أطفال اليوم وابن أختي - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

أطفال اليوم وابن أختي

  نشر في 09 يوليوز 2018  وآخر تعديل بتاريخ 10 يوليوز 2018 .

كنا مع طفولتنا، آدميين، نُسأل فنجيب، ونضربُ فنبكي، ونُهدى فنفرح !

‏-الصدق أننا لا نهدى، لكن لو حصل ذلك سنفرح-

‏وأطفال اليوم أجساد لها خوار، فلا ترجع قولا، ولا شعورا !

‏يأتيك طفل مع أبيه، فترجو رحمة الله برحمته، وتقبل على وجهه لتقبّله رجاء قبول الله؛ فيصد عنك، بل ويضع يده على فمك، وإن قبّلته مسحها !

‏هوّن عليك أيا الحجر الأسود !

‏وإن رأيت طفلة، معها لوحها، مددت إليها يدك الكريمة، التي رفعتها لله تدعو، ووضعتها على الأرض ساجدا، وتصدقت بها؛

‏فتقول وأنت في كرب وحزن: سلّمي !

‏فترد عليك: ألا ترى أن يدي مشغولتان!

‏ثم تكون يدك التي تصدقت بها، صفعت بها !

‏وكنا مع طفولتنا مدركين؛ بل وموثوقين، ومستأمنين؛ إلا كأس الماء فكُنا نتفل فيه، ولا يطعن هذا في أمانتنا أبدا !

‏فأطفال اليوم نجلب لهم الماء وهم منبطحون !

‏وكنا في طفولتنا نصلي ونصوم ونتلو القرآن، ولولا خشية الرياء لقلت: ونحج !

‏واليوم إن جئت لابنك الذي كأنه الملعقة، نحيف، وله رأس بيضاوي، لتأمره بالصلاة في المسجد، قالت أمه: أخاف على وليدي اتركه يصلي في البيت!

‏تخافين من ماذا؟ أن يحرّكوا به السكر؟

‏وبنتك و لها جديلتان كأنها رقية أم محيميد؛ إلا أنها ذات أسنان عليها تقويم .

‏تقول لها هيا معي تسلمين على عماتك وجدتك؛ ردت أمها خلّ بنيّتي ستجيئها صديقتها سافي .

‏فلا يسعك حينها إلا أن تسحبها مع تقويمها بالمغناطيس !

‏وكنا ندرك أن الطفولة مرحلة عمرية، نتخطاها لغيرها من المراحل، وكان أهلنا يعينوننا فيمسكون بأيدينا لنصعد درج العمر، ونكبُر!

‏واليوم صارت الطفولة دائمة آبدة!

‏ودخلنا المسجد الحرام وأنا ابن تسع سنين وابن أختي له خمس سنوات؛ ملبيين نرجو الله والدار الآخرة، ونرائي شيئا قليلا؛ فواعدنا أهلنا عند باب السلام بعد العمرة!

‏وباب السلام هذا، اعتدنا في عائلتنا ألا نذكره إلا ونغني بعده ياحمامة غريبة عند باب السلام، ولا أدري لم؟!

‏أمسكت شمال ابن أختي بيميني وكنتُ المسؤول عنه؛ فأنا أكبر منه سنا وقدرا؛ فأنا خاله.

‏وطفنا طوافا نرمل فيه، و كنا نختصر الطريق فلا نطوف حول الحِـجر؛ بل ندخل بين جداره والكعبة؛ فانتهى طوافنا سريعا، وليته لم ينتهِ!

‏وأخبركم ما صار عقب ذاك الطواف !

‏أخبرني ابن أختي أن به حسرا من بول، وقد جربت الطواف و كان سهلا خفيفا سريعا، وظننت أن السعي سيكون مثله؛ فقلت نسعى ونبول بعدها؛ فسبّح وهلّل أو اسكت.

‏فكان "يصوي" في كل شوط وأزجره أصبره، حتى بلغنا آخر الأشواط؛ فصار يقول أذهب وحدي والدمع في عينيه، وأظنني شتمته فما استطاع ذهابا !

‏في أخر شوط من تطوافنا بين الصفا والمروة، فرحت، وفرح ابن أختي أنه سيبول، ثم تذكرت أننا لابد أن نحلق أو نقصر؛ فلا حمام قبل الحلاق !

‏فبحثنا عن مقص حتى وجدناه وكان الصف طويلا، كلهم يريد أن يتم عمرته !

‏وابن أختي يصوي !

‏وأنا في غمرة الفرح، رأيت ابن أختي وهو بجانبي يتلوّى كأنه راقصة عند المعتصم بن هارون؛ فضحكت من مظهره، وما زلت أضحك، حتى شعرت بلسعة في بطن قدميّ؛ فخفت أنه الموت جاءني!

‏فلما نظرت أسفل مني إذا هو قد بال، والذي يلسعني بوله، ويرفع ساقه يريد كتمانها وينزله، فكأنه ماطور، يصب صبا !

‏فصفعته ونهرته، أتبول فوق المروة؟! أيا عظم الذنب!

‏وبقينا في صفنا والبول يجري مجرى الماء من العلو إلى الدنو، حتى قصرت من شعره وقصرت من شعري، وهو يحك ساقه بقدمه ثم ينزلها ولم يقف !

‏فأتممنا عمرتنا بعد تقصيرنا، وذهبنا للحمام، وفي الطريق أشتمه وأقول:

‏أورع أنت؟ أبزر أنت؟

‏انظر بالله عليك ‏كل هذا والله وانا ابن تسع أو ثمان، وهو ابن خمس أو ست!

‏فذهبنا للحمام فأدخلته، وقد ملئ إزاره ورداؤه؛ فنزعتهما عنه وقلت بغضب: بُل الآن !

‏فقال: خلصت !

‏فما زلت أشتمه وأضربه في حمامات الحرم، وهو يصرخ، ولولا أني طفل مثله لظن الظانون أنني أغتصبه !

‏أكثر ما أغضبني أنه أنهى بوله!

‏وكنت مع طفولتي أعرف الحلال والحرام، وأعرف أن الله أوجب فلا بد أن نفعل.

‏فذهبت أستفتي في مسألتي، ما حكم فعلتنا ياشيخ فلم ننظف وسخنا، وهل تتم عمرته وقد نقص وضوءه، وأسئلة أخرى!

‏لكنني كذبت؛ فلم أقل أنه ابن أختي، قلت ابن خالتي الصغير؛ فأي شرف أن أكون خال بائل في المسجد؟

‏وكان أهلي يأمروننا بالصلاة؛ فنذهب أنا وابن أختي للمسجد، وكان إمامنا يطيل!

‏ثم عرفنا مسجدا نسميه مسجد الصندقة، كانت صلاته أسرع؛ فصرنا نذهب إليه ونجيء مبكّرين؛ فيشك أهلي في صدقنا، أصليتم ؟!!

‏فصرنا نصلي في الصندقة ونجلس في البراحة حتى ينتهي مسجدنا ثم ندخل، ونقول صلينا في المسجد !

‏ورآنا مرة قريب لنا وزوجته؛ فحسب أننا لم نصلّ فأخبر أهلنا وفضحنا،

‏فبتنا نصيح صلينا في الصندقة، ولا نُصدّق، وكيف يصدقوننا وهذا وزوجته لا يسكتان !

‏وبعدها صلينا في الصندقة، وكنت قبل ذلك أكذب، إلا هذه المرة قلت صلينا في الصندقة، وسألوا ابن أختي؛ فقال صلينا في المسجد !

‏نكبة في سفر و حضر، كيف يصدقونني الآن؟

‏فوالله أحسب أهلي إلى اليوم يشكون في صلاتي، ولو خطبوا لي لمدحوني عند أهلها ثم قالوا: إلا الصلاة فلعل الله أن يهديه !

‏وأبي على حنانه ورأفته ولطفه وطيبه، كان يعاملني كأنني طفل رجل، فيستشيرني ويعتب علي ويوصي ويشكر، ويلاعبني ويضحك .

‏ولا أذكر أنني كنت طفلا عنده إلا مرة على العشاء ضحكت، فعقد أبي حاجبيه متعجبا، فضحك ابن أختي وضحكت أكثر؛ فغضب واحمر وجهه، فضحكت أكثر، ما استطعت كتمانها وخرجت، أقصد طُردت!

‏هذا شيء من طفولة أمسنا، مع أنني والله كنت مدللا، وعندي ألعابي وأصدقائي؛ ولو سألتم من عاش الطفولة عيشها لرأيتم.

‏ثم نكبر من بعد طفولة ونعقل !

‏واليوم أطفال أصنام، ولا يكبرون !

‏فنعوذبالله من عموم البلوى، ونسأله قرة العين!

‏ولولا الإطالة لذكرت ما قصه علينا أبي من طفولته،

‏فنعوذ بالله من طفولة دائمة، وميوعة سمجة؛ فلا ثقة ولا مسؤولية ولا فقها ولا عقلا؛ ولا مشاعر ولا ضحكا ولا تربية ولا بكاءً . 



   نشر في 09 يوليوز 2018  وآخر تعديل بتاريخ 10 يوليوز 2018 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا