هل تعرفين أبي - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

هل تعرفين أبي

  نشر في 14 ماي 2022 .

كنت أجلس على إحدى كراسي الاسمنت المواجهة لشاطئ المدينة. قبل أن يقاطع شرودي صوت طفلة في عمر الزهور، كانت تحمل بيدها صورة رجل، ربما كان والدها.

لم أصغي لما كانت تقوله، فقد كنت منغمسة في تصفح ملامحها الشقراء وعينيها الزرقاء كزرقة السماء. براءتها أعادتني لأيام الصبا.

لوحت بيدها أمام عيني وهي تقول: يا خالة، هل تعرفين والدي؟

أعطتني الصورة ثم أردفت : لقد أخبرتني أمي أني سأجده هنا، هل تعرفين منزله؟

نقلت بصري من الصورة إلى عينيها التي أسرتني وقلت: عزيزتي ما اسمك؟

لمحت ترددها من الاجابة وكأنها خائفة من شيء ما، فمددت يدي نحوها ثم قلت والبسمة تعلو محياي : أدعى سارة. وأنت يا أميرتي؟

صافحت يدي بيدها الصغيرة الناعمة ثم قالت : اسمي ديما.

- اسمك جميل مثلك. أين هي والدتك؟ هل أنت تائهة؟

لم تنبس ببنت شفة، واكتفت بالنظر إلي، تلك اللمعة التي برقت في عينيها حملت لي الكثير من الكلام الذي لم تستطع البوح به.

لم أرد استجوابها بهذه الطريقة فهي حتما خائفة مني. اخترت تجربة أسلوب أخر يجعلها تستشعر الأمان .

- امم يا ترى هل أكل القط دودو لسانك ههه. نكزت أرنبتها بسبابتي ثم أكملت كلامي: ما رأي أميرتنا في كوب حليب بالشكلاطة؟ لكنها لم تحرك ساكنا، ولم تبدي أي ردة فعل.

فقلت : أظنك تشبهينني . أنت أيضا لا تحبين الحليب أليس كذلك. حسنا دعينا نفكر في شيء أخر. اممم .. ااه وجدتها لنأخذ أيس كريم بارد

علت وجهها ابتسامة هادئة، وقالت بصوت شبه مسموع: أحبه بنكهة الفراولة.

أطلقت ضحكة صاخبة التف على إثرها كل المتجولين نحوي ثم حملتها بين دراعي وقطعنا الطريق متوجهين إلى البقال. أخذنا اثنين بنفس النكهة. وعدنا إلى مكاننا لنلتهم الايس كريم بنهم. شعور غريب خالجني وهي برفقتي، لقد أنستني هموما هدت خاطري.

وجهت أنظاري نحوها، لأضحك بدون شعور من منظرها. أمسكت منديلا ثم مسحت يديها ووجهها من بقايا الايس كريم. لتفاجأني باحتضانها لي. لم أعلم ما علي فعله، لفت كلتا يديها حول عنقي بقوة وكأنها تطلب مني البقاء معها. دمعت عيناي فضممتها إلي وتمسكت بها بذات القوة.

عم الصمت لثواني قبل أن تقول: عندما أجد أبي، ستكونين أمي. أنت لن تتخلي عني كما فعل الجميع، أليس كذلك؟

تأملت عينيها، وجهها وكل إنش منها. وضعها أدمى قلبي. كيف لها أن تتحمل كل هذا الالم وهي بهذا السن؟

سألتها: عزيزتي ديما أين هي والدتك ؟ هل لك أن تخبريني بما حدث؟ يمكنني المساعدة.

سكتت لبرهة من الزمن ثم أردفت : أمي لم تعد ترغب بوجودي، لقد أخبرتني أنني مجرد خطأ في حياتها، بسببي تركها والدي، أعطتني صورته ثم أخذتني إلى محطة الحافلات والعم هاشم أتى بي إلى هنا.

صعقت مما سمعته أذناي ، لوهلة ظننت أنني أحلم. وخزت يدي لأتأكد من واقعية ما أعيشه.

قلت: وأين يمكننا إيجاد والدتك الأن؟

قالت بصوت مخنوق: إنها تقطن بمدينة وجدة.

- لكن كيف أتيت إلى الناظور؟ ومنذ متى وأنت هنا؟

- هل أنت صماء، لقد أخبرتك أن أمي أوصت العم هاشم ليأتي بي إلى هذه المدينة. أنا هنا منذ عشرة أيام.

- غير معقول. أين كنت تنامين وماذا كنت تأكلين؟

أشارت بيدها نحو منزل بطابقين ثم قالت: امرأة تقطن بذاك المنزل كانت تسمح لي بدخول منزلها في الليل، ومع الصباح تطلب مني الخروج كي لا أفتعل لها المشاكل، هي من كانت تطعمني.

شردت بتفكيري أربط الاحدث بعضها ببعض، فعلمت أنها ابنة من علاقة غير شرعية.

قاطع تفكيري صوت حادثة سير، بحثت عن ديما فلم أجدها. خطر ببالي أن فضولها في اكتشاف ما حدث قد دفعها إلى الالتحاق بالناس الملتفين حول مكان الحادثة.

هرولت باتجاههم وأنا أمشط بعيني المكان لعلي ألمح أثرا لديما. لكنني لم أجدها. توغلت وسط الحشد لأصعق مما رأته عيناي، لقد كانت نائمة بسلام والبسمة تعلو محياها. تقدم أحدهم نحوها تفقد نبضها ليتمتم بعدها بكلمات ظل صداها يتردد في أذناي لوقت طويل : رحمك الله.

لقد اعتبرها الجميع غلطة، لعنة، وها هي ذي الغلطة قد محيت

تساءلت في قرارة نفسي ما إذا كانت والدتها سترتاح بعدما تخلصت منها للأبد.


  • 1

  • soumia kartit
    طالبة باحثة بسلك الماستر، تخصص الجيوماتية وتدبير التراب، رسامة وكاتبة هاوية..
   نشر في 14 ماي 2022 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا