وهنا صرخت السماء - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

وهنا صرخت السماء

وهنا صرخت السماء

  نشر في 01 أكتوبر 2016  وآخر تعديل بتاريخ 18 نونبر 2016 .

أقدم لكم سلسلة مقالات بعنوان ذكريات السماءً أرجو أن تنال اعجابكم أقدم فيها اطروحات وتحليلات لمشاهد حياتية وقضايا دينية واجتماعية وابدأ الليلة بمقالى هذا بعنوان

وهنا صرخت السماء ...

ملحوظة : نبذة من الحوارات هى من صنع خيال الكاتبة وليست حرفية الحدوث وانما تستند على الشواهد العقلية والنفسية البديهية

بسم الله الرحمن الرحيم

لا بد أنه كان مزعجا .. ذاك الصوت الذى كان يخالج صدر ابراهيم الخليل صوتا يشبه صوت غليان المرجل أو اربما كأزيز الطائرات ..لحظة لم نعايشها ولكن فى مقدور المرء تصورها وإدراكها بعين عقله اذا ما فكر فى الامر بغريزة الابوة او الامومة .. ما الذ يمكن أن يدفع أبا للتضحية بقرة عينه .. ما ذاك الأمر الجلل الذي يجعله يقدم على تلك الخطوة ورغم أنه كان أبا عظيما ورحيما إلا إنه ما كان إلا طائعا لأمر الله راضخا لإرادته ممتثلا لحكمته

يستوقفنى هذا المشهد كثيرا مستدعيا لمخيلتى صورة النبي يعقوب حين جاء ابناؤه عشاء يبكون يبلغونه أن يا نبي الله منع منا الكيل وقد اشترط عزيز مصر _ وقد كان يوسف وهم له منكرون _ ان نحضر اخانا بنيامين كضمانة ورغم انهم اتوه موثقا من الله الا انهم رجعوا لابيهم بدون اخيهم الصغير حبة قلب ابيه والذي كان يري وجه يوسف فى وجهه

وما كان من يعقوب إلا أن ذهبت نفسه حسرات على اولاده يوسف وبنيامين وكبيرهم لاوى الذى أبي الرحيل وآثر البقاء فى مصر حتى يجعل لهم الله سبيلا وحتى انه اقسم ألا يعود إلا بصحبة بنيامين

وما فعله الإخوة العبرانيين بأبيهم لم يكن أكثر من كونهم أضرموا نارا فى صدره حتى أن أنين قلبه كان يرج السماء ويزيزل الأرض.. وما كان حب يعقوب ليوسف سوي عشقا لتجلى جمال الله فى وجه يوسف او يوزرسيف الحكيم كما كان يطلق عليه المصريون ورغم هذا العشق الذى يذيب القلب إلا أنه هدأ بعد أن ربط الله على قلبه .. وأدركه الروح الأمين جبريل وأفهمه أن هذا الملك ملك الله وأن من حرمه رؤية يوسف قادر على أن يجمع بينهما بعد ما ظنا كل الظن أن لا تلاقيا

أما الخليل ابراهيم فقد رسم لوحة أظنها مختلفة عن لوحة يعقوب النبي ربما لأن الأمر الإلهى كان مباشرا بالتضحية بإسماعيل ومن هنا جاءت السكينة بعد الصخب ..صخب غريزة الابوة التى فطر الله اولاد ادم عليها وما كان إسماعيل إلا عبدا طائعا مخلصا ممتثلا لإرادة الله قبل أن يكون قربانا لله ..

ومن القربان ؟ إسماعيل ؟؟؟! الطفل الوليد الذى جاء بعد أصبح إبراهيم الخليل شيخا كبيرا عجوزا ؟؟ إسماعيل الذى أحال ظلمة ليالى إبراهيم إلى نور وعشق وابتهاج ؟؟؟ اسماعيل الذى اقتضى مجيئه أن تهزم سارة_ ثانى أجمل نساء الأرض _ ذاك الشعور الذي يتغلب على معشر النساء إن تعلق الأمر بزوجها ؟؟

وكلما كانت تحدق فى وجهه وتدقق النظر فى عينيه.. إذا بها تراه حزينا وقد أدركت ان نفسه تاقت لرؤية طفل له وهذا هو منببع ذاك الحزن وهنا قررت سارة الجميلة أن تغض الطرف عن نفسها وعن سعادتها وأن لا تدع للحزن مكانا فى قلب حبيبها إبراهيم .. ورغم أنه طريق يمتليء بالشوك ويدمى القلب إلا أنها كانت تدرك أن هذا الطريق لا محالة غايته ان يغمر الفرح قلب ابراهيم فما كان منها إلا أن أهدته هاجر حتى يتزوجا ويرزقا بالذرية التى كان يشتهيها ابراهيم

لا أعرف طريقا لصون الحب أشقى من التضحية بالحبيب ولكنى تعرفت عليه فى فعل سارة .. لم يرد نبي الله إبراهيم لحبيبته أن تحزن ورنا إليها قائلا " لا أريد لكى الحزن يا سارة " ولكنها استدركت قائلة " لن أحزن يا خليل الرحمن سأفرح لفرحك " وهكذا كانت بداية لقاء ابراهيم بهاجر المصرية وزواجهما .. ثم جاء إسماعيل وفرح الجميع بميلاده ...

وفى لحظة تقاطع والتقاء ما بين الحب والغيرة .. بدأت جذوة الغيرة تكبر فى صدر سارة لكن مشيئة الله قضت أن يأخذ إبراهيم هاجر ووليده إسماعيل فى ذاك المكان البعيد فى الجنوب .. هذا المكان لم تكن العائلة الابراهيمية تعرف عنه أنه سيكون مقصدا لكل الوان البشر من شتى بقاع الأرض وأن إليه ستشد الرحال لتمارس شعائرها الدينية

وفى ليلة ترصعت بالنجوم وتزينت بالقمر وتعطرت بالنسيم .. إذا بنبي الله يري فى منامه أنه يذبح إسماعيل ويقدمه قربانا لرب العالمين !! يا إلهى ! ما هذه الليلة المفزعة .. يا لأقدار الله .. كيف للحظة أن تعادل العمر بأكمله ؟؟ وكيف لرؤية مجرد حلم أن تقبض خلجات صدرك ؟ وكيف لإبراهيم أن يضحى بمعشوقه الصغير ؟؟

إن هذا لهو البلاء المبين ! يدرك إبراهيم أن رؤيا النبيين حق فلما افاق من نومه عرف انه أمر الله وأن الله أراد له أن يخوض امتحانا جديدا ولكنها مرة تختلف عن سابقاتها .. لو ان الأمر أن يلقي بنفسه فى النار لكان أهون ولم يكن ليحزن .. يا إلهى كيف لى أن أمد يدي فأمزق صدري .. وأنتزع قلبي ؟؟ وما السبيل للامتثال لأمر الله والامتثال لصوت الطبيعة وإرادة الله أيضا التى اقتضت أن نحب اولادنا أكثر من أنفسنا والا نقدر على رؤية مكروه فيهم .\؟؟! يا إلهى هذه إرادتك وهذه أرادتك فأيهما يختار إبراهيم وكيف سيبلغ إسماعيل ؟؟وكيف سيستقبل إسماعيل الأمر ؟؟ وهل سيتحمل إسماعيل الألم

أيها السكين ! لقد هالنى رؤياكي .. لا أذكر أنى قد خشيت أن يصيبنى منك اذى ذات مرة .. فهل لى أن ألتمس منك عهدا أن ترفقي بابنى إسماعيل الذى ما إن جاء حتى ما عدت أذكر المشييب فى رأسي؟؟ يا سكين هل لك أن تفي بعهدك لى فلا تقسٍ على ولدى ! عاهدينى ، تسلميه لربه ضاحكا مستبشرا .. ياسكين هل لك أن تخلصينى من لوعة الاب المكلوم فلو أنك انتزعتى الروح من جسد ابني فما ذاك إلا لأنك طائعة لأمر الله وجند من جنوده

فلما رأي إسماعيل أباه حزينا قال له لماذا أنت حزينا يا أبي وقال له " يابنى إنى أري فى المنام أنى أذبحك فانظر ماذا تري " وما كان جواب إسماعيل إلا أن قال " يا ابت افعل ما تؤمر ستجدنى إن شاء الله من الصابرين "

وهنا صرخت السماء ...

حان الان تنفيذ أمر الله فانطلقنا نحو الوداى الفسيح وهنا تلاقت العيون .. عيون اغرورقت بالدموع .. تداخلت العواطف والمشاعر فما عدت قادرا على التفريق بين امواج الدموع المتلاطمة فى عيون الخليل والذبيح .. الاب الرحيم على وشك التضحية بابنه والابن اصبح جاهزا لتنفيذ أمر الله والسكين تهيأ للمضي فى عنق إسماعيل .. وكلهم جنود الله .. وما نحن إلا طائعين لحضرته صاحب الكون والملكوت

لا بد لهذه الللحظات الحرجة أن تنقضيولا بد أن ينتصر صوت الخضوع لرب الارباب على صوت العاطفة الابوية الجياشة .. هنا أراد اسماعيل ان يعين أباه على هذا الاأمر العظيم .. قائلا " يا ابي احكم الوثاق واشحذ السكين وأسرع فى ذبحي جيدا فإن ألام الذبح لا تحتمل "

ولدى الحبيب ها أنذا أمسك بجبينك .. ألامس شعرك ووجهك .. ها أنذا ألقى بصري عليك لأنى أحب أن أملاأ ناظري منك ورغم هذا .. أريد أن أشيح ببصري عنك بعيدا فكيف لى أن أري دماك تروي الأرض .. وهو من صنع يدي .. يا ولدى أنا أودعك وها أنت تلوح للدنيا بيديك فتودع أباك وأمك وما ظلت عليه عاكفا .. أما أنا يا ولدى فإلى الله راجع عله يسكب فى قلبي التؤدة بعد اللوعة وبعد أن أصبح فؤادى فارغا

وهنا صرخت السماء .. وصرخت الملائكة .. كان النداء السماوى مدويا ذاك الذي منع السكين ان يمضى فى عنق اسماعيل وجاءه الأمر بذبح كبش عظيم قد لنزل لتوه من السموات .. هذا هو القربان الذى ارتضاه الرحمن الرحيم وها أنت ذا يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا ... بقلم " درية مهران "



  • 6

   نشر في 01 أكتوبر 2016  وآخر تعديل بتاريخ 18 نونبر 2016 .

التعليقات

محمود حسين منذ 2 شهر
استاذة درية كاتبة المقال
المقال شيق و رائع وفقك الله في المذيد من المقالات الشيقة
0
Dorreya Mahran
شكرا استاذ محمود على اطرائك .. ان شاء الله
عمرو يسري منذ 2 شهر
أسلوب السرد رائع و ممتع , بالتوفيق .
0
Dorreya Mahran
شكرا جزيلا لحضرتك .. اسعدنى مرورك

لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا