رحلة حنين... للطفولة والحياة - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

رحلة حنين... للطفولة والحياة

  نشر في 05 يناير 2022  وآخر تعديل بتاريخ 09 يناير 2022 .

كعادتها كل مساء.. تنام حنين وهي تحتضن لعبتها المُفضلّة من الفرو.. رغم أن هذه اللعبة قد امتلأت بالرقع التي خاطتها لها أمها.. إلا أنها ترفض التخلّي عنها.. فهي تشعر بحنان كبير عندما تحتضن تلك اللعبة وتنام.. حنان ربما فقدته من أب وأم لا يهمهما شيء سوى أن يكونا سعيدين بغض النظر عن أطفالهما الستة.. وككل ليلة تطلق حنين العنان لخيالها وهي تُحضّر المقالب التي ستقوم بها غداً مع صديقاتها.. لكن ترى هل ستكفي استراحتين لتقوم بكل المقالب التي تُخطّط لها؟.. لا لن تكفي.. ففي عقلها الطفولي المرح المئات من الأفكار المضحكة.. وتحتاج لوقت طويل كي تنهيها..

تستيقظ في اليوم التالي وهي ترقص فرحاً.. إنها الوحيدة بين إخوتها المولعة بالمدرسة.. الأمر الذي تستغربه الأم على فتاة في عمر الثانية عشر.. فعادة الفتيات في هذا العمر يبدأن التذمر من الدراسة والمدرسة.. لكن حنين غير كل فتيات جيلها.. فقد وضعت في رأسها هدفاً بأنها تريد إتمام تعليمها.. تريد أن تكمل دراستها الجامعية وتكون طبيبة أطفال.. هذه هي حنين.. وتلك هي أحلامها الطفولية البريئة..

تركض في الطريق... تسلّم على كل من تراهم.. تشتري الشوكولا التي تحبها.. وتكمل طريقها إلى المدرسة.. محبوبة هي من كل مُدرّساتها وصديقاتها.. معروفة بذكائها وقدراتها العقلية التي تفوق عمرها.. ورغم أنها تربت في بيئة شعبية فقيرة.. ومنزل يفتقر إلى أبسط الأمور التثقيفية والترفيهية.. إلا أن لحنين عقلاً يُعبّر عن وعي وثقافة كبيرتين.. هذه هي حنين.. ببساطتها وعفويتها وضحكتها.. فقد كانت تحب القراءة والتعلم، ولديها الكثير من الفضول لمعرفة كل شيء والسؤال عن كل شيء!

ينتهي وقت الدوام.. تودع حنين صديقاتها وتمشي وهي تلتفت إلى الخلف... وتُفكر في مقالب الغد.. فغداً حصة الرسم.. والآنسة سعاد تعودت أن تستقبلها حنين بمقلب ظريف تضحك به كل الفصل.

تصل حنين أمام المنزل.. فتجد سيارة فخمة مركونة إلى جانب باب منزلهم.. وتستغرب وجود سيارة مثلها في حي كهذا الحي.. وأمام منزلهم حصراً.. ومن أين لوالدها بأصدقاء أغنياء وهو مجرد بائع للدخان على إشارات المرور.. وكسله وعنجهيته تجعله يفتعل المشاكل يومياً مع كل من حوله ويعود إلى المنزل وهو يضرب يده على الحائط ويقول بأنه لن يذهب إلى العمل غداً.. وزوجته تحاول تهدئته... وهكذا هو روتين كل يوم.. إذاً.. كيف لسيارة كهذه أن تصل إلى باب منزلهم؟...

تدخل حنين إلى غرفة الجلوس المتواضعة فتجد والدها ووالدتها جالسين مع رجل غريب.. ترمقه بنظرة تجمع بين الصدمة والدهشة.. وكأنها تقول له (من أنت؟)... ويبدأ والدها الحديث..

الأب: هذه هي حنين.. ما رأيك أليست فتاة جميلة؟

الضيف: ما شاء الله عنها إنها كالقمر.. كيف حالك يا حنين؟

تجيب حنين وقد ارتسمت علامات أكثر من الدهشة في عيونها..فتاة جميلة.. كالقمر؟ (وتسأل نفسها باستغراب (ماذا حدث لوالدي؟؟) ثم تجيب الضيف..

حنين: أهلاً يا عم.. أنا بخير الحمدلله

الضيف: لماذا تقولين لي -عم- ما هذا يا حنين؟ اسمي خالد

حنين: حسناً.. أهلاً عم خالد.. أهلاً وسهلاً

هنا تسحبها أمها من يدها إلى الغرفة الثانية.. وهي تحاول اسكاتها..

الأم: كيف تقولين للسيد خالد -عم- هل أنتي فتاة مجنونة؟

حنين: إنه رجل كبير وبعمر والدي، ماذا أقول له؟

الأم: يا ابنتي الأستاذ خالد قدِم إلينا من الخارج وهو الآن يبحث عن عروس

حنين: عروس لابنه يعني؟ حسناً وفقه الله

الأم: لا لا أبناؤه متزوجون وقد طلق زوجته ويعيش وحيداً.. وهو يبحث عن عروس لنفسه!

حنين: وما المطلوب مني الآن؟

الأم: المطلوب منك أن تجلسي معه وتتعرفي عليه، فقد جاء طالباً يدك وأنا ووالدك أعطيناه الموافقة المبدئية!

حنين: هل تدركين ما تقولينه أمي؟ ما معنى أن أتزوج شخصاً متزوجاً بعمر والدي، والفرق بيني وبينه كالفرق بين السماء والأرض!

الأم: يا ابنتي ما المشكلة إنها بضع سنوات من العمر فقط، هل تعلمين أنه يعمل في شركة كبرى في الخارج، ويحصل على راتب ضخم يساعد في انتشالنا جميعاً من هذه الحياة التي نعيشها؟ هل تعلمين كم يملك من المنازل والعقارات والشركات، عدا عن نقود لا تأكلها النيران؟ حتى لو كان متزوجاً فزوجته وأولاده لن يعلموا عنك شيئاً! ثم أنك ستكونين الفتاة المدللة التي سيغرقها بالهدايا والنقود! ألا ترين أباك وتصرفاه اللامسؤولة هذه الفترة؟ يعمل ليوم واحد ويجلس في المنزل بالأشهر وما يحصل عليه من مبالغ بسيطة لا تكفينا حتى ثمن الخبز الذي تأكلونه أنتي وإخوتك. أرجوك يا ابنتي إنها فرصتك الوحيدة لتساعدينا أنا ووالدك وإخوتك وتنتشلي العائلة من هذه الحالة التي نعيشها!

حنين: ما هذا يا أمي؟ هل هو مزاح؟ أنتم حقاً تريدون تزويجي لرجل مثل هذا وفقط من أجل النقود؟ هل أصبحت الآن السمكة التي ستبيض ذهباً للعائلة؟ أنا ما زلت طفلة بحاجة للعب والمرح، لدي أحلام وأهداف كثيرة، ثم أنني بعمر أبنائه!

الأم: بكل الأحوال أنا واجبي أن أخبرك الآن أننا وافقنا، ووالدك والسيد خالد قرؤوا الفاتحة وخلال فترة قصيرة سنجهز لك كامل الأوراق لتسافري معه.

حنين: يعني أنكم اتفقتم على أن أعيش في الجحيم مع رجل يكبرني بثلاثين عاماً من أجل أن تعيشوا أنتم في الجنة؟ ألم يفكر بي أحد منكم؟

الأم: أنت أيضاً ستعيشين بالجنة يا طفلتي، وسيصبح بين يديك نقود لا تأكلها النيران. صدقيني أنا أشعر أن طاقة الفرح قد فتحت في وجهنا أخيراً، هل تعلمين أن والدك سيأخذ مبلغ المقدم ليفتح به دكانه الخاص، يعني لن يبقى في حاجة لأحد بعد اليوم. أما أنت فقد وعدنا السيد خالد أنك ستقومين بزيارتنا في كل صيف، صدقيني يا ابنتي سنعيش جميعاً أجمل حياة.

حنين: وماذا عن مدرستي؟

الأم: أي مدرسة هذه التي تسألين عنها.. غداً ستتمكنين من شراء أي شهادة بالنقود التي تملكينها!!

تنظر حنين إلى والدتها بعيون تملؤها الدموع... فهذا آخر ما كانت تتوقعه من والديها.. أن يعتبراها سلعة تُشترى وتُباع لتنتعش العائلة وتقضي حياتها بين المطاعم الفخمة ومحلات الماركات الراقية.. تركض إلى الغرفة التي تعودت البقاء فيها مع إخوتها الصغار.. تجدهم جالسين على الأرض وينظرون لها بعيون طفولية.. ماذا ستقول لهم؟.. (لقد باعني أهلي لأول شخص يطرق بابهم؟)...

يمنعها أهلها من الذهاب إلى المدرسة.. وخلال أيام كانت حنين جاهزة للسفر مع خالد إلى بلده.. عقدوا القران.. ورفضت أمها أن تزوجها دون حفل زفاف أسطوري.. كل من في الحفل كان في أشد حالات الصدمة والدهشة وهو يرى تلك الطفلة البريئة تدخل إلى الصالة يمسك بيدها رجل بعمر والدها.. معظم المدعوين كانوا يبكون وهم يرون تلك الزهرة بين يدي رجل مكتمل النضوج.. وكلما سألوا والدتها تقول لهم.. (هذا نصيبها ماذا بوسعنا أن نفعل؟..)... وأي نصيب هذا الذي يدفع أهل للمتاجرة بفلذة أكبادهم..

ستة شهور فقط.. ستة شهور عادت بعدها حنين.. مُطلّقة.. وحامل أيضاً.. بين صدمة الأهل.. وذهول حنين.. اتصل بهم خالد ليخبرهم بأن ابنتهم ستعود إليهم غداً.. ظنوا أنها قادمة في زيارة.. لكنه أخبرهم أنه طلّقها.. والسبب ببساطة أن حنين لم تكن قادرة على تأدية واجباتها الزوجية تجاهه!!.. ففي الوقت الذي كان يحتاج فيه إلى زوجة ناضجة تعرف واجباتها الزوجية كاملة.. كانت حنين طفلة تحتاج كثيراً من الوقت لتعرف ما هو الزواج.. وكيف تجب معاملة الزوج... ضاق ذرعاً بها.. وملّ من جهلها بتلك الأمور.. فبدأ بتعذيبها وضربها ليجبرها على التنازل عن كل حقوقها لكي يقبل التوقيع على ورقة الطلاق.. وعادت حنين ونظراتها كلها حزن مما رأت.. الذل الذي عاشته في كنف رجل لم يرحمها قط.... خرجت حنين وهي تحمل بين يديها لعبتها القديمة، وعادت وهي حامل في طفلها الأول.. خرجت وهي كالفراشة طفلة صغيرة تحب اللعب والمرح، ويغمرها الفرح عند تناول قطعة من الشوكولا.. لتعود وهي فتاة مهزومة مكسورة وخائفة، لا تدري ما تخبئه لها الأيام..

وفي اللحظة التي دخلت فيها المنزل سألت عن شقيقتها التي تصغرها بسنة واحدة.. فقالت لها الأم والحزن يملأ عينيها بأنهم زوجوها من مستثمر يكبرها بثلاثين سنة أيضاً!!.. في عمر الثالثة عشر.. كانت حنين مُطلّقة وأماً... أمٌّ لا تعرف حتى كيف تحمل طفلها الرضيع.. أمٌّ تنظر إلى الطفل باستغراب... وتتساءل.. ماذا سيحل بي في المستقبل؟... أمٌّ تعاني من أمراض نفسية جسدية وصحية.. ويعاني طفلها من أمراض صحية كثيرة..

احتاجت حنين إلى وقت طويل حتى تتمكن من استعادة قوتها الجسدية والنفسية، ورغم أنها كانت في غمرة أحزانها.. خرجت من غرفتها في أحد الأيام لتخبر أهلها بأنها قررت العودة إلى المدرسة.. فما حصل معها... زادها إصراراً على إتمام تعليمها.. لكنها حلمها تغير.. لم تعد بحاجة لدراسة الطب مستقبلاً... فقد قررت أن تدرس المحاماة بعد أصبح لديها مهمة جديدة الآن.. حماية الفتيات من آبائهن والوقوف في وجه كل من يُشجع زواج القاصرات..

كثيرات من هم مثل حنين.. سابقاً وحتى في الوقت الحالي.. فقد زادت نسبة زواج القاصرات ككل المشكلات الاجتماعية التي كان تعاني منها بلادنا.. جميعها أصبحت نسبتها أضعاف مضاعفة في ضل أزمات متتالية نعاني منها.. هروب من أبٍ قاسي.. بيع الطفلة كالسلعة.. فقر.. جهل.. تخلّف.. كلها أسباب أدت وتؤدي إلى تغيير حياة الفتيات.. فتيات ذنبهن الوحيد أنهن يعشن في مجتمعات لم توضع بها القوانين التي تمنع زواج القاصرات.. لنجد آباء قاموا بتزويج بناتهم وهم في عمر الحادية عشر والثانية عشر.. وحتى قبل أن يبلغن سن الرشد... وكأن من وضع القانون لا يعي نسبة التخلّف الموجودة لدى عدد كبير من الآباء في مجتمعاتنا.. هؤلاء الآباء الذين لا يملون من ترديد عبارات توضح كم هو هم كبير في قلوبهم أن الله بعث لهم بنات لا أولاد.. فالبنت برأيهم مسؤولية لا يستطيعون تحملها.. لذا يرمون بها إلى أول طارق باب.. بينما الولد هو نعمة من الله... وهنا نسأل.. ما الفرق بين هؤلاء الآباء ومن كان يقوم بوأد البنات في العصور الجاهلية؟... بكل بساطة.. لا فرق.. ففي الحالتين وأد للفتاة وقتل لطفولتها البريئة... وربما الوأد أرحم بمرّات من تزويج طفلة قاصر.. فالوأد هو موت مرة واحدة.. بينما زواجها هو أشغال شاقة مدى الحياة وقتل لها وهي على قيد الحياة..

بعض الحالات نصادفها وتذهلنا بكلامها... من الفتيات من تزوجت وهي لم تصل لسن البلوغ بعد... منهن من تزوجها لشهر ثم اختفى ولم تعد تعرف عنه شيئاً فعادت إلى منزل أهلها.. ظاهرة تستشري كالسم في جسد مجتمعاتنا.. والريف خاصة أكثر من المدينة.. وسببها طرفين.. زوج يريد فتاة لم تخرج بعد من منزل أهلها.. صغيرة لا تعرف شيئاً بأمور الحياة فتكون عجينة بين يديه يُشكلّها مثلما شاء.. وأبٌ جاهل متخلّف يرى أن طفلته هي همّّّ على قلبه يريد التخلّص منه بأية طريقة.. ويعد زواجها وقبض هذا المبلغ الكبير هو صفقة رابحة تغنيه مدى العمر.. وما من أحد يُفكّر بالطرف الثالث.. الفتاة.. الفتاة التي يقضون على طفولتها وبرائتها وأجمل مراحل حياتها.. عدا عن المشكلات الصحية والنفسية والجسدية الكثيرة التي يُسبّبها الزواج والطلاق في سن صغيرة للفتاة.. وإذا نظرنا إلى المجتمع نجد أغلب تلك الفتيات أصبحت لديهن عقدة من الزواج.. ينظرن إلى الموضوع بكثير من الخوف والقلق والرعب الحقيقي.. فلم يعدن يفكرن به مرة أخرى.. هن يعتبرن زواجهن باطل.. بل وأكثر من ذلك.. ورقة يوقّع عليها الأب.. تُحلّل جريمة اغتصاب بحق طفلته.. والمجتمع يقف ساكتاً أمام كثير من جرائم الاغتصاب.. بحجة أن القانون أحلّ له ذلك.. القانون الذي قال بأن الفتاة تحت سن الثمانية عشر هي طفلة وقاصر ولم تبلغ سن الرشد بعد.. فكيف للقانون نفسه أن يسمح للأب بتزويج طفلة من رجل مكتمل النضوج؟..

مهما قال الأهل وحاولوا تبرير فعلتهم تلك.. ومهما وضع الرجل من حجج ليتزوج بفتاة قاصر... لا يمكن تسمية ذاك الزواج غير أنه جريمة بحق الطفولة.. وحرم الفتاة من أبسط حقوقها.. وهو الزواج بعد أن تنضج عقلياً وجسدياً وفكرياً.. لتكون قوية بما فيه الكفاية وتستطيع تحمّل مسؤوليات وأعباء منوطة بها..

وفي النهاية فالزواج ما هو إلا عقد ورباط مقدس بين رجل وامرأة.. أي أن ما يطلب شرعاً من الرجل بأن يكون مؤهلاً وقادراً على تحمل المسؤوليات.. هو مطلوب أيضاً من المرأة.. والمرأة هي طرف بالعقد وليست موضوع العقد.. هي طرف له حقوق وعليه واجبات كالرجل تماماً.. فكيف يمكن إيصال تلك الحقوق وتعليم الواجبات لطفلة لم تكمل الثانية عشر من عمرها؟... يتساءل الكثيرون....



   نشر في 05 يناير 2022  وآخر تعديل بتاريخ 09 يناير 2022 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم













عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا