رسائل من المنفى (2) - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

رسائل من المنفى (2)

إلى أمي في كل حين ومنها إلى كل أمهات العالم ...

  نشر في 09 مارس 2019 .

"العالم ليس مصنعاً لتحقيق الأمنيات"



صباح الخير يا أمي...

مساء الخير،أو كيفما تريدين ...

تحية القلب بتوقيت وصول هذه الرسالة إليك؛كالعادة أكتب إليك من منفاي الإختياري هذه الرسائل التي لن تقرأينها أبداً،دون كل الذين يقرأون وأعرف أنكِ وحدُكِ من

تصله لا أدعي أنك تعلمين الغيب؛حاشا لله،ولكن أعلم أنه بفطرتك الأمومية تعرفين كل ما أفعله وتحسين بذلك الذي أُمْكِرُ أن أخبرك به ؛ وذلك لأنني أعلم أنك تعيشين يومك بي... لا أدري إن كانت هذه العبارة صحيحة أم لا،ولكنها الانسب

كيف حَالكِ اليوم ؟

كيف حَالكِ ؟ هذه الجملة تعرفين- يا أمي - أني دون الجميع أستخدمها بطريقتي الخاصة لا أعني بها السلام وحسب؛بل أعينها بكل ما تحمل من حروفٍ ومعانٍ

إذ أنها - وللأسف - أصبحت جزءاً من سلامنا، ونحن إذ نسأل الآخر كيف حالك ؟

لم يكن يهمنا في الحقيقة كيف حاله بل لأنها أصبحت جزءاً من التحية... والسلام

كم شخص عزيز صادفناه وعرفنا ما بِه من عبارة كيف حالك ؟

لا أحد...

أعلم أنه لا أحد،وذلك لأننا (أمةً شَكُوره) نَحمُدُ الله على كل حالٍ ...(والحمد لله) على هذا.

إنطلاقاً من العبارة أعلاه "العالم ليس مصنعاً لتحقيقِ الأمنيات"

أخبرك أنني أقرأ هذه الأيام لجون غرين كتابه المثير للجدل (ما تخبئه لنا النجوم ) تلك العبارة التي يرددها بطلي الرواية المراهقين المصابين بالسرطان اللعين،الفتاة الجميلة هازل غريس والفتي الوسيم (أغسطس واترز) هذه الصفات لم يصبغهم بها المؤلف هي فقط من خيالي المجرد، فقط تصورتهم هكذا...

الرواية تشبه تماماً حكايات جدتي،هازل المريضة بسرطان في الغدة الكظرية على ما أعتقد وتمدد فيها السرطان وتمادى حتى أفسد رئتيها؛ حتى أنها أصبحت تعتمد على اسطوانة الأكسجين المحمولة بشكل دائم.

"يا لها من مسكينة" أعرف أنه هذا ردك،ليس خيالاً؛ولكني أعيش يومي بك كما تعيشين بي، والآن أرجوكِ كفي عن البكاء الأن وأمسحي دموعك فأنا فقط أحكي لك عن قصة لا أدري هي حقيقة أم من خيال المؤلف ولكني أحسست بكل تفاصيلها وأعرف جيداً أنك تتعاطفين معهم للحدِ البعيد،وأعلم أنك تبكين الآن لأجلهم كما كنتِ تفعلين مراراً في السابق، كلما حكوت لك عن تجربتي في مستشفى (السرطان) والتي عملت بها لفترة صغيرة جداً وكنت تتأثرين بما اقص عليك من حالات.

هازل غريس هذه ... والتي كانت تُحٍب أن تُنَادى بهازل فقط كانت تعتقد أنها قُنبلة يدوية،يمكن أن تنفجر في أي لحظة ولم تكن تريد أن تسبب أذى لأي أحد؛ لذلك كانت تحب أن تكون علاقتها بالجميع سطحية حتى لا يتعلق بها أحد و يُؤذَى ساعة رحيلها حتى والديها كانت لا تريد أن يحبونها كما يحب الآباء الأبناء وتردد لهم دائما أنها (قُنبلة يدوية). أعرف أن هذا ربما يبكيك - يا أمي - لا تحتملين ذلك وأنت التي تملكين قلباً يسع الجميع.

بالله عليك لا تبكي،حتى لا أبكي أنا.

هازل هذه ؛ عمرها ستة عشر عاماً منتفخة الخدود من أثر العلاج الكيمائي الذي تتعاطاه إلا أن ذلك لم ينقص من جمالها شئ.

لا يا أمي لم أرها،فقط تخيلتها.

أعرف أنك تسألينني الآن كيف عرفت أنها جميلة ؟ وقلت إن الكاتب لم يصفها؟

بخيالي... بخيالي فقط يا امي !! تعرفين أنني أمتلك مَخِيلة قادرة على أن أصنع بها صوراً عديدة.

هازل تلك،مغرمة بكتاب (محنة عظيمة) لبيتر فإن هوتن - والتي على أغلب الظن أنها ستُخْدَع بِه قَرأَتْ الكِتاب كثيراً جداَ وتَعلّقتْ بِه لأبعد الحدود. وكانت ترى أنه يمثلها أو ربما يحكى لها عن المراحل المقبلة من حالتها المرضية حتى قبل أن تصلها.

أما أغسطس،الفتى الشجاع هو الآخر يُعانِي من ذلك المرض اللعين،مُصاب بسرطانٍ في العظم وبُترَتْ رِجله بسببه.

أرجوك يا أمي لا تبكي؛هذه مجرد قصص لا تعنينا،فالواقع أكثر إيلاماً منها

إذن لن أكمل لك حكاية الكتاب هذا لأنني لا أضمن أنك لن تبكين تأثراً لهم وعطفاً على حالِهم.

نَسِيتُ أن أخبرك أن ليلة أمس العاشر من أكتوبر كنت قد أكملت تماماً سبع أعوام منذ دخولي الجامعة،أتذكرين يا أمي أيام دخولي، بالضبط كان التاريخ العاشر من أكتوبر للعام (2010) م. أعلم أنه تاريخ مميز أو ربما أصبح كذلك في بقية حياتي، هذا هو العام الذي إلتقيت فيه إخوتي.

لا أقصد أشقائي يا أمي.

بل أقصد إخوتي ... إخوتي

انت تفهمين- يا أمي - أرجو أن تكفي عن إرباكي؛فذلك يجعل منظري مُضحكاً

ولا شك انك الآن تبتسمين لأنك اربكتني و لأنني لم أستطع أن أوصل إليك ما أريد.

لا أدري كيف مَرّ تاريخ مميز كهذا في ذاكرتي عابراً،أخشى أن تكون هذه بوادر الشيخوخة المبكرة ربما شيخُوخة الروح لا العمر وربما الاثنين،إذا استمريت في نسيان تواريخٍ مهمةٍ كهذه في حياتي القادمة؛كان الله في عوني، ثمة تواريخٌ يا أمي ينبغي أن لا ننساها لأننا تعلقنا بها؛لأنها عاشتنا وأمسينا (عالقين) بها بأي حالٍ من الأحوال.

في جامعة الإمام المهدي وقبل سبعة أعوام تحديداً كان لقائي بهم - بالتحديد في مجمع القَوزْ (كلية الطب والعلوم الصحية) كنا جميعاً ندرس ذات التخصص بكالوريوس (علوم التمريض) كانوا شيئاً غريباً؛سرعان ما أصبحنا رغم شتاتنا شيئاً واحداً،ربما كُنّا مُجبرين أن نتحِد في بادئ الأمر لأننا نتشارك ذات الهم والهدف لكن بمرور الأعوام (لا أقول الأيام ) صرنا شيئاً واحداً إذ مكثنا مع بعضنا جميعاً أطول من ما كنا نقضي الأيام مع أهلنا .إذاً كيف صِرْنا هكذا شيئاً واحداً ونحن شتى ؟.

خلال تلك الأعوام ضحكنا جميعاً،بكينا كلنا،تآنسنا،لعبنا ،تخاصمنا و تسامحنا

ثم ماذا ؟

إفترقنا ...

إفترقنا يا أمي بعد أن كنا شيئاً واحداً وكأن الحياة لا يرضيها أن نكون مجتمعين هكذا أو كأنها تريد أن تذيقنا طعم الفراق مهما كُنّا !!

جمعتنا الحياة دون أن نختار ثم وحدّتنا دون أن ندري،ثم فرقتنا دون أن نريد تمنينا لو بقينا معاً أكثر ولكن "العالم ليس مصنعاً لتحقيق الأمنيات" كما يقول جون غرين

تمنيت لو أننا كنا كما سابق عهدنا نلتقي كلما تمنينا ذلك،ولكنك كما تعلمين "العالم ليس مصنعاً لتحقيق الأمنيات".

لو تعلمين كما بكينا في اليوم الأخير لنا في الجامعة،يوم أن خرجت نتيجة إمتحان (الإكستيرنال) في مستشفى كوستي بكينا كثيراً يا أمي بكينا فرحاً وحزناً في آنٍ واحد.

فرحنا بأننا قد أكملنا تعليمنا الجامعي،فرحنا لأننا سنتوج بشهاداتنا بعد طول صبر فرحنا لأننا الدفعة الوحيدة التي لم يتخلف عنها أحد؛تخرجنا جميعاً

حزنا يا أمي.. و

حزنا لأننا لا ندري هل نلتقي ثانيةً أم لا ؟ بكينا لأننا سنفترق دون أن نجتمع كل صباح بكينا لأنه لن تكون هناك مساحة قادرة على تجميعنا

تمنينا ان نبقي تلك اللحظة طويلاً أن نوقف الزمن عندها ولكن ماذا ؟

نعم تماماً كما تعلمين.

"العالم ليس مصنعاً لتحقيق الأمنيات"

أردت أن أحتفي بتخريجي لأجلكم،لكنني تراجعت للحظة أخيرة،تركت الاحتفال بتخريجي،تركته طوعاً؛أردت ألا أحتفل بفراقهم.

وأردتهم في ذات الوقت أن يحتفلوا بفرحتهم كلٌ ينظر للأمر من زاويته،لأجلهم ولأجلي لم أحتفل بتخريجي حتى لا يذكرني ذلك فراقهم،وليتني فعلت اقلاها أن جراحي لن تنسيني تاريخ كهذا.

ربما لاحقاً يا أمي سأحكي لك عن الأغنيات التي كنا نؤديها جميعاً وكأننا كورال قد حفظها مسبقاً، كنا نؤدي ذات اللحن للمرة الأولى بإنسجامٍ تام، وكنا ندهش من قدرتنا على توحيد وجداننا ندهش على الصدفة التي تجمعنا هكذا وعشوائياً تجعل مننا متشابهين حتى في الذوق.

لاحقاً ربما سأحكي لك

كوني بخير

حتى نلتقي



   نشر في 09 مارس 2019 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم













عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا