الجبن ومهادنة الأعداء - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

الجبن ومهادنة الأعداء

12/7/2018م

  نشر في 21 يوليوز 2018  وآخر تعديل بتاريخ 25 يوليوز 2018 .

الجبن ومهادنة ألد الأعداء..

هيام فؤاد ضمرة..

مهادنة ألد الأعداء أهي من الجبن أم هي فن مسايسة؟

ما الذي يجعل العرب يتحولون إلى الجبن ويصبحوا على انقياد تام للمركز القوي..؟

لست ألقي هذا السؤال جزافا وأنا غافلة عن أنّ كل مواطن عربي من أقصى الشرق إلى أقصى الغرب يعرف الجواب ويدرك الأسباب، وإنّ الشعوب العربية أكثر شعوب العالم ثقافة ومهارة ومعرفة وإدراكا للمجريات حولها، وتعي كل موقف وما سيؤول إليه لاحقاً، لكنهم للأسف الشديد هم شعوب مبتلاه، والابتلاء أعظم الأسباب للنكوص على الأعقاب والخسران المبين..

فشعب كاليهود يعيش التيه ويخطط ويترصد الفرص المناسبة، ويعمل جاهداً على مدى قرنين من الزمان للسيطرة على اقتصاد العالم وعلومه، ويحاول أحد أمرين إما السيطرة على دولة قوية كبرى، أو كسب تأييد دولة قوية عظمى، وهو ما نجح بالوصول إليه، وأوصله إلى مرحلة احتلال وطننا الفلسطيني، القلب النابض والعامر بالحضارة والتقدم قياساً بالدول العربية الأخرى، وما زلنا نشهد مظاهر تقدمه وارتقاءه في صور الملفات القديمة لتاريخه.

قال الله تعالى " ومن الناسِ من يعبد الله على حرفٍ فإن أصابَهُ خيرٌ اطمأنَّ بهِ وإنْ أصابتهُ فتنة انْقلبَ على وجْهِهِ خَسِرَ الدُنيا والآخرةَ ذلكَ الخُسْران المُبين" الحج 11

لكن الأمل بالله لا ينقطع ولو مرت الدهور وتعاظمت المحن، فالأمل بالله الواحد الأحد هو مفتاح الصبر، ومن صبر وهو يعد للنصر تمكن وانتصر.. والصبر على التحولات السياسية ليس أمده قصير كما يتوهم الكثيرون للأسف..

قيل للإمام الشافعي أيهما أفضل الصبر أو المحنة أو التمكين.

فقال: التمكين درجة الأنبياء، ولا يكون التمكين إلا بعد المحنة وتكاثر النكبات، فإذا امتحن صبر، وإذا صبر تمكن.

وبالنظر إلى الصهاينة عدو الفلسطينيين والعرب فقد مارسوا الصبر على ما جاء في قرآننا الكريم نحن، فنال اليوم التمكين واحتل جنة بلادنا وكسب دعم أكبر قوة دولية الآن تتواجد على الكرة الأرضية لا تقاربها أي قوة أخرى ولا حتى روسيا نفسها وهي تدعي القوة والقدرة على المنافسة.

وعن أنس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.. " إذا أرادَ الله بعبدِهِ الخيْر عجّلَ له بالعُقوبة في الدُنيا، وإذا أرادَ الله بعبدِهِ الشَّر أمسَكَ عَنه بذنبهِ حتى يُوافى به يوم القيامة" فالمحن تعلم الصبر وتذكي بالنفس الهمة، وتثير فيها المعرفة في سبل المواجهة الصحيحة والفاعلة المحققة للنصر، ولقد ثبت بما لا يدع للشك أن فوضى الانتفاض دون تعقل وتدبر قد تحقق مكاسب لسمعة فقط، ولكنها لا تحقق شيئاً للنصر الحقيقي الذي يحتاج لحنكة وتخطيط وإعداد برامج على شتى المحاور، ووضع استراتيجيات على المدى القصير والطويل، من قِـبَل عقول جبارة تعمل بصبر وأناة ودقة بالتصويب.

وما يتعرض له العرب من عقوبة بالغة في هذا الزمن فقد تعظم بالابتلاء أذاهم، وازداد بأوطانهم التخريب حتى سجلت اصابتهم بالابتلاء الأعظم والمحنة الأشمل، ولوجود طبع الخيانة بالبعض العربي، أسقطت دول كانت عتية في مناعتها، وانهارت حصون كانت منيعة بجبروتها، وحين يسقط الجاه يسقط الكبر والخيلاء، وتتفكك مقاطع العجب والغرور، وتصحو النفس من غفلتها على ما هي عليه من مذلة ومهانة، فتتيقظ بها همة العزم وتنتفض بها الكرامة، وترفض البقاء في ظل مولى بشري منحني القامة مكسور النفس، أقعدته على منصبه قوى استعمارية فبأي حق يعاند أوامرها ويقهر إرادتها ووجوده في موقعه محكوم برضاها.

فإنّ هناك قوى خبيثة تحاول إقناع أمة العرب بأنها أمة جاهلة عمادها التغني بالأمجاد الآفلة والأحساب المندثرة .. لكن الذي يحصل أن الأمة العربية تتهاوى حصونها وتتساقط قلاعها بكل بساطة، إنما لأن مفاتيح تقدمها في أيد من لم ينتخبها وإنما فرضت عليه من قبل المستعمرين أنفسهم، فلا خير في من لا يملك زمام أمره، ومن لا يملك قراره، ومن لا يملك الدافعية الذاتية للإخلاص للعروبة وقيمها وأمجادها.

فماذا بأيديهم بعدما تم القضاء على البلاد التي شبت عن طوق الإذعان وباتت ملاذا لتجمع الشجعان، فالعدو هو العدو لا يعجبه أن تكون أمة العرب أمة تطور وتقدم، ولا تترك هذه الأمور للصدف والتوقعات، فكسر الشجرة المثمرة يضعها أمام أمرين أحدها التعجل بموتها النهائي، أو التعجل بانتعاش جذورها وتفرع أفنانها وزيادة ثمرها، ومن هذا الباب فالعربي صابر وينتظر لحظة التمكين... إلى متى؟ فالعلم في عالم الغيب لا يعلمه سوى الله وربما العبد الذي سيوكله الله بصناعة النصر على تخطيط سليم وبناء استراتيجي عليم.

في حين تم القضاء على تلك الدول التي كانت تشكل ولو بصورة متواضعة بذرة لقوة كامنة ممكن أن تتحول في يوم من أيام المستقبل إلى قوة ضاربة، وما هو ممكن أن يتحول تمكيناً قد لا يتحول فهذا الأمر متروك أمره للمدى البعيد، وإنْ لم يكن بالمستقبل القريب فكلا الاحتمالين وارد، فبالطبع سيشكل ذلك تهديدا للدولة الصهيونية التي صنعتها دول الاستعمار القميئة بالحيلة والفتيلة وزرعتها جسماً غريباً في وسط الجسد العربي، وراحوا بعدها يمارسون كافة وسائلهم في الضغوط الاقتصادية لخنق أنفاس العرب، وتعطيشهم حتى الرمق الأخير، ليقبلوا بالحلول الذليلة، والمقاييس العليلة، والشروط المهينة، وهذا حقيقة الذي بات يحدث في الوقت الحالي، ويوشك أنْ يلقي بظلال رتوشه الأخيرة على المشهد العربي وقضيته المصيرية.

فالابتلاء موجب بالتفكير بأسباب الإنهيار ووسائل الخروج من انهداميته الخطرة، فالانهزام يفتح قريحة الإنسان وذهنه لأقصى مدىً للتعرف على مكامن الضعف وأسباب التقهقر، ومن ثم وضع طرائق المعالجة بالأدوية الملائمة، فالتداوي بأدوية المحن يحتاج إلى خلوص نوايا، وصدق عمل، واجتهاد خطط، واحتراز من الفئة المتسللة المخربةـ واتخاذ السرية الكافية والتحفظ على الأمر حتى بلوغ غايته إلى ما يشاء الله لهذه الأمة النصر بالحصر.

والتداوي بأدوية الخلاص من الابتلاء لهو نظام رباني بإقرار رب العالمين الذي يداوي عباده بأدوية التعافي العقلاني المتعامل مع الواقع حسب ظروف اللحظة، بداية من خلال تنقية روح الانسان الداخلية، وتقوية روح الانتماء للدين وأوطان العروبة والإسلام جميعها، بلا تعصب أو عنصرية أو أنانية مفرطة، فالانتماء العروبي أمره مهم بالدرجة الأولى بعد الانتماء الديني المتماسك على نهج القرآن الكريم، يتبعه الانتماء للوطن، لأنّ الانتمائين تربطهما روابط قوية لا فكاك منها، حتى إذا ما عانى من عانى خلال مرحلة الإدواء فسيهذب الله مستلزمات ضميره على صفاء السريرة وخلوص النوايا ونقاء الأهداف، ويرفعه الله إلى منزلة ثواب الرضى، فيقرب الله رؤيته من الحكمة بذكاء أسطوري، ويأخذ بيده نحو مسارب النصر بإذن واحد أحد.

ويقول رب العزة في ذلك " وليُمَحِّصَ اللهَ الذينَ آمنوا ويَمْحَقَ الكَافِرين" آل عمران 141

والعرب اليوم يشهدون حولهم المواقف المختلفة التي تحدد لهم العدو الذي ينصر عدوهم عليهم، من الصديق الذي يتفهم قضيتهم فينتصر للحق فيها، وينتصر لها بالعلن والسر.

فالحياة بطبيعتها لا تمر هادئة هانئة مستوية على خط واحد وإلا أصاب الناس فيها الغرور وظنوا بأنفسهم خارج كل الصدمات والويلات وأصابت حاكمهم لوثة الكبر والتمرد على الحقوق حد إسقاط المظالم قسراً وتجنياً حتى ليظن بنفسه رب هذا الكون على ما نراه اليوم بحال المتقاوية على هذا العالم البائس الولايات المتحدة الأمريكية ورئيسها المغتر بنفسه، وما هذا إلا علائم الوصول لما قبل الانهيار الأكبر الذي يمكن أن يكون مفاجئاً دون سابق تلميح، وبطرق لا تخطر على البال.

إذن لا سبيل لادعاء القوة لمن ليس بهم القوة، ولا ادعاء الجرأة في مواقع الخطورة الواضحة، فأمم ثقافتها الاستعمار والتقاوي لا يصلح معها مقابلة الحديد بالحديد طالما نحن أمة لا تملك أصلا حديد المقارعة والمنازلة، ولا تصنع سلاحها بنفسها، ولم يعد السلاح هو ذات السلاح البسيط الذي كان متداولاً في بداية القرن العشرين ولا حتى في منتصفه، ولا حتى نحن أمة تصنع غذاءها ودواءها ولبوسها، ولا تملك علم نافع يمكنّها من جانب ولو ضئيل من القوة، ويكفينا جلد أنفسنا وقياداتنا فهم لا يملكون أمر أنفسهم مثلنا تماماً لضعف امكانياتهم وضعف مواقفهم، ومَن تمكنت من دول العرب التقاوي بإمكانياتها الاقتصادية والعسكرية ووبدات منظومة تصنيعها تلقت ضربتها المدمرة لتعيدها للخلف ألف عام..

اليوم انتصار العرب إن أزف في موعده القادم يجب أن يكون بعقول دهاة في التخطيط الاستراتيجي ويحتاج لصبر ومعرفة بالاتجاهات الحضارية لفكر الانتصار، فاليابان وهي تتحول لقوة اقتصادية ما فكرت بالانتقام من جمهورية الشر الأكبر التي ألقت عليها القنبلتين الذريتين وحرقت مدينتين بسكانهما لما تحت الأساسات.. فبأي الأدوات نحلم بالنصر ونحن دونها بكثير الكثير، ربما مشكلة العرب باستمرار نكوصهم هو التسرع، فلو كان هذا التسرع في مرحلة العشر سنوات الأولى لكانت اليوم فلسطين في عهدة أهلها الفلسطينيون، لكن بعد تمكن العدو من تنظيمها، ورفع أساسات إداراتها، وانهيال الأموال وكل أصناف السلاح عليها، وابتداء تصنيعها الحربي وتطويره، والتأسيس لصناعة ذرية، في حين العرب يتجمدون في أماكنهم لم يخطوا خطوة واحدة في ايجابية الاعداد لقوة عسكرية ملائمة تعتمد التصنيع والتطوير، فالإنتصار الحقيقي يحتاج لعلم يخترق علوم الآخرين ويتفوق عليهم.. فهل نقف على مفترق الأمل.


  • 2

  • hiyam damra
    عضو هيئة إدارية في عدد من المنظمات المحلية والدولية
   نشر في 21 يوليوز 2018  وآخر تعديل بتاريخ 25 يوليوز 2018 .

التعليقات

إبراهيم يوسف منذ 4 أسبوع
هذه يا صديقتي عناوين بارزة ومقتضبة، عن أحوال أمة كانت في طليعة الأمم. لكن مهما تعاظمت المحن وأظلمت دنيا العرب..؟ سيدركنا نور الصباح و لو محمولا على ظهر سلحفاة.. هذه حتمية التاريخ.
1
hiyam damra
ما زلنا نعيش على الأمل وننتظر فرجاً قريبا ولو بعد حين.. لن أقول هذا قدرنا، ولكني أقول هذه نتيجة خيبتنا كشعوب مستسلمة تكتفي بالدعاء إلى الله، ونسوا قول الرسول عليه الصلاة والسلام "إعمل وتوكل" فليس من انتصار لا يسبقة اعداد.. وأين نحن من الاعداد؟

لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا