بُشرةُ الفجرِ - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

بُشرةُ الفجرِ

فصلٌ من رواية ما قبل النوم، صنع لدى إنسان بدا كومًا من الرُّكام والبلور المُحطّم، مناعةً غير عادية، أعادتْ لديه اليقينَ، رتّبت بداخله الأفكارَ، ربما صنعت المعجزات

  نشر في 16 ديسمبر 2018  وآخر تعديل بتاريخ 19 فبراير 2019 .

رافق صوت الدِيَكَة وهي تصدع بالآذان في الثالثة فجرًا، كلمة «يا رب»؛ صوتٌ خافتٌ يكتم الألم؛ خشية أن ينقله الهدوء الذي جثم على المكان، يرددُ كلماتٍ غير مفهومة وغير مسموعة في آنٍ، كانت مناجاة من يطلبُ فرصة أخرى في الحياة، حين يرفض الاستسلام ويُقاومُ ثلاثيةَ الألم، والوحدة، والهدوء القاتل.

في الواحدة بعد منتصف الليل، يبدأ محاولات استبدال الذكريات بإحساس اللايقين في كل شيء، الحياة، الواقع، والمستقبل.. ما إنْ يشرد ذهنُه مع تفاصيلَ دقيقة لوقائع أكلها الزمن، حتى يقفز الـ«آه» مع المناجاة، يتبدل طرفا المعركة الوقتَ حتى تقترب الساعةُ من الرابعة صباحًا، شجارُ الساعات الثلاث تضيف إلى عزيمته ما لا يقوى على تحمله، لكنّ نهاية المغامرة التي تتزامن مع انطلاق آذان الفجر: «الله أكبر»، كانت تحملُ كمًّا هائلاً من البُشرى.

فصلٌ من رواية ما قبل النوم، صنع لدى إنسان بدا كومًا من الرُّكام والبلور المُحطّم، مناعةً غير عادية، أعادتْ لديه اليقينَ، رتّبت بداخله الأفكارَ، ربما صنعت المعجزات، إن كان بالإمكان القول إن الإعجاز الروحاني أشد تأثيرًا من ذلك المادي.

«كانت الحياة أكثر اتساقًا مع طموحاتِك وإنْ بدتْ متضاربةً، لكنّها - على أية حال- أفضل من ذاك الحال».. بدأ يُحدّث نفسه عن ما مضى وما هو آتٍ ومآلات ما يبدو غامضًا بكل تفاصيله.

أسابيع من حديث النفس، ومناجاة الخالق، وكمٍّ هائلٍ من الأحداث المتدفقة التي كان إزاءها صامتًا، مراقبًا لما ستصير إليه الأمور، وإنّ بدا في أغلبها صلدًا، يزيد اليقين ويهبط مع درجات المقاومة والاستسلام، بيد أنّ واحدًا من الأمور الحتمية أمام نفسه أنّ السند هو الله.

قطع شوطًا كبيرًا من التعافي على عدة مستويات - الحمدلله - قبل أن يصير التعافي البدني أمرًا مهمًا، فإنّ التعافي من الرُّكام يصبح أكثر أهمية، التعافي من الرواسب، الأشخاص، الظروف، وكافة تفاصيل الحياة.

نصيرُ في مرات عديدة مرضى بالوهم أو السراب والتعلُّق، قبل أن يختبر القدرُ قدرةَ الأشياء المحيطة على إثبات جدرتها، نُعيد ترتيب كل شيء وفق ما هو مُستحدث، تختبرُ الظروفُ الأشخاصَ، الأغلب يسقط في الاختبار، لكنّ المثير للشفقة أنّ صورة هؤلاء المُخذِلين تصبح ملوثة في داخلنا، يعترينا الغضب ليس منهم بقدر ما هو عليهم، ذلك أنّ خسارة من استحوذ على العلامة الكاملة في الثقة يهدر قناعاتنا في الحياة وأدبياتها.

الكتابة وهي نوعٌ من الحديث بصوت عالٍ، تبدو واحدة من الفضاءات المستأنسة، حين تبدو بحاجة إلى التقاط نفسٍ عميق، واحتساء فنجان قهوة، وطرح الأفكار بشكل غير مُرتب لرسم ملامح الحياة.

الآن عليك الاتكاء على أريكتك، ثمّ تعالى نخرج من الواقع، نزيح بأيدينا الستار إلى عمق الحياة، التي تبدو قاسية بحجم اختبارات الخالق، مُبشرةً بحجم المنح الإلهية التي تخرجنا من المحن أكثر قوة.

بدا معجمي اللغوي خلال الفترة الماضية تشاؤميًا، مُثبِّطًا أكثر منه مبشرًا، يمكن أن يكون للواقع دورٌ في ذلك، لكنّ عندما تقترب السفينة من الرسو تبدو الحياة كقطعة شطرنج نُحرِّكُها كيفما نشاءُ، حين نقوى على التحكم في الاختيارات والمآلات.

مراتٌ عديدة تغيّر الواقع بين وقفةَ الثبات، التي تجعل الإنسان أكثر بصيرة من أي وقت مضي، وبين تشتت الفكر والإرادة، حتى تنغمس أقدامنا فيما نعتقده طينًا ونكتشف أنّه أحد مسببات الثبات الدائم، حينها تسترد الروح والعقل قوة اتخاذ القرار تجاه الخيوط المتقاطعة التي باتت ثمة مراحل سابقة.

هذا الثبات العقلي، والبدني، والروحي، لا يُمكن وضعه في منأى عن صوت الفجر الذي كان يُعطّر الآذانَ فيما مضى، حين كانت «الله أكبر» تقوي مناعة الإرادة، هكذا هي بُشرةُ الفجرِ.

محمود غريب


  • 7

   نشر في 16 ديسمبر 2018  وآخر تعديل بتاريخ 19 فبراير 2019 .

التعليقات

هنـادي منذ 5 شهر
ما شاء الله ،مقال رائع ويُحكي الواقع .
0
علي حمد منذ 5 شهر
مقال جميل
1
محمود غريب
تسلم.. شكرا على مرورك
سهام سايح منذ 5 شهر
مقال جميل جدا دام قلمك
1
محمود غريب
تسلمي على مرورك الرائع

لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم













عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا