لنحفظ كنزنا - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

لنحفظ كنزنا

  نشر في 16 يونيو 2018  وآخر تعديل بتاريخ 18 يونيو 2018 .

كلفت بها أشدّ الكلف وما تركت ذكرها طرفة عين. إنّها تعيش في جوانحي. ما رمت بديلاً عنها، كم خالطت غيرها، وسامرت من حسبت أنّها أجمل منها وأعذب، لكن اتّضح لي أنّي شططت عن الصواب وأخطأت التّقدير. وعاشرت من ظننت أنّها أقرب لي نجيّاً منها، لكن هيهات أن تمتزج بروحي أُخرى غيرها، أو أن تحلو لي.. أو أن تكون مناجاتي لنفسي ولأوراقي بغير ألفاظها وكلماتها وحروفها..

إنّها أمّي الّتي لا يلذّ لي حديثٌ إلّا بها، وحبيبتي الّتي لا أملّ التزوّد منها، أو النظر إلى صورها. كلّ من يحدّثني بها هو أخي. وكلّ من يسقني من عذوبتها ويرسم لي صوراً بديعة من جمالها، أو يُطلعني على جوهرة من جواهرها، إنّما هو معلّمي الرؤوف الّذي تنزل كلماته على قلبي حتّى تستقرّ في سويدائه، نزول الماء المعين البارد في جوف الظمآن الّذي لوّحته الشمس في يوم صيفيّ لاهب. وكم من أخ لي لم تلده أمّي.. وكم من معلّم لي لم أره. وكلّ من حدّثني بغيرها، ومهما كان حديثه مفهوماً وطيّب الكلمات، استوحشت منه.

هي طبيبة روحي. وبها سموّ نفسي. إنّها الوعاء الّذي يستوعب ديني، هي نصف الدّين، أو أكثر..

لَرنين ألفاظها أحبّ إليّ من أعذب موسيقى خلقها فنّان. وإذا تأثرت بشيء منها إلى حدّ أن يغشى عليّ فما ذلك بعجيب!

وليس اللّسان بقادر على أن يفصح تماماً عن ما في القلب، فالقلب أقوى على حمل كمّ من الحبّ يعجز عن حمل عُشر معشاره اللّسان.

لا يلتبسنّ الأمر عليكم، أنتم تعرفونها، وبها ترسمون وتبثّون أفكاركم العطرة. أجل أنا أتحدّث عن أمّنا ولغتنا العربية، هذا الكنز الّذي يكاد يندثر، وهذه الشمس الّتي تكاد تخبو.

يا أيّها العرب إنّ هذه اللّغة خير لغة أُخرجت للناس، وأفصح وأبلغ وأعذب، فكيف نغفل عنها ونهجرها إلى اللّهجات العاميّة الركيكة الّتي لا يشرّفنا أن تكون لنا هويّة؟ إنّ هذه اللّغة هي عزّنا، وكنزنا، وهي المادّة الّتي ذخرها الله لنا من الماضي البعيد، مازجاً وحافظاً لنا بها ديننا وتراثنا الأدبيّ العظيم وفكر أجدادنا العريق. وأمّا من طلب سلوة أو ترويحاً واستعان بها أُجزم أنّه لن يفوته ما طلب.

أتقنوها، وحضّوا الناس على تعلّمها تعلّما صحيحاً، من حيث الإلمام بقواعدها ونحوها، وتعويد اللّسان على أن يُبلغ ويفصح بها، وإلّا ضعنا بضياعها وأضحينا أفراداً لا هويّة لنا.

وكأنّها هي الّتي أوحت إلى حافظ ابراهيم شكواها، فبثّ لنا عن لسانها ما أوحته له في قصيدة اقتبستُ منها هذه الأبيات:

فيا ويحكم أبلى وتبلى محاسني      ومنكم وإن عز الدواء أساتي

فلا تكلوني للزمان فإنني                  أخاف عليكم أن تحين وفاتي

أرى لرجال الغرب عزا ومنعة                     وكم عز أقوام بعز لغات..


  • 5

   نشر في 16 يونيو 2018  وآخر تعديل بتاريخ 18 يونيو 2018 .

التعليقات

فعلا (أرى لرجال الغرب عزا ومنعة وكم عز أقوام بعز لغات.) صدق الشاعر الكبير حافظ ابراهيم ..
لذلك يقاس مدى تأثير و قوة اي ثقافة لدولة ما .. على بلدا اخر.... بمدى انتشار واستخدام لغته. فالبلد الاقوى هو من يفرض لغته وثقافته ... وذلك جلي وواضح للجميع
دام قلمك ا/ على ... العربي ( لك من إسمك نصيب في اللغة )
0
علي العربي
الحمد لله الّذي حفظ لنا هذه اللّغة العظيمة بأن ربط بها دينه وفهم دينه. شكراً لمرورك العطر أستاذ إبراهيم.
جميل كلامك عن لغة الضاد والهوية أخي علي..جملك متسلسلة،مترابطة ومنتقاة بعناية،الوصف بديع غني بالصور الجمالية..سلمت يداك
1
علي العربي
شكراً جزيلاً لك، أختي الكريمة فوزية أسعدتني كلماتك.

لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا