يوميات متأمل - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

يوميات متأمل

قضية الشفاعة

  نشر في 15 فبراير 2018 .

فى حياتنا الدنيا قد يقترف أحدهم ذنبا ، فيقوم الحاكم بتقدير عقوبته بعدما ينظر فى أمره ، وقد يبحث الذى نزلت به العقوبة عن شخص ذو سمعة طيبة ، أو يحتل مكانة رفيعة ، أو ربما تربطه علاقات طيبة بالحاكم ليشفع له عند الحاكم .

فلو أن الحاكم قد ألغى العقوبة ، لاعتبرنا ذلك نوعا من المحاباة والمجاملة ودل ذلك على فساد الحاكم ، أما لو قدر الحاكم دية يفتدى بها المذنب نفسه نظير جرمه ، لاعتبرنا ذلك مقبولا .. والسؤال إذا كان ذلك يحدث فى المحاكم الدنيوية فأنى له أن يحدث فى الآخرة حيث لا محاباة ولا مجاملات ولا يدفع عن العبد ذنبه إلا عمله الصالح ؟؟

- والجواب : أن الله سبحانه وتعالى رحيم بعباده ، وهو يسمح بالشفاعة من باب تلك الرحمة ، والشفاعة فى الآخرة ليست محاباة أو مجاملة ، وإنما تكريم لصاحبها ، ولكن الشفاعة أمر إلهى ، فهو يقبل الشفاعة أو يردها وهو فعال لما يريد .

على أن الله لا يقبل شفاعة الشافعين فى الكفار أو المشركين ، وانما قد يقبلها فى العصاة أو المذنبون من أهل التوحيد .

ونحو ما سبق كم تمنيت أن أضع بين يديكم مناقشة لكتاب ربما مر عليه ما يقارب العشرون سنة ، وقد كان سببا فى لغط وجدل فى الأوساط الدينية ، أو حتى على مستوى غير المتخصصين ، لما يلمس من قضية هامة تمس كل مسلم ألا وهى قضية الشفاعة .

الكتاب للدكتور / مصطفى محمود بعنوان ( الشفاعة محاولة لفهم الخلاف القديم بين المؤيدين والمعارضين) ، وهى محاولة لتقدير الأمر وصفها د / مصطفى محمود فى صدر كتابه بقوله : " ما أقدمه فى هذا الكتاب هو (محاولة لفهم) واجتهاد قد يصيب وقد يخطئ ، ولا أدعى لنفسى كمالا ولا عصمة وأرى أن من حق كل قارئ أن يختلف معى وأن يفهم القضية على طريقته ، فقد خلقنا الله أحرارا وأرادنا أن نتدبر آياته ونتفهم قرآنه كل على قدر طاقته .والله وحده هو صاحب العلم الكامل ورضاه سبحانه هو منتهى رجائنا ، وغاية غاياتنا أن نسجد ونقترب " .

والكتاب فى مجمله يتعرض لقضية الشفاعة ، ويرى أنها من الاشكاليات القديمة ، وأساس تلك الاشكالية أن القرآن ينفى فى الكثير من آياته المحكمة الشفاعة نفيا مطلقا ، وفى آيات أخرى يذكرها مقيدة ومشروطة بالإذن الالهى .

وأن السنة النبوية تروى أن محمدا (صلى الله عليه وسلم) سيقف شفيعا لأمته من أهل الذنوب والكبائر يوم القيامة ، وهذا ما يستنكره بشدة د/ مصطفى محمود ، إلى درجة أنه يشكك فى صحة الحديث الذى يخبر بأن من قال لا إله إلا الله دخل الجنة ولو زنا ولو سرق ، ويشير إلى أن هذا هراء فالمنافق قد ينطق لسانه ب ( لا إله إلا الله ) ولكن لا يطبقها قلبه ، ولا تعمل لها جوارحه .. وهنا يدعو إلى فهم السيرة النبوية من خلال القرآن ، فما اختلف منها مع النص القرآنى فيجب استبعاده ويرى أن فى هذا الحديث دعوة للإتكالية ، فهو يكاد يجزم أن أصحاب الكبائر من عصاة المسلمين الذين ماتوا دون توبة بأنهم لن يخرجوا من النار ، كما يختلف مع المفسرين بأن (المقام المحمود) الذى وعد الله به رسوله أنه هو مقام (الشفاعة) وهو هنا يفسح المجال للقارئ ليختار موقعه .

وأرى أن د/ مصطفى محمود قد أخطأ فى محاولته للفهم ، وبهذا فتقديره للأمور لم يكن صحيحا ، ولا أرى أن ذلك الحديث النبوى الذى استند عليه يتعارض مع النص القرآنى ، وطالما أن الأساس خطأ ، فلا بد وأن يأتى البناء مشوها ، وبذلك يصبح عرضة للسقوط .

غير أنى لا يمكننى تجاهل تلك الدعوة للإيجابية ، وعدم الارتكان على الاتكالية ، والمبادرة بالعمل الصالح ، والتوبة من الذنوب قبل الموت ، وهى كلها أمور طيبة يستشفها القارئ ، وتعبر عن نية الكاتب الصادقة ، وإن كان قد أخطأ فى اجتهاده ، ولم تصب محاولته.

فيما سبق عرضنا موجزا لفكرة كتاب الشفاعة للدكتور مصطفى محمود ، وأوضحنا أنه اعتمد فى تفنيد فكرته على حجج رأينا أنه يشوبها النقص ، والسؤال الآن : هل أنكر د/مصطفى محمود الشفاعة ؟؟

- فى حقيقة الأمر فإنه من خلال القراءة الموضوعية والمتأنية للكتاب ، نجد أن د / مصطفى محمود لم ينكر مسألة الشفاعة ، ولكنه حاول فهمها على طريقته الخاصة فنراه يقول : ( ونحن ما أنكرنا الشفاعة ، وإنما حاولنا أن نخرجها من المفهوم السوقى الذى يشيع فى الشفاعات والوساطات الدنيوية ، وأيناها مشروطة بالإذن الالهى ، ورآها شيخ الاسلام ابن تيمية دعاء يدعوه النبى فيستجيبه المولى ، ورآها غيره توسلا وابتهالا لتخفيف أهوال المحشر .. ولم ير فيها أحد من المفسرين رجوعا للمولى عن حكمه من أجل الشافع فهذا محال فى حق الله ، وإنما رآها المؤمنون بها تشريفا للشافع ورحمة ثابتة فى علم الله القديم )

وهو فى ما سبق يحاول أن يأصل لفكرة الاختلاف فى محاولة فهم الشفاعة ، فربما رآها بطريقة تختلف عن الآخرون ، وأن الآخرون أنفسهم ربما رآها كل على حسب تقديره للمسألة ، ولكن لكى يزول اللبث ويرتفع الغموض دعونا نقترب من محاولة الدكتور مصطفى محمود لفهم مسألة الشفاعة حيث يقول : ( والله ينكر على رسوله أن يقول مثل هذا الكلام عن أهل النار ممن حقت عليهم كلمة العذاب من كفار أو مسلمين ، كما ينكر الخروج من النار على من كتب عليهم بدخولها ، فكل من يدخل النار تتأبد إقامته فيها ، ولا يوجد فى القرآن حكاية التعذيب لأجل محدود فى جهنم )

وهنا تتضح جليا الفكرة الرئيسية التى دار حولها كتابة ، وهى أن الشفاعة لا يمكن أن تطال أهل النار من عصاة المسلمين ، أو المذنين أو أصحاب الكبائر منهم .

وأن هذا لا يصح فى حق الذات الالهية أن تقبل الشفاعة فى مثل هؤلاء ، وأن من دخل منهم النار فمصيره مصير الكفار من أهل جهنم ، حيث تأبد بهم النار ، ولا يخرجون منها أبدا .

وعلى ذلك فإن مرويات الأحاديث من أن محمدا صلى الله عليه وسلم يقف شفيعا لأهل الكبائر من أمته ، هى محض افتراء ، وهى تتناقض تماما مع الثوابت القرآنية ، ولذا فهى مشكوك فى صحتها ، وربما كانت من الاسرائيليات التى تملأ كتب السيرة على حد تعبيره .

هذا وقد استشهد د/ مصطفى محمود ببعض الآيات القرآنية التى يرى أنها يراها تنطبق على عصاة المسلمين كما تنطبق على الكفار مثل :

(وَقَالُواْ لَن تَمَسَّنَا النَّارُ إِلاَّ أَيَّاماً مَّعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِندَ اللّهِ عَهْدًا فَلَن يُخْلِفَ اللّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ * بَلَى مَن كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ )

(وَالَّذِينَ كَسَبُواْ السَّيِّئَاتِ جَزَاء سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ مَّا لَهُم مِّنَ اللّهِ مِنْ عَاصِمٍ كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعًا مِّنَ اللَّيْلِ مُظْلِمًا أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ )

(الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لاَ يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَن جَاءهُ مَوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّهِ فَانتَهَىَ فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ )

وهذه بالطبع نظرة سطحية لآيات القرآن ، وكان يجب على الدكتور مصطفى محمود أن ينظر لآيات القرآن كوحدة متكاملة ، حتى يصدر حكما موضوعيا ، وألا يأخذ ببعض آيات الذكر الحكيم ، ويتغافل عن الآخر ، وآيات القرآن لا تتعارض ، وإنها يرتبط بعضها بالآخر ، ولكى أوضح الفكرة سأضع بين يديكم تلك الآيات :

١-(فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُواْ فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ * خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ إِلاَّ مَا شَاء رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ )

٢-(وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُواْ فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ إِلاَّ مَا شَاء رَبُّكَ عَطَاء غَيْرَ مَجْذُوذٍ )

٣-(وَيَوْمَ يِحْشُرُهُمْ جَمِيعًا يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُم مِّنَ الإِنسِ وَقَالَ أَوْلِيَآؤُهُم مِّنَ الإِنسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِيَ أَجَّلْتَ لَنَا قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلاَّ مَا شَاء اللّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَليمٌ )

* والاستثناءات موجودة دائما ، والله يفعل ما يريد بما تقتضيه حكمته وعلمه الأزلى ، ويجب أن تحمل هذه الاستثناءات على كل الآيات التى تتناول مسألة الخلود فى النار ، ولكنها بالطبع لا تطال الكافرين أو المشركين ، وإنما تطال أهل التوحيد من أصحاب المعاصى والذنوب والكبائر ، ولكن بالطبع تلك الاستثناءات خاضعة للمشيئة الالهية ، فهو يختار من يشاء ، وتطال رحمته من يشاء ، وهو أعلم بعباده .

والجدير بالذكر أن الآيات فى (١) و (٣) تستثنى أهل التوحيد من الخلود فى النار ، أما بالنسبة ل (٢) فنرى أنها تؤكد على أن أصحاب الذنوب والمعاصى من أهل التوحيد ، إنما يخرجون من النار بعد فترة من العذاب يحددها سبحانه وتعالى لمن يشاء ، ليدخلوا بدورهم الجنة ، وبذلك فإن الاستثناء قد يفهم بمعنى انتقاص من فترة الخلود مقارنة بمن دخلوا الجنة فور الحساب .

وطالما أن الآيات تؤكد على أن هناك أناسا سيخرجون من النار بعد تلقى العذاب لدخول الجنة ، فما الداعى من استنكار شفاعة النبى محمد صلى الله عليه وسلم لأصحاب الكبائر من أمته ، وأين التناقض إذا بين مرويات الأحاديث والثوابت القرآنية .



   نشر في 15 فبراير 2018 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا