سمر على ضفة النهر - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

سمر على ضفة النهر

  نشر في 23 أكتوبر 2015 .

_ألا تكتب عن الحب أبدا؟

قالت له وهي تنظر صوب عينيه السوداويتين

_ تلك أشياء تافهة، لا تستحق اهتمامي.

رد عليها بنبرة واثقة متعالية.

نظرت إليه مطولا، علها تلمس في نظراته وتقاسيم وجهه ما يفسر هذا البرود اتجاه الحب والمشاعر الرقيقة، لكنها لم تجد سوى عينين يفيضان بالرقة والذكاء وتقاسيم وجه وسيم شرقي.

لا يعقل أن يكون هذا الشخص بارد الإحساس، قالت لنفسها، ثم انتابتها فكرة، حاولت نفيها: إذا كان لا يهتم بالحب كما يقول ولا يميل قلبه لامرأة أبدا، فلماذا يجالسها طويلا ويعيرها اهتماما لطيفا، ويناقش معها كل الأفكار والآراء...؟ ربما لأنه يحب رفقتها فقط، فكرت مطمئنة نفسها، وتمتعه أسئلتها الساذجة البريئة... وهكذا طوت صفحة هذه الخاطرة التي كان ستجلب عليها وابلا من الأفكار اللا متناهية، وتغرقها في ألف تفسير وتأويل لكل ما يقول لها، لكل نظراته، لكن ملاحظته.. وهي ليست في حاجة إلى ذلك الآن. لا تستطيع بناء أحلامها على وهم من جديد... ولكن أليست كل الأحلام مبنية على وهم في الأصل؟ فإذا تحققت، بطل الوهم وتحول إلى حقيقة، وإذا لم يكتب لها الميلاد في عالم الواقع، ظلت كامنة في خبايا الروح وثنايا القلب، تاركة وراءها طعما حلوا ممزوجا ببعض المرارة...

نظرت إليه مجددا وقالت، متصنعة البراءة:

_ وما الذي يستحق اهتمامك إذن؟ أعني، ألا يوجد شيء آخر غير السياسة وقضايا الأمة الكبرى ومشاكل الناس اليومية وحاجتنا إلى الديمقراطية... وكل هذا الكلام؟!

ابتسم لها ثم قال:

_ أو ليست كل هذه الأشياء كافية... إنها مهمة بالنسبة لي وتشغلني عن باقي الأشياء، وأجد نفسي أفضل هكذا.

لا بد أنه أحب بشدة فيما مضى، قالت في نفسها.. يتجلى أثر حب قديم من كلامه وتعابير وجهه، رغم أنه يحاول إخفاء ماضيه بقناع الجدية واللامبالاة.

غريب أمره، يحمل العديد من المتضادات، فهو شهم مقداد ـ الكل يعترف له بذلك ـ وفي نفس الوقت خائف من شيء ما، من المجهول ربما أو من ماضيه، نظراته عميقة وجدية، وفي أغلب الأوقات حازمة، لكنه يضحك كطفل، كطفل صغير، بريء، فرح بالأجواء حوله وباهتمام الناس ناحيته.

_ فيما تفكرين يا ترى؟

_ أنا..؟ لا شيء، صدقني !

_ (يضحك) على مهلك ! لم أتهمك بشيء، لكن يبدو أنك كنت شاردة في أمر مهم، أو شخص مميز..

_ صدقت !

_ كالعادة...

_ من تواضع لله رفعه..

_ ونعم الصديقة أنت.

ها قد قالها، "صديقة"، لست سوى صديقة بالنسبة إليه، ومن الأفضل أن أتعود على الوضع، وأن لا أحلم كثيرا...

كان الاثنين جالسين بأحد المقاهي المطلة على نهر أبي رقراق، في مكان شبه مظلم، كامتداد لظلمة الوادي في الليل الحالك الرزين، الذي يضفي سكونا وجمالا على جلستهما الليلية تلك... التي اعتادا عليها أيام الصيف الطويلة. خلال الصيف، يصبح كل شيء جميلا، كل شيء هادئا، المياه، المحادثات، الطباع.. تبدو الحياة يسيرة وكل شيء ممكنا، حتى الأفكار الأكثر جنونا...

شربت آخر رشفة من فنجان قهوتها الأبيض واستنشقت نسيم الليل وعبق المسك ملء روحها ورئتيها. تركت جسدها يذوب وينسجم مع هذا الإيقاع الليلي الخفيف. التفتت للوراء ولم تجد شيئا يذكر.. تطلعت للأفق وبان لها مبهما.. كل ما بقي هو هذه اللحظة، هو الآن، هو هذه النظرة، هذه الكلمة، حرف واحدا ويتغير كل شيء... حرف واحد تعقبه حروف ثم تصير عبارة.

لن تستطيع تدارك الزمن الذي مضى، ولن تستطيع الإمساك بالزمن الذي يمضي... كل ما تستطيع فعله هو أن تنغمر في موجة المشاعر هذه، في صخبها وحلوها ومرها.. لتأخذ روحها لبعيد، لأراضي لم ترها من قبل، لأماكن لم يزرها أحد من قبل، لذكريات لم يعشها أحد من قبل.. وتتذكر مقولة جلال الدين الرومي المتصوف "العشق نبع فانغمر"!...


  • 3

   نشر في 23 أكتوبر 2015 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم













عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا