صناعة العجل - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

صناعة العجل

  نشر في 22 غشت 2016  وآخر تعديل بتاريخ 18 نونبر 2016 .

 منذ أن تفتحت عيوننا على الدنيا ، كان القرآن الكريم يقص علينا قصة العجل الذي صنعه بني إسرائيل ليعبدوه ، و تفاصيل القصة نعرفها جميعا ، إلا أننا نعلم جيدا أن القصص القرآني الغرض الأساسي منه العبرة و العظة ، و رغم ذلك يغفل الكثيرون عن المعاني التي أراد المولى –عز و جل- توصيلها إلينا ، فيهزون الرؤوس و يمصمصون الشفائف ثم ينفض السامر و نبقى على حالنا ، حُمِلنا القرآن ثم لم نحمله .


يسترعي الانتباه في قصة عجل بني إسرائيل عدة نقاط قد تمر على المطلع مرور الكرام :


1.      كان المصريون هم من ابتدعوا فكرة العجل من الأساس ، و هذا ثابت تاريخيا حيث كان لديهم أحد الألهة و يسمى أبيس و كان على هيئة عجل ، و ارتأت الفئة الضالة من بني إسرائيل أن تتخذ عجلا إلها كما كان للمصريين ، و ما نستفيده من هنا أن أهل الكتاب المنزل من فوق سبع سماوات هم من اتبعوا الوثنيين في ضلالهم ، فكانوا كمن يسير القهقري في سلم التطور الروحي للجنس البشري من الانحراف بعبادة المخلوق إلى الهداية بعبادة الخالق.


2.      كانت النظرة المادية لبني إسرائيل أو لعتاة الضلال منهم هي الطاغية على توجههم حتى في أمر العبادة و الروحانيات ، فاصطنعوا إلها يمكنهم رؤيته ليكون لهم كالرمز الذي يجتمعون حوله ، و ذلك بدلا من إله لا يروه و لا يسمعوه ، و يتضح ذلك أيضا في مطالبتهم برؤية الله جهرة لتأخذهم الصاعقة و هم ينظرون ، و هنا أراد الله أن يعلمهم و يعلمنا أن الحق لو كان ظاهرا كالشمس للعيان فما معنى الرسالات و إيمان الإنسان بالغيب إذن ؟ و علام يثاب إذا عبد ما هو ظاهر القوة و السلطان ؟ و لو كان كذلك لأثيب عابد النار و عابد الشمس ، و لكن الله الخالق يريد أن يعبده الإنسان دون أن يراه أو يسمعه ليكون للإيمان معنى ، فقال تعالي : "إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ".


3.      عندما عاد نبي الله موسى –عليه السلام- ليجد قومه على ما هم عليه ، أسرعوا يتبادلون الاتهامات ، فالنفس ذات الضمير -و إن توارى- تعرف الحق من الباطل.


اقول كل هذا و المتوقع أني أكتب مقالا دينيا بحتا ، إلا أني سأفاجئكم بأنه مقال سياسي !

فقد زال في وقتنا هذا الفاصل المصطنع بين ما هو سياسي و ما هو ديني ، خاصة بعد انهيار العلمانية و أصنامها ، و القصص القرآني جاء لمنهج الحياة ككل و ليس العبادات أو الأركان أو الفرائض فقط ، و النبي يقول : "من أراد الدنيا فعليه بالقرآن ، و من أراد الآخرة فعليه بالقرآن ، و من أرادهما معا فعليه بالقرآن"


و رجوعا إلى ما سبق إيراده من نقاط ، سألفت النظر فقط لملحوظة هامة قبل إعادة شرح هذه النقاط ، ألا و هي أن أمر سيدنا موسى –عليه السلام- مع بني إسرائيل هو الأكثر ذكرا في القرآن حتى أن النبي قال : "كاد القرآن أن يكون كله لموسى"


إسقاطا على النقاط المذكورة آنفا ، نجد أنه قد تكشف لنا ما يلي :

١. أننا شعب يحترف صناعة العجول و عبادتها ، و الأمر وراثة من قبل أجدادنا اللذين عاشوا على هذه الأرض قديما ، بيد أن الشكل و الهدف يختلفان ، و ليس من الضروري أن تظهر فلسفة صناعة العجل و عبادته على هيئة دين و شعائر ، فقد يكون العجل بشرا ، و العبادة طاعة و انصياعا ، و لا يشترط أيضا أن يكون هذا البشر ذا سلطة أو قوة ، لكنه ربما يكون بشرا ذا موهبة أو قدرة معينة أو حتى وضعه حظه العاثر أو السعيد في موضع أصبح فيه بين عشية و ضحاها محط الأنظار ، و لا يشترط أن تكون العبادة خضوعا بل يمكن حتى أن تكون التفافا و احتفاءا ، أقول ذلك و قد صنعنا من الملوك و الرؤساء ما صنعنا ، و رفعنا من الرموز بالحق و بالباطل ما رفعنا ، فمن من الممكن أن يقول لي من صنع جمال عبد الناصر و غيره ممن ظهر فيهم معنى الخضوع و الانصياع ؟ و على الجانب الآخر من من الممكن أن يقول لي من صنع خالد سعيد و مينا دانيال و علاء عبد الفتاح و غيرهم ممن رأينا فيهم معنى الاحتفاء و الالتفاف دونما ميزة تميز هؤلاء عن الآلاف من ضحايا النظام المخلوع ؟ لماذا نرفع هؤلاء و ننسى الآخرين ؟ لماذا نذكر من انتقل إلى جوار ربه و ننسى آلاف المعتقلين المعذبين ؟ لماذا احتفينا ب د. أحمد زويل و نسينا جراح الجهاز الهضمي العالمي الراحل د. احمد شفيق رحمه الله ؟ عندما يطرح اسم عبد الناصر بالنقد لا يمر الأمر بسلام ، و إذا ما أشار أحدهم إلى أن خالد سعيد كان تاجر بانجو تثور الدنيا و لا تقعد مع افتراض أن صاحب الطرح سيء النية و متهم حتى تثبت إدانته ، و يغفل الكثيرون عن ضحية أخرى لم يجرؤ أمن الدولة على مس سيرته بأنه حتى كان يبيع عيدان السواك ، و هو المرحوم سيد بلال الذي نُسي و تضاءل ذكره بجوار  خالد سعيد برغم نقاء سيرته عن الأخير ، و باتت كلمة شهيد كاللبانة تلوكها الألسن صباحا و مساءا ، و أمست لقبا يخلع على من يستحق و من لا يستحق حتى و لو كان بلطجي أو فوضوي لمجرد تلفعه بعباءة الثورة ، لتبقى الأخيرة هي العجل الأحدث في الخط المصري لإنتاج العجول ، فإن لم تكن مع الثورة فأنت ضدها و مع النظام المخلوع ، و يمتهن عرضك و كرامتك ليلا و نهارا حتى ينشغل ممتهنوك بضحية جديدة غيرك تجرأت متطاولة على صاحبة العظمة ست الكل الثورة ، و بات همنا اتباع سنة اللذين كانوا من قبلنا حتى و لو كانوا على باطل ، فمن مريد لليبرالية بكل مخازيها إلى مريد للعلمانية بكل بلاويها ، ليكون لنا عجلا إلها كما لهم .

٢. غيبية الإيمان لم يكن هدفها إيقاع الإنسان في حيرة التعامل مع اللامحسوس ، و لكن هدفها هو توطين نفسه على شمولية الرؤية و بعد النظر ، و سمو الأهداف و المرامي على الأشخاص و الصور و الرموز ، و لعل هذا ما جعل بعض قصص القرآن تأتي لأشخاص بلا أسماء مذكورة في السياق القرآني ، مثل قصة سيدنا عزير عندما مر بقرية خاوية و تعجب من كيفية إحياء الله لها بعد موتها ، و قصة العبد الصالح – و يقال اسمه الخضر – مع نبي الله موسى ، إلا أننا نأبى إلا أن يكون لنا عجلا نعبده و رمزا نقدسه حتى و لو لم يستحق ، حتى و لو كان تاجر بانجو أو ملحد أو راقصة أو مطرب أو لاعب كرة ، لم نستطع سوى أن نشخصن أهدافنا و قضايانا حتى لا ننساها ، فكانت النتيجة أن الأهداف تحولت لأشخاص ، و عندما يموتون أو تنطوي صفحاتهم تنتهي القضايا و تنسى و لا تتجدد إلا باختلاق رمز جديد و عجل جديد ، في الغالب يكون ضحية من ضمن الضحايا و لا يميزه شيء عنهم ، فلا يكون هناك حياة للقضية سوى بالرمز ، و تناسينا أن القضية جامعة لكل الضحايا ، أما الرمز فلا يمثل سوى حالته الخاصة ، فأساء من اختار خالد سعيد كرمز لكل من قُتِل و تعذب على يد الشرطة ، لأن شخصنة القضية فيه جعلت أخف ذنب للضحية في العادة أن يكون تاجر بانجو !

يحضرني هنا في تلك النقطة المناظرة الشهيرة بين الشيخ عبد المنعم الشحات و عمرو حمزاوي في أعقاب الثورة ، و التي ألجأه فيها أكثر من مرة إلى أن يقول : لا نريد ليبرالية بريطانيا و أمريكا و لكن ليبرالية منضبطة بضوابط الشريعة الإسلامية ! فكان انتصارا للشيخ الشحات جعل فيه حمزاوي يفرغ قضيته من مضمونها بلسانه و على رؤوس الأشهاد ، و لم يكن حمزاوي ليتجاسر على الإصرار على الدعوة لليبرالية بمعناه الشامل العالمي المتعارف عليه في العالم كله ، و هكذا تفعل البينة ، إلا أنها لا تفلح مع معتلي الضمير و الإدراك ، و لولا بقية من خير في نفس حمزاوي لأصر علنا على الإطاحة بكل قيم و ثوابت المجتمع المصري المتدين مقابل ليبراليته العصية على التطبيق في هذا المجتمع .

أعلم أنه عند قراءة البعض لهذا المقال سيهز رأسه تأمينا ، ثم يندهش راجعا برأسه للوراء ، ثم ينطلق اللسان من عقاله سبا و لعنا في ذاتي المتواضعة و في أهلي و كل من أعرف و كل من يؤيدني ، لكني لا أطلب من الكل – من أعجبه و ممن لم يعجبه – سوى أن يفكر قبل أن يقول رأيه .. فكروا هدانا الله و إياكم .



  • eyad omar
    مهندس و كاتب حر غير متقيد بلون معين سواء مقال أو قصة أو رواية
   نشر في 22 غشت 2016  وآخر تعديل بتاريخ 18 نونبر 2016 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !


مقالات مرتبطة بنفس القسم













عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا