الثورات العربية .. الربيع العاصف - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

الثورات العربية .. الربيع العاصف

  نشر في 17 ماي 2016 .

بين آمال عريضة علقتها الشعوب على ثورات خاضتها ،وحقائق تتجلى يوما إثر يوم ،وآراء مفكرين وخبراء لا يتنبؤون بخير وسط ضبابية المشهد ،تحول الربيع العربي إلى شتاء عاصف أتى على الإنسان واستحل الدم فسال كمياه الأمطار .

ثورات جابت أرجاء غالبية الأقطار العربية ،نزفت في ثناياها الشعوب العربية أطيب ما فيها ،وذبلت الثمرة قبل موعد الحصاد .

لكن وعلى أي ،فليس من الحكمة أن نقبع في مكاننا نبكي على ما فات ،ونشتهي عودة بالزمن للوراء ،لكن علينا أن نحلل ما جرى بوعي وحكمة لنخرج بتفسيرات وأسباب قوية نأخذ منها الحذر والحيطة فيما بعد .

إن الثورات العربية التي حصلت بعفوية بالغة أو بعبثية إن جاز القول ،لم تؤت ثمارها ،وأنى لها أن تؤتي وهي لم تغذى جيدا ولم يكن لها جذر أصيل في الأرض ،كانت الشعوب تحيا لعقود طويلة تحت نظم تدعي الديمقراطية وتأكل قوت الشعب وترمي له بالفتات ،وكانت الشعوب خاضعة مستكينة ،إذ كانت ترى أنه ولله الحمد تنعم بالأمن النسبي ،والأوضاع مستقرة حتى جرت أحداث كانت هي بمثابة قشة قصمت ظهر البعير –حرفيا- ينتحر أحدهم ،تجري حادثة مقتل أحدهم إثر تعذيب وهكذا انطلقت شرارة ثورة خاضها شباب بالأساس وإن كان الكبار قد أيدوها بعد ذلك وساروا في ركابها ،وانتقلت الثورات من بلد لآخر بما يشبه (عدوى ثورية) فحرفيا كانت شعوبنا العربية على المحك وما ان انطلقت ثورة في قطر مجاور تونس مثلا ،وحققت ما يشبه انتصارا –ظنت الشعوب انه انتصار اي رحيل رأس النظام لسطحية الرؤية والعقل –حتى اندفعت بعدها مصر مثلا في ذات الأمر ،فما تم في تونس قد يحدث هنا فيتحقق الإنتصار ويرحل رئيس فاسد – وينصلح حال البلد – وهكذا ظنوا .

الأمر كله لا يعدو كونه لهو بوتر العاطفة ،وعدوى الإنتشار فما يحدث في بلد ولشعب عربي يشد شعبا آخر ويجذبه لتكرار الأمر ،عاطفة ما عادت الشعوب تملك غيرها ومحاولات تقليد ومحاكاة عارية تماما من أي تحليل منطقي أو قدر من الحكمة .

وهكذا إنساقت الشعوب خلف طريقة واحدة ،وتتنفست الصعداء حين حققت هدفا مبدئيا –من منظور ضيق- وهو رحيل نظام تمثل في غالبية الدول برحيل الرئيس والحكومة أي الورزراء وما شابه ،وتحوقل المتظاهرين يتساءلون ها وماذا بعد ؟

شعوب مغيبة في مقابل التغيير :

ما من تغيير إلا ويلزمه أرضية ثابتة ينطلق منها ،ففي حال الثورات التي تنشد تغييرا يلزم الأمر فكرا ودراية وعلما في عقول القائمين بها ،وهو ما كان غائبا وبشدة في حال الشعوب العربية التي رزحت تحت وطأة أنظمة واستعمار سلبها الوعي والنباهة والعلم والفهم لأي أمر نيابة عن الوعي السياسي إن صح القول .

أصبحنا الآن امام معادلة تقول :

شعوب لاواعية + قيامها بثورة للتغيير لا تملك آداته ولا تملك في أذهانها اي خبرات أو تجارب لأمم سابقة وبالتالي فهي لا تملك القدرة على صياغة تصورات للمستقبل القريب حتى .

إضافة إلى ذلك فإن النخبة أو ما تسمى بذلك ،لعبت دورا خطيرا في تزييف عقول أبناء الثورة بشعارات رنانة ،وبأقوال متضاربة وتوجهات مختلفة انساق العامة خلفهم وهي الجماهير التي لا تملك في عقولها اي قدر من التنظير أو التأصيل لشيء فزيف اتجاهها وكان يسيرا استقطابها من أي جهة تقدم مكاسب بادية .

لذا كان حتميا أن يعي المفكرون وأرباب العقول أنه ما من محاولة للتغيير قد تحدث دون إحداث ثورة فكرية حقة تؤسس وعيا حقيقيا غير موجه بحيث يملك الفرد تنظيرا داخل عقله يكون بعدها قادرا على تغيير مجتمع وأمة لكن استعجال الثمرة والتطلع إلى حلول سريعة لا يُحدث أبدا الغرض المطلوب وذاك ما كان غائبا عن الأذهان أيضا .

وعليه فإن شعوبا وجماهير جرى تغييبها وتجهيلها عمدا بحيث صارت من السذاجة والسطحية التي لا تستطيع معها الحكم بعقلانية على أي من الأمور ،لا تملك سوى شعارات رنانة استوردتها أيضا من الخارج لا تفقه شيئا من معناها ،من غير المتوقع أن تصنع تغييرا .

ثورة بلا قيادة واعية :

كانت هذه ماساة ثوراتنا العربية في غالبية الأقطار إذ أن عفوية انطلاقها أفضى بها إلى العبثية اندلعت بها وأكملت مساراتها بها ،وسط غياب تام لأحد يقوم بدور إرشاد أو توجيه أو طرح لما يجب أن يحدث أو آليات تنفيذ اي من المطالب ،بل حتى طرح طريقة تغيير الدولة العميقة التي اكتفى العامة بنزع رؤوسها وسط جهل تام بفساد التربة واستشراء الفساد به ،لم يكن للأسف هناك أحد يملك طرحا أو قدرة على السياسة ،أي سوس طريق التغيير ،وكان هذا ذا تأثيير بالغ في تخبط الثورة في أوقات كثيرة ،وليس نموذج الصين في الثمنينات في ثورتها العفوية التي حدثت أيضا ببعيد عنا .

موجز القول انه بالفعل كان هناك ثورة لكن لم يكن هناك أي مقومات للتغيير أو لخروجها من قالب الشعارات الطنانة إلى الواقع ،أمة لاواعية جرى تجهيلها ،قيادات لا تملك من العلم إلا القشور ،نخبة زائفة سعت خلف مكاسب سريعة دون أن تدرك أن ذاك سيصير ذا عواقب وخيمة ،عدم استعداد الشعوب بادئا للتغير ،فهي لا تزال ترى أن ذات الطريق وذات المنهج هو ما يجب أن يُسلك ،تتشبث بكل من سيحقق لها تغييرا في أقصر وقت ممكن ،وهكذا أفرزت لدينا الحال الآني ،في المقابل كان هناك من يخطط ويقرأ المستقبل ويدرس الواقع بتأن وينتظر على مهمل حتى تنضج الشعوب فيتسلمها ويعود الحال كما كان وربما أسوأ ،وذاك الطرف كان في غالبية الأوقات مؤسسات الدولة العميقة مؤسسة عسكرية أو غيرها ،وأقفل الستار .

نهاية ،ليس علينا أن نقف في وسط طريق مضينا فيه مرغمين أو راضين ،لكن النظر إلى الخلف وأخذ العبرة والعظة وصوغ مفاهيم وتصورات جديدة للخروج من هذه الظلمة الحالكة ،بإذنه تعالى يكون إيذانا لخلق ألف ربيع جديد لا يكون زائفا .


  • 6

  • Heba Hamdy
    الكتابة صرخة ،نطلقها بعد أن تروض الحياة أحبالنا الصوتية على الصراخ المكتوم ...
   نشر في 17 ماي 2016 .

التعليقات

الثورات العربية لم تحدث عفوية هي كانت في غفلة بالنسبة لجميع النخبة العربية الغائبة عن اغلبية شعبها المفقر
"العدوي الثورية" حقيقة
وعن نظرية الوعي بما يجب ان يفعل و جهل الشعوب هذا الوعي المزيل لهذا الجهل يكتسب ولا يمنح من نخبة واعية او زعيم عظيم الجماهير الثائرة تكتسب وعيها من الممارسات وليس فقط من الكتب
وان كنا نريد صياغة افضل للقادم فعلينا بالوعي الفعال منتجا تنظيم من الشعب لا زعيما عليه
0

لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا