ركائز أعمدة الدم .. سحر ذاكرة الجسد السوداء والجدل الآرتي الأرسطي - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

ركائز أعمدة الدم .. سحر ذاكرة الجسد السوداء والجدل الآرتي الأرسطي

أمل ممدوح

  نشر في 31 أكتوبر 2016  وآخر تعديل بتاريخ 18 نونبر 2016 .

   في المسافة بين اللاوعي والوعي يعمل هذا العرض "ركائز أعمدة الدم" المثير للجدل الذاتي قبل الجدل النقاشي ..كحلقة متصلة تبدأ من اللاوعي منفى الوعي وسلته ليصب في وعيك مؤلما صادما مثيرا في نفسك حلقات متتالية كبحيرة تلقت حجرا أفزع ركودها، بهذا الأثر تصبح شريكا أساسيا في العرض فلا يكتمل إلا عبرك إن أنصتّ لإشاراته الدقيقة القادمة من عالمك الداخلي مرتكزة على الجسد وذاكرة ألمه اللاواعية كأنما تواجه ألمك تحت الماء مجردا متخففا ومثقلا معا، كذلك يعمل مسرح القسوة قادم الجذور من السيريالية والمرتحل نحو التجريد والعبث فقد جاء بين المرحلتين مع رائده الفيلسوف والمخرج الفرنسي "أنتونين آرتو Antonin Artaud" المهاجر بمسرحه من الغرب بتقاليده وأرسطيته بعد الحرب العالمية الثانية إلى الشرق بتراثه وطقوسه وأسطوريته، ومن الكلمة ولغتها إلى الجسد ولغته مطلقا إياه ومحمِّلا فيزيائيتُه مهمة التعبير غير المألوف وغير المدجن بالاعتياد أو المتوقع لتصدمك المواجهة فتتحرر نفسك ومن هنا تتحقق القسوة التي يقول عنها أنتونين آرتو "القسوة هي الحياة "بإبطال ألفتك مع ندوبك.

مع أول مشاهده يلقي هذا العرض السويدي العراقي الذي قدمته فرقة "أجساد عراقية" التي يعكس اسمها منهجها وانتماءها ضمن عروض الدورة 23 للمهرجان الدولي للمسرح التجريبي والمعاصر؛ هلبا يختطف انتباه مشاهده فيشعر أن شيئا غامضا على وشك الانفجار ..امرأة مسربلة بالسواد من رأسها حتى قدميها تدور حول نفسها بحركة آلية بطيئة في مكان ثابت في الفضاء المسرحي المتسع بالفراغ الأسود أرضية وجدرانا لتتتابع لوحات بصرية درامية غير تراتبية أو مترابطة إلا في السياق الكلي تستدعيك لعالم غريب لكن فيك ما يألفه.. هي أحلامك المتألمة أو كوابيسك وعالمك الباطني؛ صور وشخصيات غرائبية ببعد ميتافيزيقي وعالم سيريالي يضم أقنعة غريبة ووجوها ممسوخة وأرجلا خشبية طويلة وأجسادا شبحية مع حركة غريبة بصياغة تحمل ظلال العبثية فكثيرا ما تكرر شخصيات حركتها بشكل يبدو سيزيفيا لا نهائيا..أفعال وحركة متكررة دائرية أو عشوائية طويلة الزمن وكثيرة التكرار لحد الألم كامرأة تجوب المسرح بشكل متوتر متواتر عشوائي مضطرب كذرّة في حالة غليان أو أخرى تمسح الأرض ذليلة بهستيرية..لينال كل ما تراه من وجدانك المتنبه مع حواسك كلها كما يتطلب العرض،هذا الشكل السيزيفي إلى حد كبير في جزئياته لا نسقه الكلي عبر عن أزمة وجود عامة تفضي لها أزمات العرض الخاصة، وهو بذلك شديد الالتصاق بأزمة مبدعه أنمار طه كعراقي مغترب إثر مأساة وطنه ويعكس هما حقيقيا بأزمات وطنه وإنسانه بشكل قد يفوق عروضا كثيرة اتخذت أشكالا درامية أكثر تقليدية ومباشرة، فقد عرض وجوها متعددة للأزمة بلمحة إطارية خافتة تتماس مع "كاليجولا" الطاغية الروماني الشهير وبطل مسرحية ألبير كامي باسمه، يحيلك لها الربط بين منظر القمر الشاحب في أعلى وسط الخلفية الذي كان يشقي كاليجولا عدم نيله له حيث يذكره بعدم قدرته المطلقة؛ وفكرة الديكتاتور عموما المتكررة في اللوحات بصور مختلفة أحدها صورة الحاكم العسكري حيث نرى رجلا ببدلة عسكرية يتمزق ألما حد التصدع والتشنج بشكل يشمل كامل جسده يتماس مع عذاب كاليجولا كامي فيصلنا ضعفه الشديد من خلال أداء بيوميكانيكي دال على التكسر والانهيار أداه أنمار طه ببراعة فائقة ومرونة وقدرة عالية على التحكم في كل عضلات وأجزاء جسده بل ووجهه عاكسا إحساسا عميقا عنيفا بالألم والانهزام ليصاحب ذلك حالة خارجية بخلعه ملابسه مصدر قوته ليبقى بقطعة ملابس هزيلة تعري ضعفه الحقيقي ليكسر أنمار بذلك المشهد أحد تابوهات الفرجة العربية لصالح القيمة الفنية، ونرى الاستبداد والمستبد بصور أخرى مختلفة منها من يحتمل أن يكون حاكما أو غريبا مستغلا متربصا بقناع مضخم يعطي نوعا من التشويه الجروتسكي وإحساسا بالتخفي وتغييب للملامح البشرية لا يعطي خصوصية مجسدة؛ يشير بالسيف للمشنقة وللجمهور في وضع الاصطياد بسنارة بعد ركله لامرأة ببدلة الإعدام الحمراء؛ المرأة حليقة الشعر مشوهة الأنوثة في مجتمع ذكوري كوجه آخر لاستبداد يعادل استبداد الحاكم الذي تمسح مقموعة بذل غاضب هستيري الأرض ببدلته، فيما يعادل دراميا الحاكم المستبد فكرة الاستبداد الديني والداعشية في لوحة أخرى رائعة الصياغة من خلال منقبة ترتدي السواد فوق أرجل خشبية طويلة تجر فتاة ترتدي ثوبا أبيضا من شعرها مطلقة في وجهها صرخة مفزعة جاءت حادة رفيعة غامضة بمذاق ميتافيزيقي أسطوري تلتها ضحكة ساخرة، كذلك يظهر الواقع القهري للهجرة الإجبارية وألمها والتي يعجز إزاءها المهرج صانع البهجة منهزما كواقعه،هناك أيضا ذعر المرأة المكلومة ربما لفقد أو لخوف بحركتها شديدة الاضطراب في محيط أسود إثر انهيار الحاكم فوق منصة "الدم" الحمراء وما يمكن تخيله من تبعات، مع صور أخرى بصرية ثرية بتفاصيل شديدة الانضباط تصور معاناة قد يشترك فيها معظم عالمنا العربي.


العرض قدم نقدا لأوضاع متعددة عبر وقعها الإنساني المؤلم من خلال شخصيات صورت بشكل شمولي كنماذج وحالات إنسانية لا بصفات ذاتية تحمل الأبعاد التقليدية كما لا وجود لفكرة الحبكة التقليدية مما يحطم بدوره تقليدية التلقي ويجعل هذا التناول الآرتي ( نسبة لآرتو) صادما للمتلقي الأرسطي، فالجسد الإنساني وطاقته حامل سينوغرافيا العرض وبنائه ودلالاته بشكل صادم يكسر أفق التوقع لا يحاكي المنطق أو الواقع بل هو انعكاسه النفسي في سياق بصري رمزي استعاري دون إطار حدثي معتاد أو حوار حيث انحصر الكلام في مونولوجين فلسفيين ساخرين بصيغة تجريدية أدبية عن جدوى الوجود وعن الوعي والواقع ومكوناته على لسان شخصية نسائية اتخذت سمتا غرائبيا تقترب في شكل زيها الأسود من نساء العراق، بينما شكّل الصمت والسكون ترقبا وتلق خاشع وجزءا أساسيا من حالة العرض المثيرة لنوع من الغموض الجذاب بجانب موسيقى تلائم عالم اللاوعي والماورائية مع أصوات بشرية مغمغمة بلغة غامضة أو مؤثرات غير معتادة كقطرات ماء مجسدة وأصوات آلات الحرب، كل ذلك ضمن صورة تشكيلية عالية الحساسية والجمالية تجريدية مقتصدة انحصرت في فضاء مسرحي واسع زاوج بين اللونين الأحمر والأسود كتزاوج بين العنف والألم أو العدمية انتقل كذلك إلى معظم الملابس التي انحصر معظمها بين اللونين على اختلاف الشخصيات التي اتخذت أزياؤها السمت الميتافيزيقي الغرائبي أو السيريالي،هذا العالم القاتم القاسي المقدم بجمالية شعرية وتسريب دلالي رمزي هادىء ملمّح ببلاغة دون إغراق أتمته الإضاءة المرشحة الخافتة الملمّحة أيضا بين إفاضة وانحسار مع إيهامية بعدم ظهور مصدر الضوء ولا "هرسة" الإضاءة مما يجعلك تتماهى مع هذا العالم الغرائبي المتألم كإصغائك لأعماقك في توازن أتقنه العرض بين تغريب عن فكرة المحاكاة التقليدية ومألوف العين والمنطق الواقعي حركة وأداء وبين الإيهام، فهو تغريب عن مألوفك يقودك لإيهام بالحقيقة المقدمة، أما الجسد الذي قام عليه هذا العرض عالي الفنية والتميز لمدة ساعة فلثلاثة ممثلين مبدعين .. امرأتين ورجل جسد كل منهم أكثر من شخصية هم لينا داهلين وجوزفين جراي أوك وأنمار طه بطل العرض المثير للانتباه بموهبته الأدائية والفنية فهو مخرج ومؤلف العرض وواضع سينوغرافيته المسرحية والجسدية ومعد موسيقاه ومصمم إضاءته بإبداع حساس يستدعي الإشادة والالتفات لهذا الفنان بتقدير خاص له ولعرضه الذي سيبقى طويلا في الذاكرة. 

 



   نشر في 31 أكتوبر 2016  وآخر تعديل بتاريخ 18 نونبر 2016 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا