(الخطاب السياسي و آفة الفكر العدمي) - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

(الخطاب السياسي و آفة الفكر العدمي)

  نشر في 01 شتنبر 2016 .

وأنتَ تحاول جاهداً بكلِّ ما أوتيتَ من صبْرٍ وأناة ، وبكلِّ ما تتزوّد به من دراية وطاقة ، من أجل أن تسْتوضح أو من أجل أن تضع مسارَ المجتمع الذي تعيش فيه ،تحت مجهر البحث عن حقيقة فعله و تفاعله ثقافيّاً .. و عن حقيقة مدّه و جزره اجتماعيّا .. و عن حقيقة نموّه أو كساده اقتصاديّا ، وعن حقيقة نهجه وسلوكه سياسيّا ،إلاّ أنكَ وفي آخر المطاف وبكلِّ تأكيد ستكـتشف أنّك أمام لغْم ٍ خطير بل وعن سمّ ٍ زعاف يسري بكلّ أرْيحية ، ويتبجّح بكلّ عنْتريّة داخل شرايين هذه الحلقات المذكورة آنفاً : وما هذا اللّغم أو ذاك السّم ما هو إلاّ فيروساً فتّاكاً إسمه (الفكر العدميّ ) ..تظافرَتْ مع الأسف الشديد عوامل داخليّة و أمْلتْه ظروف خارجيّة على ظهوره و انتشاره بصورة أو بأخرى و على نطاق واسع داخل مجتمعاتنا العربية رصْداً و تحديداً.

و بعيداً عن لغة الأرقام و الإحصائيات فقد بات من البديهيات ومن المسّلمات أنّ السواد الأعظم من الشباب ذكورا و إناثا قدْ نال منهم هذا (الفكر العدميّ) نصيب الأسد فالصورة النّمطيّة - لمجتمعاتهم التي يعيشون أو يحاولون بالكاد أن يتعايشوا معها - ما هي إلا صورة فسيفسائيّة يتصدّر تلاوينها كلّ ما هو رمادي و ما الطلاء الوردي سوى استهلاك مرحلي لتمرير ما يجب تمريره داخليّاً أو إقصاء لِما يجب إقصاؤه استجابةً لإملاءات خارجية وهنا مربط الفرس : فالتبعيّة أو تقاطع العامل الداخلي مع العامل الخارجي هو الذي أوْجد حقيقة تلك التربة المناسبة و ذلك المناخ الملائم لمعضلة فيروس( الفكر العدمي) والذي عند معاينته تمحيصاً وتشريحاً سوف تستخلص المعادلة وفق القاعدة التالية : ميلاذ خليّة تحمل نواة إسمها (التّذمر) تؤدّي إلى إفراز عنصر (اللامبالاة) و التي بدوها ستكون هي المسؤولة عن تراكمات لعُقد نفسية مستعصية أخطرها (اليأس) + (الضغينة) + (التعصّب) .. و لتقريب الفهم نأخذ مثال الانتخابات في أوطاننا العربية حيث بات (العزوف) ذلك العبْء الثقيل الذي يؤرّق صنّاع القرار السياسي الذين و بمجرد ما ينتهون من طبخ و تحديد الملامح المقبلة للخريطة السياسية وفق ما يسمى ب (اللعبة الديموقراطية) يفاجئهم عنصر العزوف و كأن لسان حاله يقول لهم : لسنا في حاجةٍ إلى طبيخكم النيّء فاللهم الجوع السياسي و لا الإسهال السّياسوي . ولذلك نجد أن كثيراً من الأحزاب وخصوصا منها الأحزاب التاريخيّة أوالتقليدية في الوطن العربي بدأت تفقد توهّجها السياسي و بريقها الحزبي حيث بات برنامجها الذي به تدشّن حملاتها الانتخابية مجرّد فقّاعة خاوية الوفاض مهيضة الجناح و بالتالي سقط خطابها السياسي سقوطا مدويّاً بعد أن تأكّد للقاصي و الدّاني أنّ هذه الأحزاب تحوّلت إلى مجرّد دكاكين تستجْدي ليس فقط عطف أنظمتها المحليّة للإبقاء على دورها السياسي المُقنّع بل بدأنا نلاحظ بعض الأمناء العامّون لهذه الأحزاب يبحثون عن تزكية سياسية في بعض عواصم العالم ذات التأثير المباشر للتدخل لدى أنظمتها حتّى لا تُحرم من لعبة (الكعكة الديموقراطيّة) في حين أن هذه الأنظمة بدأت ترى في الأحزاب الإدارية تلك الأداة الطّيّعة والبديل الرسمي أمام كارثة (العزوف) حيث تتجاوب تلقائيّا و إعلاميّا مع نسبة المشاركة المفبركة التي سيُعلن عنها لاحقاً للحفاظ على ماء الوجه إقليميّا و دوليّا أمّا محليّاً فصنّاع المطبخ للقرار السياسي باتوا متأكدين أن شريحة لا يستهان بها من الناس قد كفروا بالعملية السياسية من ألفِها إلى يائها .

نعم هذا غيض من فيض و الأمثلة لا تُعدّ و لا تحصى وجميعها يؤكّد أنّ الخطاب السياسي في الوطن العربي تحوّل إلى مجرّد (عبث سياسي) من رماده انبعث هذا (القمقم العدمي) والذي مع مرور الوقت و في غياب خطاب حقيقي وعقلاني يأخذ بعين الاعتبار قدسية المصلحة العامة بدون لفّ أو دوران فإن الوضع سيزيد استفحالا قد يصيب مفهوم (الهويّة) و(المواطنة) بانتكاسة لا تقوم لها قائمة وفق ما يسمّى : ب (العدميّة الارتكاسيّة Le nihiisme reactif ) .

أما موضوع الخطاب الديني (الغير البريء) والذي أصبح مطلباً خارجيّاً سيكون بحول الله محور المقالة اللاحقة فهو الآخر لا يخلو من تداعيات خطيرة و إسقاطات مثيرة دفعت بالكثيرين إلى اعتناق ما يسمّى : ب (العدميّة السلبية Le nihilisme negatif) وهو ما سنناقشه موضوعيّا في الفترة القادمة .

( تاج نور) .


  • 5

  • تاج .. نورالدين .
    محام سابق- دراسات في الفلسفة والأدب - متفرغ الآن في التأليف والكتابة .- محنك في التحليل النفسي- متمرس في التحليل السياسي- عصامي حتى النخاع- من مؤلفاته :( ترى من هذا الحكيم ؟ )- ( من وحي القوافي ) في ستة أبواب وهو تحت الطبع .- ( علم ...
   نشر في 01 شتنبر 2016 .

التعليقات


مقال مميز شكلا و مضمونا أستاذ تاج .. العدمية هي نتاج تشاركي للأنظمة السياسية و دكاكين الأحزاب و هو خطر كبير على مفهوم المواطنة..
الشباب فقد الأمل في المشاركة و الإختيار السياسي لأن التجربة تلو الأخرى تثبت فشل المنظومة السياسية في عمل تغيير حقيقي، ولا أدل على ذلك التجربة المغربية..
التغيير الحقيقي يجب أن يبدأ من أعلى الهرم عبر إرادة حقيقية للسلطة الفاعلة، لكن المشكل هو وجود توازنات إقتصادية تتجاوز الجميع و تتحكم في اللعبة، تفرض على جميع الأحزاب السياسية الإنبطاح للأمر الواقع
1
تاج .. نورالدين .
شكرا أستاذنا الفاضل على تجاوبكم الراقي وخصوصا عندما استعملتم كلمة السر ( لكن المشكل هو وجود توازنات إقتصادية تتجاوز الجميع و تتحكم في اللعبة) أشاطركم سيدي الرأي تماما ولي عودة لمناقشة هذا الموضوع بإسهاب في مقال لاحق إن شاء الله : شكرا مرة أخرى على التعليق الصائب .

لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا