صافي هبلتي قطع علينا الحس ولا نقطع ليك هداك لسان” و أضافت قائلة من هي التي كنت تردد اسمها اسماء؟

—لا يا امي فقط قلت السماء و انتي سمعتيها اسماء كنت اتدرب على الشعر الفصيح.

—غادي انجي دبا انصفحك انوريك الشعر الفصيح و الشعر التصرفيق.

بعدها غادرت امه رسم على شفتيه تلك الابتسامة الشريرة، بعدما هزم امه و لم تكتشف أمره تهربا من تلك الاسئلة المزعجة.

بعد اسبوع من الانتظار أخيرا وصل يوم السبت جلس كعادته امام حاسوبه، يترقب اتصالها على ذلك العالم الافتراضي. تأخرت هذه المرة فانتظر لساعة اخرى الى أن أتت، وشرحت له أن سبب تأخرها، ناتج عن مشكلة في الانترنيت. بعد ذلك عبر له أنور عن اشتياقه لها، وبأنه كان ينتظرها على أحر من الجمر. إذ ان قانون الحب لا يعترف بالمسافات، ولا يفرق بين العالم الافتراضي من العالم الواقعي، لكن يعترف بشيء واحد فقط وهو الاحساس الصادق.

—أنور اريد ان اقول لك بأنني لن اعود إلى هذا العالم الافتراضي مرة اخرى على الاقل خلال هذه الفترة و لا أدري ربما سأعود يوما ما مستقبلا.

—ما هذا القرار المفاجئ؟ !!! لقد كنت أنتظر كل سبت بفارغ الصبر، لكن لا يمكن لي ان انتظر الان شيئا لا أضمن حدوثه. هل على الاقل أن أعرف السبب الذي دفعك لاتخاذ قرار مفاجئ كهذا.

—سأعود إلى الناظور، و هناك ليس لدي وسيلة لأتواصل معك. فقط إترك لي رقم هاتفك، و سأتصل بك في أقرب وقت ممكن.

افترق الاثنان كل واحد منهما سلك طريقه، لكن حالة انور كانت يرثى لها، اصبح يفكر فيها جل وقته، وصار مهووسا بمراقب هاتفه كل لحظة علها تتصل و يراقب حسابها ربما تقوم بفتحه أو تنشر خبرا ما عنها ليطمئن عليها.لكن ما نوع هذه العلاقة صداقة ام حب؟ هذا الاشتياق الذي يحس به صاحبنا لا يدل على ان هذه القصة صداقة و انما الحب. في يوم كان يجلس قرب والدته، و رن هاتفه.

—السلام عليكم.

—و عليكم السلام.

—من انتِ؟

—هل تنتظر مكالمة من غيري يا هذا؟

—كنت انتظرك ياقطتي البرية(كان دائما يقول لها ايتها القطة ) اشتقت لكِ.. كثيرا اشتقتك وكل يوم كان يمر علي وأنت غائبة من غير ان اسمع لا صوتك و لا أعرف أخبارك كأنه مضت عشرين سنة مما تعدين لقد شخت في هذه المدة مئة مرة مررت بجحيم لا يطاق. أتعلمين ماذا بعد إعادة التفكير أنا لم أفتقدك بل فقدتني !! أعتذر دعيك الان مني وأخبريني كيف حالك و اين انت؟ و هل هذا الرقم لك؟ (كان يطرح عليها سؤالا وراء سؤال. كأنه يخاف ان يفتقدها مرة أخرى.)

—هل تبقى لك اي سؤال ايها المحقق.؟ انا في الناظور و انت تعرف اننا في عطلة نهاية الأسدس الاول، سأبقى هنا بضعة ايام. هذا الرقم ليس لي. لكن اعدك بأنني سأتصل بك مرة أخرى.

وفقدها للمرة الثانية، كيف سيصبر و من اين له القوة ليتحمل هذه المسافة اللعينة التي تفصلهما. عاد الى نفس الطقوس مجددا(مراقبة الهاتف)، وكان كلما رن هاتفه حمله بلهفة و نشوة ظنا منه أنها هي فيخيب ظنه، لدرجة أنه يتمنى أن ينساه الجميع سواها وألا يتصل به أحد غيرها (فكر بينه و بين نفسه انه لو كان يعرف الرقم الذي ستتصل به منه لكان اشترى هاتفا لا يستقبل إلا اتصالات رقمها) . وكان أول ما يقوم به في صباح حين يستيقظ ينظر الى هاتفه لربما تكون قد تركت له رسالة ما، أو اتصلت وهو يغط في النوم، لكن بدون جدوى. لقد مر بأيام عصيبة في تلك الفترة وهو ينتظرها، و ما أصعب ان تنتظر شيئا لا تعرف متى سيأتي.

بعدما مضت ايام عن ذلك الاتصال كان يعمل مع أبيه و كان مرهقا جداً لأنه امضى يوما شاقا، رن هاتفه و إذا بتلك المجنونة هي التي تتصل، احساسه اوحى له بأنها هي. ضغط على زر الرد على المكالمة بسرعة خوفا من أن تفصل الخط..أخبرتها بأنها أتت إلى المدينة مع أمها و أن هذه هي الفرصة ليلتقيا… بدون أن يفكر، ذهب مسرعاً إلى المنزل ليأخذ حماما يليق باللقاء الأول و ليغير ملابسه… نظرت إليه أمه بإعجاب ثم قالت له: “ما كل هذه الأناقة كأن حبيبي على موعد مع أميرة”… رد عليها “كيف لا تكون أميرة يا أمي و هي تتربع على عرش قلبي”… خرج من المنزل. يسارع الزمن حتى يصل في الوقت المناسب… وصل إلى الطريق ينتظر سيارة اجرة ليستقلها إلى المكان المحدد،لكن لحظه السيء ، لم تظهر اي سيارة أجرة فارغة بل كانت كل السيارات التي تمر عليه لا تتسع حتى لمكان شاغر وحيد.. و راودته تلك الأفكار السوداوية عن كونه سيء الحظ، هل حظه سيتخلى عنه في يوم كهذا ؟ألهده الدرجة السعادة بعيدة عن متناوله؟.. بينما كان ينتظر وقف أمامه صديقه بسيارته و عرض عليه أن يوصله الى حيث يريد… ركب و قال له: ” اتجِهْ يا صديقي نحو الأمل و السعادة، إلى اميرتي المدللة” (وفكر بينه و بين نفسه أنه لربما هذه إشارة على أن حظه قد ابتسم له أخيرا)… لكن ما لبث أن اتصلت به و طلبت منه أن يسرع و أخذت ترسل له رسائل تستعجله فيها و تعلمه أن هاتفها قد ينطفئ في أي لحظة، فجعله ذلك يتأكد أن حظه فعلا سيء وأن تفكيره في أنه قد يبتسم له يوما ما لم يكن سوى توهم راوده في لحظة عابرة.. عندما وصل إلى المكان المحدد، رآها من بعيد… ااااه على ذلك اللون الأحمر الذي يليق بها، كزهرة حمراء داخل مزهرية انيقة…بدأ يتعقبها، وينتظر دخول أمها إلى ذلك الطبيب كما قالت له حبيبته في رسالة ليستفرد بها أخيرا… كاد أن يفقدها بين المارة لكن ذلك العطر و ذلك اللباس الأحمر كانا يقودانه نحوها بخطوات واثقة. أخيرا صعدت أمها وبقيت هي في درج البناية الموجود بها عيادة الطبيب.. وصل العاشق المجنون، و وقف أمامها وهو يحاول أن يسترد أنفاسه و يداري التعب الذي لحق به من شدة توتره… نظر إليها و شدته عينيها التي بلون الشوكولاطة فتأملهما مليا ثم قال لها: “و أخيرا التقينا بعد كل هذه المدة، اليوم سأرفع قبعتي كرجل إنجليزي و أمنحك وسام من درجة أميرة، يا طفلتي”…تبادلا الحديث و النظرات وراق له عندما تمعن فيها كثيرا ان وجد عيناها تشعان بالسعادة و الفرح لكن مع ذلك مازال يحس بلمحة من الحزن تجاهد كي لا يطفو خارجا و يقتل بريق عينيها الجميلتين.

ومن دون مقدمات وجد نفسه يقول لها :

—أسماء تعبت من كتم هذه الكملة في قلبي انها تعذبني. لا اعلم لماذا اتيت راكضا لأراك، وفي الطريق احسست بأنني حقا انا أحبك، وأريد ان أكون بجانبك. بكل بساطة الانسان يحب مرة واحدة، و أنا أحببتك.

كانت الجمل تخرج مبعثرة منه وتخلط عليه التعابير كان بوده لو أنه جهز ما سيقول لها سابقا، أو يرسل لها رسالة لكن في مثل هذه الاعترافات تكون لها جمالية أكثر حين تخرج هكذا بعفوية. أما هي فبقيت تنظر اليه كجثة لا تتحرك وتستمتع الى كلماته الصادقة التي لم تسمع مثلها من اي شخص.

فجأة وقفت عليهما أم تلك الفتاة كجندي يحمل في يده بندقية، كيف لا و تلك الدعوة أكثر من رصاصة.. نظر إليها و تلعثم لسانه، و قالت تلك الام “لا بارك فيك المولى ماذا تفعل هنا هل تحاول التحرش بطفلتي ..اغرب عن وجهي ” و ذهب دون أن ينطق بكلمة.. في الطريق كان يتمتم وحده في الطريق ويقول بأن الموت أهون له من هده المسافة التي كانت بينه و بين حبيبته.

من هنا بدأت قصة حبهم المجنونة. التي حملت في طياتها التشويق، والإثارة. بعدها قضوا اجمل الايام معا، احبوا بعضهم لدرجة التلاحم أصبح هو هي و هي هو.. عندما حصلوا على الباكالوريا، كانت تريد ان تتابع الدراسة بعيدا عنه في مدينة وجدة لكن اصر ان تبقى بجانبه لأنه لن يستطيع ان يتحمل هذه المسافة، و وافقت على طلب حبيبها. كانوا يلتقون دائما في الكلية و يقضيان اليوم بأكمله معا جنبا لجنب ..يمر على بيتها صباحا ليصطحبها الى الكلية و في الحافلة يجلسان معا وعندما يصلان كان مقعدهما المشترك ينتظرهما ..لكن كان شيئا ما فيها يكشف حزنها، كان دائما يحس بتغير ملامح وجهها كأنها تتذكر آلاما يغزوا قلبها.

في عيد ميلاد “أنور” اغتنم هذه الفرصة و طلب منها ان يحتفلا بعيد ميلاده في مكان هادئ بعيدا عن الناس، و اقترح ان يذهبوا لبيت يعود لأحد أفراد عائلته لا يوجد فيه احد. ترددت قليلا لكنها في الاخير وافقت. في اليوم المحدد انتظرها حتى وصلت. جلسوا يتكلمون ويتبادلون الحديث و بعد تفكير ملي قال لها : “أخبريني بشيء لا اعرفه عنك؟؟”

صمتت لدقيقة و تغير لون وجهها، و بدأت تحكي له المعانات التي تتجرعها في المنزل مع ابيها. فهو يضرب امها، و لديها هاته الأخت التي لا تتحمل أجواء البيت فتخرج منه دون وجهة محددة ودون ان تعرف ماذا تفعل كأن شيئا ما يجبرها على الخروج. و والدها كان في كل مرة يعود الى المنزل يضرب كل من وجد في طريقه سواء كانت ابنته أو زوجته، لا يفرق بينهن.

— تعلم يا “أنور” انت جوهرة ارسلها لي الله لتخفف عني الالم الذي كنت اعيشه، على الاقل الان عندما اكون معك احس بسعادة لا توصف، هل تعلم انت هو ابي انت هو اخي، انت صديقي و حبيبي. انت كل شيء بالنسبة لي. ارجوك كن بجانبي دائما فأنا أحتاجك كثيرا ولا أتخيل حياتي من دونك.

ضمها اليه و نظر اليها مليا وزرع قبلة على جبينها ثم عاد ليحتضنها و قال:

—لن اتركك يا حبيبتي اسمعت من قبل بمن يتخلى عن قلبه؟ انا بجانبك سأكون اخا و ابا و حبيبا.

وعلى هذا العهد افترقا وعاد كل منهما الى بيته هي تشعر بالسعادة لأنها أخيرا شاركت حبيبها بما تمر به وهو في المقابل يشعر بالحزن و الأسى لأنه ليس بيده حل يقدمه لقلبه “أسماء” يخلصها من التعاسة التي تعيشها لكنه أخذ قرارا بأن يكون هناك من أجلها مهما كلفه الأمر. في احد الايام فاجئته باتصالها الذي كانت تبكي فيه و تقول : ” تعال وساعدني انا في ورطة اختي خرجت من جديد و لم نجدها لحد الأن أرجوك تعال” و بالفعل قام بالبحث معها في كل ارجاء المدينة، و كانت معهم أمها. فتعرف على امها ولحظه لم تتذكر وجهه فقال لها بأنه صديقها في الدراسة. وبما ان هذه الحالة كانت تتكرر معهم كثيرا فقد كان يجد نفسه مضطرا للبحث عنها معهما الى أن يجداها، لكنه لم يتذمر يوما من هذا بل كان كل ما يشغل باله هو كيفية التخفيف والترفيه على جميلته التي كانت تعيش الجحيم في ذلك البيت. و قرر يوما أن يصطحبها الى الحسيمة من أجل أن تنسى قليلا ذلك الهم الذي يرافقها. جلس بجانبها في الحافلة، هذه أول مرة سيسافران معا بعد شهور من مرور قصة حبهم.. جلسا معا يتبادلان الحديث، عن الايام التي جمعتهما معا منذ البداية .. و فجأة نظر إليها بنظرة مليئة بالحب والترجي وقال لها “ماذا لو افترقنا يوما”.. فردت عليه، “يا مجنون في الحب لا يجب علينا أن نفكر في هذه الاشياء، إذا فكرنا فيها بكل بساطة لا نستطيع ان نعيش اللحظة، و الواقع وأردفت : ” فلنعش هذه اللحظة يا مجنوني، اِنْس عليك مثل هذه السخافات”.. فمسك بيدها الناعمة، وسحبها إليه فأسندت رأسها على كتفيه، خيم الصمت عليهما لفترة.. مرت بعض الدقائق، نظر حوله، واقترب منها لدرجة تسمح له بسماع دقات قلبها، وتأمل في براءة عينيها وقال لها بنبرة مرتجفة: ” أنت مجنونتي، انت طفلتي، انت حياتي، وفي لحظة رومانسية زرع قبلة طويلة على شفتيها، حبست أنفاسهما.. تلك القبلة جعلته لا يبالي بالأشخاص الذين في الحافلة.. فقاطعهما صوت آت من مكان مجاور له، يقول “اللهم إن هذا منكر “لا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ. إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ ” صاح يردد هذه العبارات، كأنه رأى شبح.. التفت ورائه ليرى من ذلك الشخص الذي حرمه من تلك النشوة، و إذا برجل ملتحي مع زوجته و أبنه، يحاول ان يغض بصر أبنه.. أدار ظهره و قال لحبيبته : “لنواصل الطريق بدون أي إزعاج للناس.قبل أن تصيبنا تلك دعوة ذلك الملتحي”.

مرت ستة اشهر على هذه الحادثة وكان قد تعود أن يقف أمام محطة الحافلات كل يوم في انتظار تلك الحافلة اللعينة التي تتأخر دائما عن موعدها، وذلك الكم الهائل من الطلبة الذين بدورهم ينتظرونها.. فور وصولها يصعد و يجلس على الكرسي الذي فقد بدوره الطاقة ليتحمل أي كتلة زائدة، ويضع السماعات في أذنيه كالعادة حتى يتجنب ضجيج الفتيات و قهقهاتهن الصباحية التي تزعجه كثيرا. عندما يصل إلى الكلية ينتظر قليلا حتى تصل تلك الساحرة بجلابتها السوداء أو في بعض الاحيان الحمراء، و كان يروق له أن يراها بالاحمر فقد كان يليق بها أكثر. و كانت هي عند وصولها و قبل أن تترجل من الحافلة تبحث عنه بعينيها وحين تراه ترسل له ابتسامتها الطفولية الجميلة، كأنها تقول له أجري يا حبيبي احتضني فأنا أشتاق لك، ويشير لها بيده و يبادلها نفس الابتسامة، و عندما تقترب يزرع قبلة على جبينها، و يتبادلان الاحاديث. وعندما يحين وقت المحاضرة يذهب مع طفلته المشاكسة ليحضروا دروسهم، و أحيانا عندما لا يفهم شيئا تكون هي أستاذته و تشرح له بصوتها الجميل و يراقب تحركات شفتيها، و يقول لها: “أه يا حبيبتي لو كنت أستاذتي لحصلت على الاجازة و الماستر و الدكتوراة” فابتسمت و ردت عليه ” أه يا مجنوني جنونك و حبك هما اللذان يمدانني بالقوة حتى أستطيع ان اركز جيدا”

سعادة كبيرة كان يعيشها أنور مع حبيبته أسماء لكنه لم يكن يعلم أن هذا الحلم الجميل سيتحول إلى كابوس يقض مضجعه فيما بعد كانت في انتظاره أياما عصيبة بدأت بمقاطعتها لاتصالاته فقد كان يتصل بها ولا ترد ثم يحاول ثانية مع رقم امها لكنها هي الأخرى لم تكن تجيب استمر الأمر يومين أحس فيهما أنه يحمل فوق قلبه جبل من الحزن. في اليوم الثالث اتصلت به لكنه فقد السيطرة على اعصابه فشتمها وأغلق الهاتف في وجهها فبالنسبة له كان يرى أنه حتى لو كان لديها مشاكل الدنيا بأكملها فهذا لا يجيز لها ان تقوم بفعلتها تلك معه و لم يكن عليها أن تغيب وتتركه في حيرة من أمره لأنه دائما كان يساعدها بل كان يحس بالراحة عندما يساعدها ولا يبخل عليها بشيء. على كل حال اتصلت به مرة اخرى باكية و طلبت منه أن يلتقيا في اليوم الموالي. لم تكن بحاجة أن تذكر له أين سيلتقيان فمادامت حزينة فهذا يعني أنهما سيعودان لزيارة المكان الذي يدفنان فيه كل آلامهما و أحزانهما.. التقى بها في المحطة و ركبا الحافلة معا في صمت وعندما وصلا إلى مكانهما المعتاد. جلسا في سكون للحظات ثم بادر بسؤالها عن السبب الذي جعلها تمتنع عن الرد على مكالماته فأخبرته أنه تقدم إليها أحد لخطبتها و طلبت منه أن تفكر.

المشكلة هي أنها كانت تحلم منذ طفولتها باليوم الذي ستبتعد فيه عن ذلك البيت الذي تعيش فيه المشاكل و الصراعات والخصام الذي لا ينتهي بين أمها و والدها دائما وشرحت له أنها بالرغم من حبها الشديد له وتقديرها للتضحيات التي قام بها من أجلها لكن ذلك ليس كافيا فهي كانت عندما تعود إلى المنزل وترى وجه أمها الحزين وقساوة والدها تتمنى لو تموت على أن تقضي لحظة أخرى في هذا العش البئيس و الحل أمامها الأن هو أن تقبل الزواج من هذا الشخص ليخلصها من بأس حياتها.

أنور لطالما فضل سعادتها على نفسه فقد أحبها لدرجة أنه أصبح يريد لها أن تكون سعيدة حتى وإن كان هذا يعني شقاءه و تعاسته يستطيع أن يتحمل الألم لوحده المهم هو أن لا يلحق حبيبته اي سوء فعندما يقول لك أحد انت هو ابي و صديقي وحبيبي و انت كل شيء فهذا يجعلك تسخر نفسك من أجله. وصار يتذكر خروجها من المنزل حتى لا تسمع صراخ أبيها و يتصل بها فتقول له بأنها تتمشى و تبكي على الهاتف وذلك الألم الكبير الذي قاسته لسنوات وسنوات.. وأدرك مدى تفاهة الطلب الذي طلبه منها حين حملت بيدها قطعة زجاج لتجرح نفسها كي تؤكد له أنها فعلا تحبه فأمسك بيدها في اللحظة المناسبة ومنعها من أن تلحق أي أذى بنفسها، تلك المجنونة كانت مستعدة لفعل أي شيء مقابل أن يصدق أنها لم تخدعه يوما ولا استغلت حبه لها بل هي فعلا أحبته و أحبها لكن القدر هو الذي تخلى عنهما. ترك الموضوع بيدها والقرار الأخير يعود لها هي حرة في أن تختار ما تراه مناسبا لها. هي كان بإمكانها أن تتزوجه دون ان تقول له شيء، ويكفي أن تغير رقم الهاتف. كم كان غبياً حين سمح لنفسه بأن يساوره الشك في صدق حبها له.

بعد مرور أسبوع تفاقمت المشاكل في منزلها و أصبحت تعيش حالة يرثى لها لدرجة أنها أهملت دراستها ولم تكن تذهب إلا لتلتقي به ويخفف عنها قليلا .. وكان الشخص الذي تقدم لخطبتها يتصل بأمها و يقول لها بأنها يجب أن تتخذ القرار اما بالموافقة او الرفض كي يقرر ماذا سيفعل. قبل عيد ميلادها دائما كانت تقول له لو كان لدي آخ كنت سأحكي له همومي و يحمينا في البيت من شر والدي لذلك قبل موعد عيد ميلادها بشهر اتصل بها انور ليلتقيا و تختار معه هدية أخبرها بأن اخته لديها عيد ميلاد و ستختار معه ما يهديه لها تلك الهدية كانت لها اشتراها لها اخوها الذي تمنت أن تحظى به. و الهدية اخرى اشتراها لها في يوم اخر لتكون من حبيبها أنور. كتب لها رسالة على الهدية الاولى : ” رغم أنني لا استطيع ان اعوض لك الأخ الحقيقي الذي كنت تتمنين دوما لكن على الأقل اقبلي هدية باسم ذلك الأخ”

بعدما منحها تلك الهدايا اعتذر منها لأنه لا يستطيع أن يكون معها في عيد ميلادها وأضاف لها: “يمكن لك ان تقبلي بذلك الشخص إن كان مناسبا” وطلب منها أن تغير الرقم حتى لا يستطيع ان يتصل بها و تغير رقم أمها. وقام هو كذلك بتغيير رقمه كي لا تتصل به لتكون لها حياة سعيدة بعيدا عن أجواء بيت أهلها المشحون بالطاقة السلبية والمليء بالمشاكل ولربما ذلك الزوج قد يصلح تلك العائلة. اقتربت منه واحتضنته وسمعت بخفقة قلبه كأنه يحتضر . زرعت على شفتيه أخر قبلة وداع. كادت الدموع تسيل من عينيه لولا مقاومته. أوصلها الى المحطة حتى تذهب الى منزلها و أخر كلام قاله لها:”فقط كوني سعيدة يا مجنونتي”.

اما صديقنا انور فقد مات قلبه ولم يستطع ان يحب فتاة غيرها أحبها بصدق و ضحى من اجلها كي تكون سعيدة. هناك مثل اسباني يقول “El amor es como la guerra es facil empezar y dificil terminar ” يعني “الحب مثل الحرب من السهل ان يبدأ لكن صعب ان ينتهي” هذا الشخص الذي كتب هذه المقولة كان على حق. ها هو انور خير دليل على ذلك فقد كانت بداية حبه سهلة بضغطة زر واحدة و ارسال طلب الصداقة كانت سبب علاقة جد قوية و حب صادق، لكن عندما شاءت الاقدار ان يفترقوا وجد نفسه يخوض حربا معها لا نهاية له، اجل ان الحب حرب.

ها هو ذا تائه بين تلك الذكريات و كل شارع يعبره يجد نفسه مرغما على ان يتذكرها، كيف لا وهما كانا يتشاركان في اي شيء حتى تلك الشوارع كانا يقطعانها يده تداعب اصابعها وكل يوم يجلس امام صورتها ويعلن الحداد عليها.. لكنه كان يتظاهر امام اصدقائه بأنه سعيد و احيانا عندما يجد احدا حزينا كان يحاول ان يرسم ابتسامة عريضة على شفتيه متناسيا حزنه، لأنه لم يكن يتحمل ان يرى وجوه الناس بتلك الحالة الحزينة، فقد كان يعرف معنى الألم معنى الفقدان ومعنى الحزن.

في احد الايام كان عائدا الى المنزل في الحافلة، جلس في ذلك الكرسي الذي وجده شاغرا ووضع السماعات في أذنه ليستمع الى اغنية كان يحبها. توقفت الحافلة ليصعد الناس، فجأة شم ذلك العطر المغري الذي كانت دائما تضعه، لكن لم ينظر الى مصدره ظنا منه ان عطر النساء متشابه. لكن لأول مرة يخذله احساسه لماذا لم يحس بوجودها، ها هي ذي تشاركه نفس المكان الذي كانا يجلسان عندما كانا يذهبان الى الكلية،وتحمل في يدها طفلها، عوضا عن كتبها، ها هو ذا وجهها يتغير لونه كعادتها عندما تحس بالقلق. إنها تنظر اليه بنظرة الرأفة، تعلم انه حزين، تعلم انه مازال يحبها، تعلم بأنه تألم كثيرا من فراقها، لكن ما لا يعلمه هو انها تجلس معه في نفس الكرسي. نظرت اليه طويلا ثم نزعت عنه تلك السماعات و دار هذا الحوار بينهم:

—في ماذا تفكر ايها المحقق؟ هل وجدت قضية اخرى تتحرى فيها.؟

نظر اليها متفاجئا، ومستغربا اي قدر هذا الذي ارسلها له لتجلس معه، وبجانبه.( اه على تلك العيون التي تغيرت ملامحها، اه على تلك الابتسامة التي ازدادت اغراءا.)

—لم يتبقى لي اي قضية بعدما افترقنا. تبدين جميلة. لماذا لم تجلسي في اي مكان غير هذا ؟ انا منذ تلك اللحظة التي تركتني فيها و انا اتألم احاول ان انسى لماذا يا اسماء لماذا؟

— خذ احتضن هذا الطفل وقبله، على الاقل مارس دور الاب لمرة واحدة. القدر يا انور هو الذي يفرض علينا هذه الامور، و لماذا جلست هنا فهذا لأنك كنت دائما تقول انت سعادتي و عندما تكونين بجانبي احس بالفرح. لقد فكرت مليا قبل ان اجلس و وجدت ان ذلك سيكون مفيدا لك.. اعلم ان كل شيء تغير لكن انت الذي كنت دائما تقول لي تهمني سعادتك يا أسماء. لذلك انا هنا. قبل هذا الطفل من أجلي و احتضنه الم تكن تقول لي ان احتضان طفل صغير و اللعب معه يريح القلب.

—لن أقبله و لن احتضنه فقط لمصلحته ربما بتلك القبلة ستنتقل له عدوى النحس و يكون حظه اسوأ من حظي. على كل حال ما اسمه؟

—أسمه كاسمك سميته تيمنا بك حتى يذكرني بكل التضحيات التي قمت بها من أجلي، لا تنسى أنني عندما كنت حزينة قمت انت بالتكلف بالمصاريف وذهبنا برحلة الى الحسيمة من اجل ان اغير الجو و استمتع قليلا و انسى همي. لي عندك طلب أخير حاول ان تعيش حياتك حاول ان تسعد نفسك لا تنس أنك انت الذي كنت تقدم لي هذه النصائح أي أنني هنا لأذكرك بكلامك ليس إلا واعلم أنه لو كانت لي حياة اخرى فسأكون فيها لك انت فقط. لكن انت تعرف اكثر مني حالتي التي عشتها و أحب أن أبشرك أنه بفضلك امي و ابي اصبحوا يحبون بعضهم البعض بعدما قام زوجي بحل مشكلتنا. هل تعلم انت شخص مميز جدا بفضلك تحولت حياتي لجنة.. شكرا لك أنور. لا استطيع ان اقبل جبينك كما تعودت لأنني متزوجة. فقط اكتفي بالدعاء معك كل يوم وداعا. بالمناسبة تلك الفتاة التي ستحب بعدي ستكون محظوظة بك.

—وداعا يا أسماء و داعا يا سعادتي يا سمائي. ( تمتم في قلبه من الافضل ان تقومي بالدعاء علي و اموت لارتاح سأكون ممتنا لك) وعندما تذكر ما قالت له بشأن ممارسة دور الابوة لمرة واحدة ابتسم وقال في نفسه “اجل سأمارس لعبة الاب لكن سأبحث اولا عن تلك الفتاة التي تتقن دور الام”. ذلك اللقاء كان خيرا بالنسبة له، فقد حاول تفهم الامر و أدرك ضرورة متابعة حياته.

بعد مرور سنتين لم يسمع منها اي خبر، فقط احيانا تسأل عنه صديقتها.وأخبرته هذه الصديقة أن أسماء تتابع منشوراته على الفايسبوك دون ان تترك أثرا ورائها فقام بنشر منشور ليبارك لها وهذه اخر رسالة كانت بينهم. “عزيزتي اسماء لقد استقبلت رسالتك من صديقتك، وأنا جد سعيد لك و مبروك عليك المولود الثاني. أشكرك لأنك تتابعين منشوراتي يوميا، دون ترك اي اثر حفاظا على العهد الذي كان بيننا وكذلك من اجل زوجك. أعلم انك ستكونين سعيدة جدا بين اولادك اللذان سيحملان جنونك، وأتمنى ألا يكون لديهم حظ سيء مثلي. لا تعلمين مدى سعادتي عندما استقبلت رسالتك، و ها أنا اقوم بالرد عليك هنا لأنني أعلم ستقومين بقراءة هذه الكلمات على حسب ما قالت لي صديقتك، وكذلك ستكون هذه القصة لك كاملة فيها بعض من ايامنا التي عشناها و ها أنا أنهي أخر وعد قطعته لك بأنني سأكتبها، وربما أخر شيء سأكتبه في حياتي، بكل بساطة لأنني تعلمت الكتابة فقط من أجل ان أفي بوعدي لك، الان سأبدأ رحلة جديدة و اتمنى ان أتوفق فيها. اعتني بذلك الولد الشقي الذي يحمل اسمي، قبليه عوضا عني، يوما ما سألتقي به في درب الحياة. حاولي اسعاد زوجك لأنه يستحق ذلك، فقد منحك حياة جديدة. و أخيرا حاولي التقليل من الشوكلاته فجسمك أصبح يفقد رشاقته. على فكرة آخر مرة رأيتك فيها من بعيد كان بين يديك طفلك الشقي، تحاولين اسكاته. تمنيت في تلك اللحظة لو كنت أنا بين يديك وحضنك. أقسم لك بأنني سأكون طفلا مطيعا، سأنزع مني تلك الشقاوة حتى يتسنى لي أن أستمتع بعيونك الجميلتين.”



   نشر في 25 فبراير 2016 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا