أحنُّ إلى طفلي - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

أحنُّ إلى طفلي

قفزاتٌ زمنية[3]

  نشر في 07 أبريل 2019  وآخر تعديل بتاريخ 15 أبريل 2019 .

أحنُّ إلى بلل السماء يغمر طريق مدرستي في صباحِ يومٍ شَتِي، أشتاقُ للطمةِ الماءِ الباكرِ فورَ إيقاظي للمدرسة، أتذكرُ ملابسي المُهَندمة وشكلي غير المنسّق، أذكرُ معاناة الحرِّ أثناء العودة، وكرهي لصُفرةِ الدنيا ما بين شمس الظهرِ وعصرها.

أحنُّ إلى سجادِ مسجدنا القديم، وتلك الرُقعُ التي تأتينا بأنفاسٍ ضنينةٍ من الماضي، أشتاق لاتّكائي الخجول على أحد أعمدته، وصلاتي وقرآني بين أركانِه، أحنُّ إلي صغيري فيه، وأرجو روحي الصبيّةَ التي كانت تشُبّ فيه.

تتوقُ نفسي بشكلٍ من الأشكال إلي ما يزيحُ عنها رجلها ولو لقليلٍ تعودُ فيه لروحها البيضاء، تشتاقُ لقُبلاتِها مِن العمر، تحنُّ لألفِ بائياتِ السعادة المرهونةِ باللاسببية، تحتاجُ لريحِ تلك الفُسحاتِ البريئة التي انطوت وراء جديّتها، تتلهفُ دفء يدٍ مُحيطة أو براحَ حُضنٍ يقظ أو وُدَّ مسحةٍ نديّة، تحنُّ إلى طفلٍ هاجر بيته واندثر.

كومةٌ من الذكرياتِ أشبه بضبابٍ مُبعثر لكنّه مُبهجٌ نشيط يعلقُ في خاطري، لا أعرفُ أهو أقربُ إلي عبثيةٍ مُنتقاةٍ من جمالِ الماضي أم لكونِ الماضي كلّه جميل!! ولكن يكفي أنه جميل.

بعضُ المشاهد تأتي لتحتضنك فور أن تفتح لها باب ذاكرتك،أغلبُ الصورِ والرسومِ تكادُ تنطمس بالتشابُكِ والأيّام بينما هذه جليّةٌ تتنضّرُ بالوفاء؛ لأنها جليسةٌ في حضرةِ الحبِ الإلٰهي، فلا أنسى أبدًا صراعاتي المُنعقدة بالبراءةِ مع كلابِ الطريق إلي مسجدِ الفَجْر، لا أعرفُ ما يُجبرني على تحمّل كلّ هذا العناء من خوفٍ وظلمةٍ ورعبٍ لأتجاوز عن كلّ هذا بركعتي فجرٍ أُكافيء بها روحي.

بعد فضل الله وعنايته منذُ السادسة أو السابعةِ من عمري كنت كقنديلٍ من قناديلِ المسجد، فلا يتَغيّبُ قلبي عن الصلاةِ حتى صلاة الفجر، أذكر وجه أمي الضاحِك وهي تراني أقومُ من نومي وأنكبُّ على حوضي لأتوضأ لصلاةِ الفجر وهي تخبرني بأنّ الساعة الثامنة للذهابِ إلي المدرسة وأني قد صليّتُ الفجر بالفعلِ منذ ثلاث ساعاتٍ ولا حاجة لي بالوضوء.

ما أخبرني أحدٌ قط في صِغري بأن لله مسافاتٌ تُقطع بالقلوب، ولكنّي بطريقةٍ ما من عنايةِ الله وفضله كُنت أسيرُ إلى الله على خطا قلبي، وكنت أسيرَ رغبتي في المعرفةِ عن اللهِ بالله وما زلت، أقرأ القرآن وأُعلّم نفسي أحكامه، وأحملها على فهم بعض معانيه، وأصوم رمضان كاملا على غير وجوبه علي وأصوم نفحاتِ الله في أيامه، أحببت كلّ تكاليفِ الله لأنني أحببتُ الله وأحببتُ حبّي لله.

ربما أذكر دومًا عبادتي لله في صِغري على وجه الخصوص؛ لأنّها خلت من بهيميّةِ رجلي، أتَفهمُ جدًا خصوصيّةَ أحكامِ وموازنة كلّ مرحلة، بيْد أنّي أحسُدَ فيها براءةَ القربِ إلى الله، وأحنُّ إلى ثيابٍ غير مُرقّعة كنتُ آتي بها إليه حتى ولو جَهِلتُ مرادي منه، الآن ستدرك معي معنى الراحةِ كما لو كنت لم تعرفْه من قبل لما يعنيه قولُ الله -تعالى- عن أهلِ الجنّةِ : {وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ....} [الأعراف : 43] ،وتوّدُ أن تعودَ معي ولو لساعةٍ واحدة تتعاملُ فيها روحُنا ببشاشةِ قلبِ الطفلِ في تجاوزِ كلِّ أمورِه كأنّه يصنعُ في كلِّ حدَثٍ يقربّه إلى الله جنّتَه من الشعورِ على الأرض.

أشتاقُ وأنا على ناصية الشباب إلي حالِ طفلي وقد أرهقني كَبَدُ الترنّح في الإستقاماتِ أُحاول ألّا أفلت حبل المجاهدةِ بين تجنّب إنتكاساتِ غرائزي واتّقاءِ العُجبُ بطاعتي، وأنا أنظرُ لحاله من الدنيا كحالٍ ملائكيّة يزيدُها الطُهرُ عمّا فيها وينقصها الوعي عما يجبُ له فيها.

تُصارعني فكرة أن الرجل ينأى براحته من الدنيا وكَبَدِها إذا استعاد قلب طفله في معاملته لها، وهو هو يحملُ عقله فوق قلبه؛ فلا يغلبه طمعٌ ولا يُسقِطه ضعف، يؤثر الطيبةَ دون أن تثنيه سذاجة، يحب البساطةَ ولا يطويه إهمال، يُعامِل القلوبَ ولا يستهزأ خداعها، يعيش بتصرّفِ وأفكار رجل ويحيا على قلبِ طفل.

وعلى طيّ المُفارقة أختِمُ أماني قلبي بإعلانِ فاقتي وحاجتي الشديدة إلى مسحةٍ من سذاجة هذا القلبِ الصبيّ، فأستعيد بها شيئًا مِن وقارِ روحي.


  • 3

  • عبدالرحمـٰن علوش
    طالب بالفرقة الثالثة بهندسة البترول، أحب الهندسة إلي جانب الكتابة والقراءة، أجيد الكتابة إلي حدٍ ما
   نشر في 07 أبريل 2019  وآخر تعديل بتاريخ 15 أبريل 2019 .

التعليقات

Menna Mohamed منذ 5 شهر
معك حق احسنت و اجزلت العبارات.. جميعنا يآوي بداخل ارواحنا طفلا صغيرآ سكينآ الفؤاد.. يآوي طهرآ و نقاءآ يسكن الارواح شفاءآ.. لا يتوارى عنه ذكري آوية بداخله لعنفوان الصبا و الطفولة... حينما كانت ارواحنا سلسبيلآ من البراءة و الطهارة.. حينما اسير بين الطرقات و انا اري الصبايا الصغار و قد اسدلت خصلات ضفائرهم و ضحكاتهم البريئة تكسو وجوهن..تهوي الروح ان تعود مثلهم حيث لا احزان و لا الالام.. و لا تحمل قلوبهم سوي الطهارة و النقاء.. شكرا علي مقالك المميز تحياتي و بالتوفيق
1
عبدالرحمـٰن علوش
أنا مُمتن جدًا لكلامِك الرائع هذا، وشكرًا على اهتمامِك وطلّتكِ الطيّبة
Menna Mohamed
و انا ايضآ ممتنة لردك الرائع العفو و انا اشكرك علي مقالتك الجميلة التي اعجبتني جدا تحياتي
وعلى طيّ المُفارقة أختِمُ أماني قلبي بإعلانِ فاقتي وحاجتي الشديدة إلى مسحةٍ من سذاجة هذا القلبِ الصبيّ، فأستعيد بها شيئًا مِن وقارِ روحي.
الروح دائما راقية لأنها تبحث لها عن العلو و السمو و الأفضل...أحسنت سيد عبد الرحمان .
1
عبدالرحمـٰن علوش
شكرًا على مرورك الطيّب دكتورة
د.سميرة بيطام
الشكر لكم سيدي.

لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم













عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا