العروبة المظلومة - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

العروبة المظلومة

  نشر في 23 يوليوز 2016 .


في ظل ما تعيشه بلادنا من حروب وانقسامات ارتفعت وتيرة الأزمات الفكرية والاجتماعية الموازية لتلك الحروب , وعلت أصوات هنا وهناك تهاجم العروبة والفكر العروبي على شموله جملة وتفصيلا ، وتدعو هذه الاصوات الى الغاء الهوية العربية والتخلي عنها والخروج من عباءتها والنظر الى أن العروبة اثم وجرم وهوان وتحميلها كل المصائب التي نعيشها اليوم , وزيادة في الهجوم على العروبة والهوية العربية لشعوب منطقتنا تدعو تلك الأصوات الى انكارها والعودة عنها الى هويات فرعية والاصرار على تضخيم هذه الهويات وجعلها بديلا وسبيل خلاص ، وتسوق تلك الاصوات ـ وفي معرض اتهام العروبة بالفشل ـ مبررات ليس لها صلة بالحقيقة والواقع.

هل يمكن لعاقل أن يصدق هجوما على العروبة باعتبارها هوية مخترعة غير ذات معنى باستدلاله على ذلك بممارسات احزاب أو انظمة حكم أو اشخاص نسبوا انفسهم الى الفكر العروبي أو اعتبار أخطائهم البشرية دليلا على خطأ هذا الفكر ونسفه ومهاجمة المنادين به؟

هل يمكن أن لا نستسخف رأيا يقول بأن لا وجود ولا معنى للعرب والعروبة والمناداة بها لأن نظام حكم هنا عادى أو ارتكب فعلا بحق بلد شقيق أو جار هناك ، وهل يمكن الحديث عن مصير فئة صغيرة أو الادعاء بهوية فرعية داخل الهوية العربية الجامعة دون أن نستهدف بهذا السهم المسموم الموجه للعروبة نفس تلك الهوية الفرعية؟

هل یمکن الرکون الى أن تمزق الأمة العربية واحتراب بعض ابنائها وانقسامهم اليوم دليل عدم وجود أمة عربية وهوية عربية ، وبرهان نظرية افلاس الفكر العروبي والمناداة بتبني فكر فئوي ضيق يعود بنا الى زمن الضياع الأكبر ويبشر بتفتيت المفتت وتجزئة المجزأ.

هل يعقل أن ينفي البعض وجود عوامل ومقومات تجمع أبناء الامة العربية أكثر من المصلحة بقليل ، وهل يعقل أن لا يرى البعض شعوب وأبناء البلاد العربية وأمالهم وتطلعاتهم ، وأن يجزموا على أن لا جامع بينهم ولا مشترك لمجرد أن خلافا بين أنظمتها منع اظهار هذه المشتركات؟!!

لماذا تجتمع الانظمة الرجعية والتابعة مع قوى حاقدة على العروبة علت أصواتها الهجومية عليها في السنوات الأخيرة ولماذا الآن وفي لحظات الضعف والاحتراب والانقسام تظهر هذه الأصوات وكأنها جزء من حرب محمومة على العروبة ومفكريها وقواها ، لنلاحظ حملة شيطنة وتخوين وتشنيع وتلفيق الاكاذيب لتشويه العروبة ودعاتها في مقابل ضخ سموم الانقسام والتفرقة والعودة لعصبيات وهويات مدمرة لن تقوم للأمة بعدها قائمة.

ألم تمثل اللغة عاملا أساسيا في تكوين هوية الامم عبر التاريخ ، أين هي الامة التي تخلت عن لغتها في عصرنا الحاضر ، من هي الشعوب التي لم تعتمد لغتها كعامل أساسي في تكوينها وفي التعبير عن هويتها ، من هي الجماعة البشرية التي اعتبرت أن التواصل والتفكير بين أفرادها وداخل مجتمعاتها بغير لغتها الأم هو دليل على اندماجها وتماشيها مع قيم الحداثة والتطور ،

هل يمكن لنا أن ننكر مثلا تعاطف الأمة الألمانية مع الأفراد من جوارها الناطقين بلغتها ، وهل يتخلى الألمان عن من يعرفون نفسهم بهويتهم الألمانية ، وكذلك يفعل الفرنسيوين سواء بسواء مع اليابانيين والكوريين والانكليز والاسبان ، ألم تعتمد القوى الكبرى خلال مراحل الاستعمار الى السعي لالغاء الهويات الأصلية للشعوب المستعمرة بإلغاء لغاتهم ، وما من أمة فقدت لغتها الا فقدت قابليتها للحياة . إن الهجوم على العروبة وارتفاع الأصوات المشككة والمزورة والطاعنة بها قد تكون الدليل الأقوى على صوابية الرؤية العروبية وأنها الهوية الأبقى لشعوب هذه المنطقة وأبنائها ، رغم ما يمكن أن يعتريها من ضعف هنا وقصور هناك

لقد كانت البوصلة التي تدلنا على صوابية خياراتنا وما نتبناه من افكار ونمارسه من سياسات هي ممارسات وأقوال السيد الأمريكي ومن يدورون في فلكه ، فلننظر مثلا الى العراق ولنتذكر كيف تعامل الأمريكي مع بلد كان واحدا موحدا بأرضه وشعبه ليكون بعيونهم مكونات لا تستهدف فيها الا العروبة فقد وزعوا المكونات على سنة وشيعة وقوميات كردية وتركمانية وعربية متناسين أن العرب شيعة وسنة وأن السنة عرب وكرد وتركمان فكيف تستوي أمور التقسيم وفق ذلك ، هل يحق لدعاة العروبة التساؤل عن هذا ؟

الأمة العربية واحدة هذه حقيقة وليست خيالا ولسنا حالمين ولا عرافين نبث الخرافات والشعوذات ، الحقيقة تقول أن الشعور بالانتماء العربي لدى أبناء هذه الأمة هو شعور عام والتعبير الأغلب لدى هؤلاء في التعربف عن أنفسهم انما هو بالهوية العربية ، وان الحرب التي نعيشها اليوم والشعور بالضياع والخذلان والضبابية في تحديد الخيارات المستقبلية لنا كدول بكياناتها وتشكيلاتها الحالية تثبت حاجتنا الى استدعاء العروبة هوية وفكرا وممارسة وربما فرصة أخيرة للبقاء.

لا بد من الاشارة دوما الى أن فكرة العروبة ليست وليدة مرحلة تاريخية بعينها كما أنها ليست ردة فعل على حدث أو ممارسة أو تصرف هنا أو هناك ، وأن العروبة فكرة تجتمع فيها كل مقومات الكمال فهي جامعة حضارية عادلة تستوعب الجميع ، وإن أي دعوة الى وحدة أو تجمع داخلها هي دعوة محمودة وليست في خصومة معها كما أن أي دعوة للتوحد خارجها هي دعوة محمودة لا خصومة معها.

لا خلاص ولا عاصم لنا الا العروبة ... وهذا فكر يحمله كثير من شباب الأمة بعد شيبها ، العروبة التي تحمل العدل والخير والنهضة ، العروبة الهوية الجامعة التي لا تظلم اهلها من قوميات أخرى ولا تعادي الآخرين لاختلافهم بالعرق أو الفكر أو الانتماء ، العروبة الديمقراطية التي تؤمن بحق التداول السلمي للسلطة ، العروبة التي تحافظ على استقلالنا الوطني والقومي ، العروبة التي تجدد نفسها وتنظر بعين منفتحة للعصر وطبيعته ومتطلباته ، العروبة التي تجمع ولا تفرق ، العروبة التي تسعى لتنمية مستقلة شاملة يستفيد من خيرها الجميع ، العروبة التي تدعم الاحرار وتنشد الحرية والتحرر ، العروبة التي تتبنى العدالة اجتماعية نهجا وسلوكا وممارسة ، العروبة التي ستوحد يوما ما بلداننا العربية في صيغ مبتكرة وقابلة للتحقق والاستدامة.

لا بد ان نلتمس عذرا للمكلومين واصحاب النكبة التي نعيشها اليوم والتي بدون أدنى شك أثرت وتؤثر عليهم وعلى أحكامهم تجاه العروبة وتحميلها وزر ما نحن فيه ولهؤلاء لا يوجه كلام ولا يخاطب عندهم عقل لأن الغضب في كثير من الاحيان يخفف من سيطرة العقل كما يخفف من قدرته على المحاكمة والتفكير.


  • 3

   نشر في 23 يوليوز 2016 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم













عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا