رواية الصندوق الأصفر - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

رواية الصندوق الأصفر

الفصل الثاني: الأسهم

  نشر في 21 ديسمبر 2019 .


كان ملمآ بعالم الأسهم والبورصة على الأقل فيما يبدوا لي. أحيانا عندما نتحدث مع بعضنا يبدأ يذكر شيئا ما عنها. لقد كنت لاأفقه شيئا عنها، بل في الواقع لقد كنت اكرهها، ربما لكثرة ماأسمع من ضحاياها لاأدري، لكني كنتُ أعطيه جوه وأستمع له إذا تكلم عنها مالم يتعمق بالكلام عندها أبدأ بمقاطعته قائلا: بصراحة لم أفهم شيء مما تقول، فيبتسم ضاحكا من قولي.

ركبنا مرة السيارة ورأيته حزينا على غير عادته فسألته : مابك كأنك متضايق إذا كنت تشعر بشئ فأخبرني.

إلتفت إلي وقال مع ابتسامة حزينة :

علمت اليوم أن والدي خسر في الاسهم  مبلغآ كبيرآ فقلت لأبي بحرقة:

لما لم تستشرني قبل أن تفعل ذلك فأنا أعرف للسوق وطرق الاستثمار الآمنة فيه لما لم تفعل ذلك؟. لم يرد علي بشيئ لكن شاهدت الرد في عينيه كأنها كانت تقول لي: يابني أنا احبك لكن انا لاأثق بقدراتك في الأسهم ولا أعترف أصلا بإمكانياتك لذا لم أستطع الثقة بك ولم أمنحك الفرصة. لقد كانت تلك النظرة مثل السهم اخترقت قلبي ولازلت أحس بألمها حتى الآن. أتدري، لو أنه أعطاني الفرصة ماكنت سأفعل، كنت سأبني له محفظتة ناجحة إن هو وثق بي فقط، لكن الحمد لله على كل حال.

عندها رن صوت بداخلي قائلا لي:

هذه هي فرصتك، أتذكر موقفك مع الغلاف البني في الجامعة، 

قلت: نعم أذكره.

فأجابي: إن صديقك يشعر الآن بما كنت تشعر حينها وهو على إستعداد ليبذل الغالي والرخيص في سبيل أن يرى حلمه حقيقة ماثلة أمامه. 

قلت له:  لم أفهم ماترمي إليه من كلامك؟. 

فأجابيياغبي ألم تفهم بعد انظر إلى عينيه فقط وستعرف.

 حينها جلت ببصري أتأمل عيني صديقي فوجدته يحاول حبس دمعته من السقوط. 

ثم قال لي صوتي الداخلي: 

إن صديقك هذا كان يريد من والده أن يعطيه فرصة فيجعله غنيا من الأسهم. وربما أن القدر ساقه إليك ليجعلك غنيا، فقط كل مايجب عليك هو الثقة به والإيمان بقدراته.إن هذا الشخص هو من سيحقق لك هدفك فامشي خلفه. فإن أنت فعلت ذلك فقد ضمنت وقوفه بجانبك في رحلتك.

تذكرت حينها رسائل جدي، فأدخلت يدي مسرعا في جيبي وأخرجتها وقررت أن أفتح  هذه المرة رسالة الثقة. فتحتها وإذا قد كتب فيها:

"عندما تثق بشخص ما بصدق، فهو سيعطيك كل مايملك"

لست أدري عنكم، لكني أؤمن دوما بهذا الصوت الداخلي وأراه غالبا على صواب. ومعظم قراراتي الحاسمة يتخذها هو، ربما لأني شخص يتبع العاطفة والعقل يأتي ثانيا دوما.قد يبدو فعلي غبيا لست ادري، على كل حال هذا أنا.

نظرت الى عينيه وقلت كلمة خرجت من قلبي ولم تخرج من لساني، كلمة كنت صادقا في كل حرف من حروفها:

 "أنا واثق بك وبقدراتك و أريدك أن تساعدني لأصل بقيمة محفظتي إلى أرباح 100 الف سنويآ".

قال لي ضاحكا : ايه بس ترى الطريق طويل ولازم اعرف وضعك المالي وراتبك وأهدافك المالية بالمستقبل ووو... فهل انت جاد بكلامك وتدرك ما تقوله؟.

قلت له:، ما كنت سابقا بأكثر جدية في قرار مثلما أنا جاد الآن، فقط انظر إلي عيني وستعرف مقدار جديتي.

نظر إلي وجلس يتأمل عيني، شخصيآ أؤمن بأن هناك اتصال بين العين والقلب، اتصال أشبه مايكون مثل خيط رفيع يعكس في العين مايكون موجودا في القلب. ظلت عيناه في عيني طويلا، دار بيننا حديث صامت حديث تكلمت فيه العيون وبقيت الأفواه صامتة. لمحت حينها أن عينه امتلات بالدموع لكنها مانزلت على خده، ولم أعرف ماهو سببها..

عندها قال لي: لما تريد ذلك؟.

أنا : لأحقق هدفي.

هو : وما هو ؟.

أنا : هذا شيئ خاص ولا أرغب بإخبارك عنه.

هو : حسنآ لايهمني أن أعرف فهذا شيء يخصك، لكن انت وثقت بي لعمل خطة لك للوصول إلى هدفك بأسرع وقت، لذلك سأعلمك كل مااعرف عن الأسهم وسأتابع معك اداء المحفظة بشكل مستمر.


كان هذا اللقاء الخفيف بيننا يمثل مفترق طرق في حياتي وكانت بذرته ونواته هو قصة الغلاف البني الغبي التي كرهتها. الحياة مضحكة حقا من كان يدري بأن من قلب تلك القصة التافهة قد تتولد هذه الحادثة والتي قد تجعلني غنيا. أحيانا عندما أتأمل في حياتي أجد أنني دوما كلما خططت لشيء ما، فإن الظروف والأقدار تأتي مغايرة لما أردت وكأن الحياة تقول لي: مهما تضع من خطط فإن قدر الله هو ماسيتم ولاشيء سواه. ومن تأمل قصة يوسف عليه السلام ورأى أن كل من في القصة كان له رغبات لكن في النهاية مضت رغبة الله ومشيئته سبحانه.

وابتدأت رحلتي معه كان يرسل لي على الواتساب صور كتب مثل ( الاب الغني والاب الفقير’ اغنى رجل في بابل...الخ) ويطلب مني شراءها. ثم فتحت المحفظة وكان يخبرني بالاسهم التي يجب ان أشتريها كل شهر. وليس المقام هنا مقال تحليل وتفصيل فأنا كما ذكرت أكره الأسهم.

ومرت السنين وانا متمسك بخطته ويراجها معي كل شهر تقريبا. وبعد بضع سنوات قابلته واحتسينا الشاي معآ حينها وقلت له:

أن عوائدي قاربت على الوضول إلى 50 ألف سنويا. رد علي مستبشرا: حلو بقي القليل لتصل إلى هدفك، فقط استمر على الخطة.

ثم راح يتأمل في فنجان الشاي وبدت عيناه تحكيان الكثير وفي داخلهما دمعة تقاوم السقوط، استحييت أن أسأله عن السبب، ثم قال لي كلمات خرجت من قلبه يعلوها الحزن والأسى: 

"أتدري، لقد كنت أتمنى أن يكون الشخص الواقف امامي الآن هو أبي وليس أنت".

لقد علمت اخيرا سبب دموعه في بداية لقاءنا منذ سنوات، كانت دموع حزن وألم فهو كان يتمنى أن يسمع تلك الكلمات التي قلتها له من شخص آخر، لقد كان يتمنى أن يسمعها من والده. فالابن دوما يتمنى ان يثق به ابوه ويؤمن يقدراته.

ظللت ساكتا لوهلة ولم أدري مااقول حينها. وكنت قد جهزت مبلغا بسيطا من المال ( 10 آلاف ) كنت ارغب في إعطائها له نظير مساعدته المجانية لي.

أدخلت يدي في جيبي وقلت: جميلك ماراح انساه و تفضل وهي قليلة بحقك وانت ...

وقبل ان أكمل كلامي قاطعني قائلا: كم مرة حاولت ان تعطيني مالا فرفضت؟.

أنا : كثير، عدة مرات.

هو : اتدري لماذا أرفض، لانك قد دفعت حسابي مقدما،  بل إنك دفعته ومعه إكرامية أيضا.

أنا باستغراب : لكني لم اعطك شيئا.

حينها قال لي: بل فعلت وأعطيتني الكثير أيضآ، أعطيتني شيئا كنت أتمناه طول عمري أعطيتني إحساسا لأول مرة يلامس قلبي. لم يكن حلمي قي يوم من الأيام أن أصبح غنيا، لذا كما تعلم فإني لم أستثمر مطلقا في الأسهم، بل أني لاأملك محفظة حتى، إنما تعلمتها كهواية لحبي لتحليل الأرقام و محاولة استقراء للمستقبل. لطالما كانت هناك فجوة في قلبي لم أستطع ملئها وكان فراغها يؤلمني دوما حينما أنظر إليها. لقد كنتُ كالطبيب الذي بيده العلاج لكن المريض لم يثق به وقال له : ابتعد عني، أنا لاأحتاجك .

 لكن كل ذلك تغير منذ حديثك لي في المرة الأولى.

أتذكر لقاءنا ذاك حينما كنتُ معك ونظرت إلى عيني وقلت بكل ثقة أنا أثق بقدراتك وسأمنحك الفرصة، حينها فقط امتلاءت تلك الفجوة في قلبي وأحسست بسعادة لم أشعر بمثلها مطلقا لقد أعطيتني الدواء الذي شفى قلبي وداوا جراحه. لذلك أنا مدين لك بأكثر مما تتصور. لقد وثقت بي بصدق , وهذا أثمن عندي وأغلى من أي شيئ آخر قد تعطيني إياه. لقد حققتَ حلمي وكان لزاما علي أن أرد بالمثل وأحقق حلمك بالمقابل. ولذلك سأكمل معك الطريق إلى أن تصل إلى هدفك. قد علمتني الحياة أن أفضل مايمنحه الأب لابنه والصاحب لصاحبه بعد الحب هو إعطاءه الثقة.

 إن وصولك لهدفك الذي رسمته أنا بيدي هو أغلى مكافأتي تقدمها لي.

 أنا: واو كلام كبير، أتعلم شيئآ ، لقد غيرت حقآ في داخلي أشياء كثيرة ، لقد كان همي أن أجمع المال فقط لأجل المال. لم أكن أبالي بالمشاعر النبيلة أو الغايات السامية، كنت أرى المال فقط مجرد أرقام يعلوا الواحد فينا إذا علت أرصدته.


كانت رحلتي قد اكتملت قبل أن تبدأ ولوحتي جفت منذ مدة طويلة فالقصة كانت مكتملة الأركان بالنسبة لي منذ أن بدأت أحداثها.

ليس وصولي إلى هدفي هو ماسيكمل الحكاية ، كلا ليس الأمر كذلك. فما وصولي له بالنسبة لي إلا كهامش الكتاب أو  هو مثل آخر قطعة من أحجية الصور المقطوعة. أما الصورة فقد أصبحت واضحة ومكتملة منذ بدايتها.

فالصورة اكتملت ، عندما وثقت به وآمنت بقدراته واتبعت نصائحه.

ونهاية الرحلة ليست عندما نصل إلى الكنز كلا،  بل إنها تنتهي عندما نمسك الخريطة ونبدأ رحلة البحث عنه فإما أن نجده أو قد يكون أخذه من كان قبلنا، أو أن نموت أثناء بحثنا عنه.

وربما قد أصل لبقية العوائد وربما لا، وربما أخسر حتى العوائد الحالية، في الحقيقة هذا الأمر أصبح لايهمني كثيرا، مايهمني حقا هو أنني وثقت بحدسي تجاه شخص ما وكنت على صواب. ولم يخيب ظني فيه لذلك انا سعيد حقا.

 هناك حلقة مفقودة في الحكاية ربما ستكشفها لي الفصول الأخرى، والأيام حبلى بالمفاجآت دوما. لااتوقع ممن يقرأ كلامي أن يفهم مقصدي الحقيقي ولا أريده أن يحاول حتى، فأنا لم أظهر كامل الرسمة أظهرت منها جزءا يسيرا فقط وأخفيت الباقي وحسبك من القلادة ماأحاط بالعنق.

سأظل دوما أنتظر ذلك اليوم عندما يسألني أبنائي: يبه وشلون جمعت مليونك الأول؟.

عندها سأجيب:أنا لم أفعل شيئا ما مطلقا، فقط وثقت بشخص ما وأعطيته الفرصة وكلنا ذاك الشخص الذي يحتاج للفرصة،لذا ياأبنائي سأكمل مابدأته سابقا وسأمنحكم الفرصة لفعل ماانتم تؤمنون بقدرتكم على انجازه فأنا أثق بكم.

وستظل دومآ حكمتي في الحياة هي: 

"إن الحياة تجارب وان حرمتني التجربة فأنت بذلك تحرمني الحياة".

أنا: والآن أريد أن أسألك شيئآ كان يجول في خاطري منذ مدة، مادمت بهذا التفكير الإستثماري، لما لم تصبح غنيآ؟.

هو: ههههههه، لاأريد ذلك، إن دخلي جيد ويضعني من الطبقة المتوسطة، أنا لاأريد أكثر من ذلك، لم أهتم يوما بجمع المال وكنزه، لايهمني إن امتلكت مليونا او عشرة آلاف مادمت سعيدآ مع عائلتي الصغيرة متمتعآ بأساسيات الحياة وبعض الكماليات. والآن وبعد أن أنهيت مهمتي معك ، أريد سؤالك عن شئ ما كان يجول في خاطري منذ زمن وأرجوك أصدقني الإجابة عليه.

أنا: وماهو؟

هو: لماذا وثقت بي كل تلك الثقة لماذا منحتني حرية تقسيم دخلك وأقسمت أمامي على إتباع خطتي لماذا فعلت كل هذ، وأنت أصلا لاتعرفني إلا منذ مدة قصيرة، لم يسبق أن وثق بي أحد كما فعلت أنت، من أين أتيت بكل تلك الثقة فيني إعذرني على وقاحتي لكن هل أنت غبي!!؟

أنا: من عينيك، أتيت بها من عينيك، عندما أحتاج لإتخاذ قرار مصيري فإني أضع عقلي جانبآ وأتبع قلبي،عندما ، نظرت إلى عينيك سابقآ قال لي قلبي: امش خلفه وستصل إلى ماتريد.

عندما أرى كنزآ أمامي فإني آخذه حتى لو لم يأخذه أحد غيري، لقد اعتبرتك كنزآ ولم أكن مهتمآ إن اعتبرك الناس كذلك أم لا. قد لا يبدوا كلامي منطقيآ بعض الشئ حسنآ لابأس فنحن الناس العاطفيين تحكمنا عواطفنا قبل عقولنا ونتأخذ قرارتنا بناء على إيمان عميق وليس على معطيات خارجية. قد تبدوا صفة سلبية عند البعض لكنها أوصلتني إلى ماأريد لذا أنا سعيد بها.

والآن  أتذكر عندما سألتني لماذا أريد الوصول إلى تلك العوائد السنوية أنسيت؟

هو: بلى لم أنسى ذلك.

أنا: ألا زلت ترغب بمعرفة الإجابة عن ذلك ؟

هو: بلى أرغب بذلك.

أنا: حسنآ سأخبرك بهدفي الحقيقي، 

حتى أتمكن من الإبحار بسفينتي...

نلتقي في الفصل القادم بعنوان: السفينة.



   نشر في 21 ديسمبر 2019 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا