الفتى الذي صفع هتلر - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

الفتى الذي صفع هتلر

كيف يصل الأبطال لأهدافهم؟!

  نشر في 03 شتنبر 2017 .

يصاب البعض بغصةٍ كلما أدركوا حقيقة أن الطريق ليس مفروشًا بالورود، وتراهم يجترون لحظات الألم بما يكبِّل تفكيرهم عن التقدم للأمام دون طائِلٍ يُذكر. التركيز هنا ينصب على الخارج مما يُلقي باللوم على الظروف والآخرين، وهي حالة في طوق كل الناس أن ينتهجوها مخرجًا من كلِّ مأزق يصطدمون به؛ فتسمع من الأعذار والمبررات ما لا يُحصى، ويمكنك بسهولة أن تشتم من رائحة الكلام ولحنه خيوط "نظرية المؤامرة" مهما كان الأمر بسيطًا. حياكة المبررات أسهلُ كثيرًا من صناعة المجد الشخصي والمؤسسي على كل حال، وأنت تصنع الفرق إن شئت؛ مهما تكالبت عليك الأحداث والأشخاص لإطفاء نجمِك، فلن يتمكنوا من ذلك ما لم تسمح لهم.

إبان التمييز العنصري في الولايات المتحدة الأميركية الذي لم ينتهي بعد الحرب الأهلية، وفي ألاباما عام 1913 ولد (جي. سي) لأبوين أميركيين من أصول إفريقية، كان ترتيبه العاشر بين إخوته الذين ينظر إليهم أقرانهم البيض على أنهم والحيوانات سواء!! وقد التحق الصغير بمدرسة بولتون الابتدائية، وخلال يومه الدراسي الأول نادته معلمته: جيسي! كان الصبي خجولًا من تصحيح اسمه لمعلمته؛ فلازمه الاسم الجديد للأبد. الهواية رزق ومتنفس يلوذ المرء به، كما أنها تعصم الشباب من الوقوع في مستنقعاتٍ مدمرة كالمخدرات والجنس والتطرُّف وغيرها، كان جيسي يحب الجري وجد فيه وقتًا مستقطعًا يفصله عن التفكير في معاناة السود، وضيق الحال، والمستقبل الغامض.

كانت الصور تتوالى تباعًا على مخيلة جيسي فيحاول زيادة سرعة ركضه؛ لتمر الصور مشوشةً فلا تُرهِّق ذهنه المكدود. وفي سن الجامعة التحق جيسي بجامعة أوهايو، ووقف لون بشرته حائلًا دون قبوله في المدينة الجامعية، كما حرمته بشرته من الحصول على أي منحة دراسية. كان على جيسي أن يناغم بين الدراسة والعمل بعزيمة لا تلين، عليه أن يعمل ليساعد والده في نفقات بيته وليدبر نفقات دراسته ومسكنه، لم يكن ذلك سهلًا على الإطلاق. عمل في محل للبقالة ثم في محل إصلاح الأحذية ثم في شحن البضائع. مع كل ذلك لم يتوان عن ممارسة رياضته المفضلة، كان يتحين الفرصة للجري في أي وقتٍ ممكن، كانت أمتع لحظات عمره حين يطوي الأرض بقدميه القصيرتين.

في أروقة جامعة أوهايو رأى فيه مدرب الجامعة تشارليز رالي موهبةً تحتاج للتطوير؛ فسارع بضمه لفريق الجامعة طمعًا في الاستفادة من مهارته الواعدة. الجامعة بطبيعة الحال ليست الجنة؛ ففيها أشخاص من كافة الثقافات والمستويات، وعليه فكان من البديهي أن تُكالَ الهتافات العنصرية وعبارات التهكُّم والاستهجان للموهبة الصاعدة. قرأ رالي كل ما يدور في مخيلة جيسي، ورأى أن جيسي لن ينجح مطلقًا بهذه المخيلة؛ فشرع في تلقينه الدرس الأهم في حياته.. كان الدرس هو "العُزلة الحكيمة".. يحتاج جيسي إلى أن يعزل نفسه عن كل شيء عدا خط النهاية في المضمار، عليه التركيز على الهدف وأن يخرج كل ما في رأسه ويسحقه تحت قدميه!! الهتافات العنصرية وهتافات المشجعين له لا بُدَّ أن تتساوى عنده ما دام في المضمار؛ وعليه أن يصل لهدفهِ بأسرع مما يفوق لهفة مشجعيه وكراهية الناقمين عليه.

صادف الدرس هوى في نفس جيسي حيث عليه أن يبتسم ويعمل، فالابتسامة والعمل هما سبيله للنجاح وهو فقط من سيخوض السباق وحده، وعليه ألا يصطحب معه المشاعر السلبية التي قد تؤخره عن بلوغ هدفه بأسرع مما يريد. في الخامس والعشرين من مايو 1935 خلال البطولة العاشرة للكبار في ولاية ميتشجان، كان جيسي على موعد مع المجد، لم يغب عن جيسي درس "العُزلة الحكيمة" حتى أنه تناسى إصابة عظمة الذيل التي كانت قبل دقائق تمنعه من الانحناء. في غضون 45 دقيقة من تركيزه على هدفه دون سواه تمكن جيسي من تحطيم ثلاثة أرقام قياسية عالمية وعادلَ الرقم الرابع!

قبيل إشراق شمس 1936 وقف العالم على صفيح ساخن خوفًا من المشاركة أوليمبياد برلين، لاسيَّما مع النزعة النازية التي ضيّقت على اليهود الخناق؛ فاستماتت في منعهم من المشاركة في الأوليمبياد، كانت الولايات المتحدة الأميركية تلِّوح بالانسحاب من المشاركة في هذا الأوليمبياد العنصري!! وبعد أخذٍ وجذب لعبت فيه المصالحُ دورًا كبيرًا، وبتمرير ملف إنشاء السفارة الألمانية في واشنطن لصالح مكتب رئيس اللجنة الأوليمبية الأميركية، أفري برونديج، الذي وصف دعاة مقاطعة أوليمبياد برلين بـ "المحرضين غير الأميركيين". جاء التصويت على المشاركة في صالح برونديج مما ترتب عليه الموافقة على خوض مسابقات برلين. في التاسع من ديسمبر 1935 كتب، والت وايت، سكرتير الجمعية الوطنية للنهوض بالملّونين رسالة إلي جيسي -ولحسن الطالع أنه لم يرسلها- يطالبه فيها بالعدول عن المشاركة في أوليمبياد برلين؛ وذلك للممارسات العنصرية التي يقوم بها النازيون تجاه الملّونين.

شارك جيسي في أوليمبياد برلين الذي انطلق في الأول من أغسطس 1936 بحضور، أدولف هتلر، الذي أراد تأطير سيادة الجنس الآري من خلال هذا الأوليمبياد. صافح هتلر الفائزين بالمراكز الأولى دون سواهم في اليوم الأول من البطولة، فثارت ثائرة مسؤولوا اللجنة الأوليمبية وطالبوا هتلر بمصافحة جميع الفائزين أو عدم مصافحة أيٍّ منهم على الإطلاق؛ فمال هتلر لعدم مصافحة المتسابقين، وكان ينصرف قبيل تكريم الفائزين بلحظات. شارك جيسي في اليوم الثاني في سباق 100 متر وانتزع ذهبية السباق والذهبية الأولى له في الأوليمبياد، ثم حصد ذهبية سباق 200 متر وسط دهشة الجميع من القدرات الاستثنائية لهذا البطل.

جاءت الصفعة التي لم يتوقعها هتلر حين انتزع جيسي الميدالية الذهبية في الوثب الطويل من الألماني، كارل لويز لونج، بطل أوروبا وصاحب الرقم القياسي العالمي، أزاح جيسي النازيين وحلّ محلهم في سجل الرقم القياسي للوثب الطويل. كانت المرة الثالثة التي يصفع جيسي النازيين في عقر دارهم، ولكن شاءت الأقدار أن يكون للأحداث مسارًا آخر!!

رفض النازيون مشاركة اليهود في الأوليمبياد، وحين اعترض برونديج على القرار، لوح النازيون بتسريب معلومات الصفقة المبرّمة بينه وبين حكومة هتلر لإنشاء السفارة الألمانية في واشنطن؛ مما أرغم برونديج على الإذعان لقرار النازيين. لم يدر بخلد برونديج كيف يُقنع اللاعبين اليهوديين، مارتي كليجمان وسام ستولر، باستبعادهما من المسابقة دون الاستناد إلى كونهما يهوديين! وبعد جلبةٍ طويلة أُشرِكَ جيسي في سباق 4*100 متر تتابع وهو لم يخض غماره مطلقًا مما ضاعف الضغوط عليه. حاول الاعتذار لكن دون جدوى، ودخل جيسي السباق وحصد ميداليته الذهبية الرابعة، لقد حقق إنجازًا بكل المقاييس ليصبح جيسي كليفلاند أوينز الفتى الذى صفع هتلر 4 مرات في برلين!!

جاء جيسي مثقلًا بأعباء التمييز العنصري، لكنه عزل كل ما من شأنه تشتيت انتباهه عن هدفه؛ فحقق انجازًا خلّده التاريخ. لم ينجرف للصدام مع المستخفين به والساخرين منه، كما أنه لم ينل من تصميمه على بلوغ هدفه ما وجده من تجاهل إعلامي له لمجرد أنه أسود. كان يعرف هدفه ويسعى له بتطبيق منهجية "العُزلة الحكيمة"؛ فكما أن هتلر قد وضع هدفًا من أوليمبياد برلين وهو إبراز تفوُّق الجنس الآري، وكان لبرونديج هدف واضح يتجلى في استثمار مكانته في الترويج لأعماله الخاصة، فضلًا عن هدف آدي ديسلر الذي رافق جيسي في زيارته الأولى للقرية الأوليمبية الألمانية؛ ليُقنِع جيسي بارتداء حذائه الرياضي الجديد "جيبرودر ديسلر" وليصبح جيسي أول رياضي أمريكي من أصول إفريقية يروِّج لماركة "أديداس" الرياضية، كما كان لهؤلاء أهدافًا ينتوون تحقيقها.. كذلك كان لجيسي هدف وقد حققه وأذهل العالم، دون أن يلوك الأعذار. وأنت ركز على هدفك، واعزل نفسك عن كل المحبطين والمثبطين، ضع هدفك جلدةً بين عينيك؛ فأنت تصنع المستحيل إذا ما آمنت بقدراتك، وثق بأنه:

من رامَ وصل الشمسِ حاكَ خيوطَها سببًا إلى آمالِه وتعلّقا

  • 1

   نشر في 03 شتنبر 2017 .

التعليقات

Asmaa Sabry منذ 3 شهر
كل شئ يحتاج المثابرة مهما كان عدد المحبطين ، ولكن نحن فقط ينقصنا اليقين بأن كل شئ بأمر الله مهما كان عدد الإساءات المحيطة بنا .... وفقكم الله دائما وزادكم لما فيه نفع الأمة .
1
محمد الشبراوي
هذا صحيح، بوركتم، وشكرًا جزيلًا لكلماتكم الطيبة.

لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا