الكشف عن المستور - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

الكشف عن المستور

  نشر في 05 أبريل 2017 .

جالسة أمام منظر بديع للبحر قبالتي، لكن يفسد استمتاعي بالمنظر وقاحة غبي حقير يجلس أسفل منا ويقوم ب"أفعال بذيئة" على مرأى الجميع بل ويبدو أنه يستمتع بوجود جمهور يشاهده، يذكرني هذا بالنص الذي لطالما قلت أنني سأكتبه لكن لم تتح لي الفرصة قط في أن أكتبه، ومنذ ما يقارب الشهر والنصف وأنا أقول لنفسي أنني سأكتب على لسانها وأكون صوتها لأحكي ما قالته لي،لكن كانت تلزمني الشجاعة الكافية لأحرر كل تلك الكلمات ، حكت تقول : كنت طفلة أبلغ من العمر ست أو سبع سنوات حين حدث ذلك،خرجت رفقة ابنة عمي لنلعب خارجا ولم يمر وقت طويل حتى وقف على رأسنا رجل كانت نظراته لي غريبة لدرجة أنها أخافتني و لم أعرف ماذا عساي أفعل ، أعطى نقودا لابنة عمي وطلب منها أن تذهب لتشتري له حليبا، وأمسكني من يدي وأخذني معه إلى زقاق لا يتردد عليه الناس إلا نادرا ، ألصقني مع الحائط وأخذ يقبلني بقوة ويتلمس جسدي الصغير و يضغط بشدة على أعضائي آلمني جدا وأخافني حد الموت ، جُرحت شفتي السفلى ونزفت بالدم ، اتسخت ملابسي به، كان وقتها قد ابتعد لينزل سرواله ،رأيت كل شيئا وهالني ما رأيت أخذت أبكي وأصرخ وكان قد عاد وألصقني بالحائط ، حاول إنزال سروالي ولكن لحظي كانت أمي قد ألبستني سروالا داخليا آخر وفي اللحظة التي وضع يده علي لينزله صرخَت امرأة رأته من بعيد،صراخها لم يردعه فاضطرت للجري ودفعته وأخذت تصرخ،سمعها أخي فأتى يهرول أمسكني وكنت أرتعد خوفا وأبكي ، أبرحني ضربا ، وكنت متفاجئة ومصدومة وأسأل نفسي ماذا عساي بحق السماء فعلت؟! ما الخطأ الذي ارتكبته؟!! بعد أن انتهى مني أرسل معي جارتنا إلى بيتنا ، وأمسك ذلك المريض النفسي ليبرحه ضربا هو الآخر ، ولم تنته المعاناة هنا فما كان ينتظرني في البيت كان يفوق كل هذا بدرجات، فعندما وصلت إلى أمي التي يفترض بها أن تحميني و تشعر بألمي، حملتني إلى دورة المياة وأخذت تغسل دمائي وتكب الماء والصابون على ملابسي، تغسلني وهي تضربني مع أرضية البلاط وسطح الحمام وامتزجت دموعي بدمائي وهي الأخرى كانت تبكي .. لكنها لم تكف عن تعنيفي وإشعاري بأن الذنب كله يقع على عاتقي.

عادت يومها ابنة عمي إلى بيتها بالحليب،بينما عدت أنا إليه بحليب من نوع آخر يلطخ ملابسي،صحيح أنه بالنسبة لأمي وأخي لم يحدث أمر فظيع ما دمت لم أخسر الشيء الكثير، وصحيح أنني فعلا لم أخسر يومها عذريتي،لكنني فقدت ما هو أهم،فقدت الإحساس بالأمان ، فقدت القدرة على تقدير الذات ، فقدت الكثير والكثير مما لا يمكن أن أسترده يوما، رغم أنني كبرت ونجحت في دراستي بل وصرت أستاذة وأم لطفلة بطريقة ربانية (إذ لم يسبق لي أن تزوجت ولا أذكر أصلا أنني فكرت يوما في الزواج، ولو حتى بيني وبين نفسي).وحتى تلك الحادثة كنت قد نسيتها أو ظننت نفسي قد فعلت إلا أنه وأثناء نبش الطبيبة في ذكرياتي عادت إلي بنفس الأحاسيس وكأنني صرت تلك الطفلة مجددا..

استمعت إلى كلامها هذا وصور جميع صديقاتي والفتيات اللواتي عرفتهن في الداخلية تمر في ذاكرتي، إني أكاد أجزم أنه لا توجد تلك الفتاة التي لم يسبق لها أن تعرضت لتحرش جنسي أو اغتصاب في طفولتها وفي أحسن تقدير مرة واحدة هذا إن كانت محظوظة.

كانت معي فتاتان في الداخلية وكانتا معروفتين بكونهما "فاسدتين" وكنت بطبعي أكره هذه الأحكام وأقول في نفسي أن كل شيء يحدث بسبب ولسبب، وفي مرة كانتا تظنان أن الجميع نائمات أخذتا تسردان لبعضهما بعضا من مآسي طفولتهما اعترفت الأولى بأن عمها اغتصبها من الدبر في صغرها! ووصفت الأخرى ما كان يفعل خالها بها في الصغر،كان يأمرها بأمور شاذة لا تستطيع حتى الزوجة أن تقوم بها إرضاء لزوجها، ولا أقدر حتى أن أعبر عن ذلك وأصفه بالكلمات لأنني لا أظن أن اللغة العربية قد تتحمل قذارة كتلك.

هالني ما سمعت، وتمنيت لو أنني كنت أنا أيضا في سابع نومة كي لا أعرف كل ذلك، بكيت بحرقة من أجلهما ، بكيتهما وبكيت كل طفلة تشبههما عايشت كل ذلك واختارت الصمت لأنها تدرك جيدا أن المجتمع سيعاقبها هي ويصفح عن الجاني، وتذكرت وقتها صديقتي المقربة التي أثرت في أكثر من الجميع ، والتي أحاول دوما في نصوصي أن أكون صوتها ، هي أيضا كانت في الخامسة من عمرها حين تحرش بها قريبها، قريبها الذي كان محصنا وقتها بالمناسبة،كانت له زوجة وأبناء وبنات ومع ذلك نظر إلى تلك الطفلة نظرة تختلف عن نظرته لابنته،لا أدري حقا من أين للرجال بهذه القدرة الخارقة على التصرف بكل هذه القذارة ودائما أتساءل ألهذه الدرجة تحكمهم الغريزة والشهوة، هل يقودهم ويسودهم الجانب الحيواني منهم ويطغى على صوت العقل، وأحيانا أتمادى وأسأل ، هل عقلهم في رأسهم مثلنا أم أنه يقع في مكان ما بين فخديهم ؟!

صديقتي هاته لم تسكت بل أخبرت أمها بكل ما جرى، ولِحظها كانت تملك أما واعية، تدرك جيدا أن طفلتها تحتاج دعمها،وتحتاج منها أن تدافع عنها، وذلك ما فعلته، لم تسكت له لكنهم أسكتوها وأخرسوا صوتها،أخبروها أنها ستفضح رجلا كبيرا وتهدد مهنته وتكسر نظرة أبنائه له..

أها؟ أحقا هذا ما سيحدث؟ لم لم يفكر هو في كل هذا قبل أن يقدم على فعلته ؟؟ وماذا عن الطفلة البريئة التي كسرت ؟ من سيصلحها ومن عساه يجمع شتاتها ويلصق أجزائها المحطمة؟ من هذا الذي سيتطوع ويصلح نظرتها لنفسها ؟!

من بحق السماء من؟

تقول صديقتي،إن أولئك الذين منعوا أمي عن الدفاع عني هم في حقيقة الأمر أقاربي،وصحيح أنني بعد أن كبرت صرت أتعامل معهم بشكل عادي،لكنني لن أسامحهم يوما على ما فعلوه به،ففي الوقت الذي كان يفترض بهم الوقوف بجانبي ودعمي عزلوني عنهم واعتبروني أنا الجانية،بل إن زياراتهم لبيت ذلك المجرم لم تتوقف ولو حتى من باب رد الاعتبار لقريبتهم، ولا أشعر بأدنى أسف أو شعور بالذنب حين أقول أنني سررت لكون بناتهم قد حدث معهن تماما ما حدث لي . وربما لو أن عائلتي الكريمة تحدثت ودافعت عني وقتها، أقول ربما لما كان سيتكرر ما حدث معي لبناتهن، فلو أن بناتهن قد رأين أن هناك من سيحميهن ويرد لهن الاعتبار لما صمتن وتركن تلك الحوادث المريرة لليالي البيضاء يحكينها بدموع متحجرة في أعينهن وصوت مرتجف ، و في الصباح يتصرفن كأن شيئا لم يكن وكأن الصمت عن الموضوع سيصلح شيئا!

صراحة يفاجئني هذا الجانب من صديقتي خصوصا أنها تبدو مقبلة على الحياة وتتعامل بشكل طبيعي، لكن الأمر لا يظهر إلا حين نتجاذب أطراف الحديث عن الزواج والأطفال ومعشر الرجال، وقتها ألمس هذه الرغبة الدفينة بداخلها أن تصير أما لكن دون حاجة للرجل، لأنها تكره التواصل معهم و مجرد التفكير فيهم يثير اشمئزازا في نفسها،أنا بحكم كوني صديقتها فإنني أتفهم حالتها وعزوفها عن الزواج لكن الأغبياء المحيطين بها ينظرون إليها على أنها ساذجة لكونها حسب -رأيهم- تفلت كل تلك الفرص الرائعة للارتباط والاستقرار أخيرا، ودائما ما يسمعونها كلاما قاسيا و لكنها والحمد لله لا تلقي بالا لكلامهم وفي غالب الأحيان تسمع الكلمات السامة التي ينفثونها في وجهها من أذن وتخرجها من الأذن الأخرى..

مازلت أذكر أمنيتها حين كانت تقول أنها ستكبر وتكون هي التي تخترع ذلك الجهاز الذي يكشف عن عذرية الرجل فقط كي تتأكد من أنها لن تتزوج من شخص أخرج شهوته في طفلة لا حول لها ولا قوة، وفي أحسن الحالات دفع عشرة دراهم لغانية كي تثبت له أنه رجل أمام أصدقائه. تبا لهم

ما يثير حنقي أن كل أولئك المجرمين يكونون إما متزوجين وقتها أو يتزوجون بعدها ويعيشون حياتهم بشكل طبيعي وكأنهم لم يرتكبوا أدنى خطيئة ناسين أو متناسين فعلتهم المشينة!

إن في جعبتي قصص كثيرة من هذا النوع ولو جئت لأسردها كلها لاضطررت وقتها إلى كتابة رواية من مئات الصفحات، فقط لكي يصل صوتهن وليعي الأهل ما الذي يحدث خلف الكواليس فكل هذا كان من الممكن تفادييه لو أن الآباء كانوا على وعي كاف بضرورة أن لا يتركوا أبنائهم في أي مكان دون أن يطمئنوا عليهم من فترة لأخرى ، وأن لا يتغاضوا على أهمية الثقافة الجنسية لأبنائهم ولا يستحوا من أمر ذا أهمية كهذا، أنا عني رغم أنه ليس لي أطفال إلا أنني أخذت على عاتقي هذه المهمة فخلال زيارتي لمدينة الدار البيضاء السنة الماضية أحضرت معي لأخي كتابا مفيدا يعلمه حدوده و يشكل له حاجزا أمام تفكيره في موضوع الجنس فالأمر لا يتعلق بإحدى عشرة دقيقة أو حتى أقل بل بالآثار التي ستتسبب فيها تلك الدقائق والتي قد تكون دائمة.

والحمد لله أن الله قد أكرمني بأب رغم أنه يبدو تقليديا إلا وأنه وفي مثل هذه المواقف بالذات يكون منفتحا ومتفهما لأقصى حد ، إذ أنه لحظي قرأ هو الكتاب قبل أخي ولما علم أنني أنا من أحضرته أثنى علي وقال أنني حسنا فعلت خصوصا في هذه الفترة العمرية الحرجة التي يمر بها أخي، وأحمد الله أكثر على كونه قد مَنً علي بأخ لا يشعر بالحرج في أن يصارحني بكل ما يمر به والكثير مما يفكر به لأقدم المساعدة والإرشاد إن استطعت وإلا فيكفيني أن أستمع له.

أخيرا بعد كل هذا البوح ، أود أن أقول أنه صحيح أن الصمت حكمة لكن ليس دائما فأحيانا كثيرة يكون نقمة، لذا كفاكن صمتا يا فتيات ولتصرخن بكل ما أوتيتن بقوة في وجه كل من يفكر في إذايتكن بأي شكل كان.

يكفي صمتا، لا أريد للجيل الصاعد من الفتيات أن يكن مثل كثيراااات من جيلي، ممن يبحثن عن مساعدة واستشارة وجلسات استماع نفسية فقط لأنهن لم يتحدثن في الوقت الذي كان يفترض بهن أن يفعلن.

#م_أ


  • 11

  • مريم البداوي
    "هي امرأة عربية" رواية حملت بين طياتها شخصية امرأة تحمل اسمي ونفس طباعي "مريم" الشغوفة بالقراءة والبحث والدفاع عن أسس ديننا الحنيف ، فاقتبست منها لقب "مايا" الذي هو نفسه "مريم" لكن في الثقافة الروسية يحولونه إلى ماريا / ماي ...
   نشر في 05 أبريل 2017 .

التعليقات

عمرو يسري منذ 1 شهر
رائع .
اسوأ ما في الامر عندما اجد امرأه تبرر للمتحرش فعلته و تلقي باللوم علي عاتق الفتاه.
يجب ان يتم توعية الاطفال من الصغر بخصوصية اجسادهم .
بالتوفيق .
0
Maryam JA منذ 1 شهر
شكرا لبوحك مريم. أتمنى لنفسي ولكل امرأة أن تمنح لشعور الخوف القابع في عمقها صوتها وقلما عله يتحرر!
2

لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم













عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا