في قفصِ الاتهام !! - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

في قفصِ الاتهام !!

  نشر في 19 يوليوز 2017 .

بقلم لطيفة أسير


بعد اجتيازي امتحان البكالوريا سألتني أستاذة التربية الإسلامية عن الشعبة التي أنوي استكمال دراستي بها في الجامعة، فأجبتها بأني اخترت شعبة الدراسات الإسلامية، يومها عاتبتني ، وبالغت في ثنيي عن ذلك وتوجيهي لشعبة أخرى تكون آفاقها العملية أكثر توسعا، فأقنعتها بأني أحب دراسة كل ما يتعلق بأمور التشريع خصوصا الحديث النبوي والسيرة النبوية .

فكان اختياري لشعبة الدراسات الإسلامية عن قناعة وحبّ، وما زادتني الأيام إلا يقينا بسداد اختياري.

وحين اخترتُ سلك التدريس كنتُ أستجيب أيضا لمطلب لا شعوري كان يسكنني أيام الطفولة، حين كنتُ أغلق عليّ باب غرفتي وأقف أمام الوسادات أدرسهم وأضربهم كلما توهمت أنهم أخطأوا ، وكأنهم تلاميذ ألقنهم بكل شغف ما كنتُ أحفظه من حروف . وما زادتني الأيام إلا يقينا بسداد اختياري رغم الإكراهات الشديدة التي نحياها في قطاع التعليم اليوم .

فدراستي – بحمد الله - كانت عن حب، وعملي أمارسه بحبّ، ولعلّ هذا أحد أسباب النجاح والتفوق في أي عمل ، أن يكون بيننا وبينه وشائج عاطفية تدفعنا لممارسته والإبداع فيه ، يقول الشيخ محمد الغزالي في كتابه الماتع جدد حياتك : ( إن الحرفة الحق الناجحة هي التي خلق لها صاحبها، لا التي أكره عليها صاحبها، ففي الأولى هي لذة وشوق، ونمو شخصية وتفتح ملكات...وفي الثانية ألم ، وهي سخط ، وهي فشل ).و يقول ستيف جوبز( الطريقة الوحيدة للقيام بالعمل العظيم هي أن تحب ما تعمل ).

تأسيسا على هذا ، فرجل التعليم إن لم يحب عمله، فلن يبرع في أدائه، ولن يؤدي رسالته على أكمل وجه، إن كان فعلا يؤمن أنه يؤدي رسالة لا مهنة أو حرفة .

و من باب الإنصاف أقول أن أزمة التعليم في ثغرٍ من ثغورها لرجل التعليم قسط ونصيب من المسؤولية، و لن نجانب الصواب إن قلنا أن زمرة من رجال ونساء التعليم لا علاقة لها بالتربية والتعليم ، فئات تتعامل مع التدريس باعتباره مهنة وليس رسالة سامية و نبيلة ، فئات يخجل المرء أن يطلق عليها صفة " مربي " أو "أستاذ " لأنها تفتقد لهذه الخصلة في سلوكياتها وعقلياتها وطريقة تعاملها مع النشْء، وهذا ما يجعلنا نطرح آلاف الأسئلة عن طرق تأهيل الأطر التربوية واختيارها ،قبل أن نعهد لها بأمانة تربية فلذات أكبادنا .

يقول د. أحمد كافي في تدوينة له على الفايس بوك:

( هل كل من حصل على شهادة علمية يستحق أن يدرج في سلك التعليم، ومن حقه أن ينضم إليهم.

أما من الناحية القانونية، فلا مانع لمن توفرت فيه الشروط الإدارية أن يكون ضمن هذه الفئة.

وأما من الناحية الفنية والأخلاقية والأدبية، فليس كل من له شهادة، قد يُسِّر له أن يكون مدرسا. لقد خلق لغير التدريس أيها السادة.

وهؤلاء للأسف تجدهم في التعليم بجميع أسلاكه وأنواعه، وليس بينهم وبين ما اختاروه نسب ولا سبب.)اهـ.

حين يعاقر رجل التعليم الخمر، ويتحرش بتلامذته، ويتلفّظ بألفاظ بذيئة في حضرتهم، من حقنا أن نُدينه ونضعه في قفص الاتهام.

حين تُقبل المدرِّسة للفصل بلباس مخلّ بالحياء وكأنها مراهقة في الصف الإعدادي ، من حقنا أن ندينها ونضعها في قفص الاتهام.

حين يمارس رجل التعليم الحيف والظلم على طلابه ، ويبخسهم حقهم في التربية والتعليم، من حقنا أن ندينه ونضعه في قفص الاتهام .

حين يلغي رجل التعليم من حساباته أنه " القدوة " وأنه " المثل الأعلى " لطلابه ، فيقاسمهم لحظات تهورهم وطيشهم، ويجاريهم في سِبابهم وبذاءة ألفاظهم ، من حقنا أن ندينه ونضعه في قفص الاتهام.

حين يحصر المدرس دوره في تلقين المعلومة للتلميذ متغاضيًا عن دروس الوعظ والإرشاد بدعوى عدم الاختصاص، من حقنا أن نُدينه ونضعه في قفص الاتهام.

حين يتعامل رجل التعليم مع التلميذ كما يتعامل الموظف مع الآلة، دون مراعاة لظروفه ومشاعره ، من حقنا أن ندينه ونضعه في قفص الاتهام.

حين يصبح التعليم في نظر المدرس مرتعا للكسب من خلال الدروس الخصوصية على حساب عمله وواجبه في مدرسته العمومية، من حقنا أن ندينه ونضعه في قفص الاتهام.

ولعلّ ما سيزيد طين تعليمنا بلّة – بمغربنا الحبيب - ، إغلاق مراكز تكوين الأساتذة بكل أسلاكها وفتح الباب أمام التوظيف بالتعاقد ، و الذي سيكرس فكرة ( مهنية ) التعليم ويجرده من روحه وجوهره ، فيغدو مهنة كسائر المهن، لا يكاد يربط الموظف به إلا عقد لمدة سنتين ، يجرب فيه حظه مع هذا القطاع ، فإن وجد ضالته جدّد العقد، وإن لم يجد ما ترنو إليه نفسه ولّى عنه إلى غير رجعة . وفي ظل غياب التكوين البيداغوجي السليم، وتدنّي المستوى المعرفي لبعض الممتحنين والذي حتّم تحديد عتبة النجاح في 6/20 ، نتساءل عن مستقبل تعليمنا الذي يحتضر !!

لن ننكر وجود أكفاء بين الأساتذة المتعاقدين ربما أفضل بكثير من الأساتذة الممارسين الحاليين، لكن هذا لا ينفي أن الغثاء سيغلب على القطاع بعد تفاقم نِسَب المغادرة الطوعية و فرار الكثير من الأساتذة الأكفاء إثْر استكمالهم المدة القانونية للتقاعد النسبي.

أخي المدرس ، أختي المدرسة ..

إن اخترت التدريس عن حبّ وقناعة ، فإنّا لا نخشى منك ، ولا نخشى عليك، فالمحب لما يحبّ على ألمه صبور وبعطيته قنوع ،لكن إن كانت رياح أخرى غير رياح الحب هي التي حملتك لهذا الميدان ، فإنا نخشى منك ونخشى عليك، نخشى منك أن تُفسد حيث يجب أن تُصلح، ونخشى أن تعتبر التعليم فرصة للتكسب فحسب ، فتعامل فلذات أكبادنا بأجسادهم لا بأرواحهم ، نخشى منك أن توسع الخروق التي بالسفينة فتعجّل بغرقنا جميعا .( فالأمة في قلب الخطر ولا تحتمل المزيد من الأخطاء والإخفاقات ) .ونخشى عليك أن تبوء بإثم هؤلاء الصبية الذين ستوكل إليك مهمة تربيتهم قبل تعليمهم، فيكون الحساب عسيرا يوم لا ينفع مال ولا بنون !

فاختر لنفسك بقلبك وعقلك هذا الميدان الذي تروم خوض غماره، واعلم أن نجاحك أو فشلك فيه رهين بنظرتك إليه ، وتذكر قول الشيخ الغزالي رحمه الله عليه : ليس يصلح للتعليم من طلب بتعليمه الغنى والجاه، وليس يصلح كذلك من سدت في وجوهه طرق الكسب الأخرى، ثم رأى أن باب التعليم وحده هو المفتوح أمامه فدخله مُرغمًا، إنما يصلح للتعليم من كان يرى – بحكم طبيعته ومزاجه – أن لذة التعليم تفوق كل لذة، وأنه سعيد باحترافه التعليم، وأن ما يجده من لذة في حرفته يعوض ما يجده من ضيق في رزقه وضآلة في جاهه، وإلا كانت حرفة التعليم عذابًا، وكل درس يؤديه ألمًا يمتد بامتداد الدرس، وكل فترة من الزمن بين درسين أنينًا من الدرس الماضي وإشفاقًا من الدرس القادم، وكل ساعات فراغه شكوى من الزمان أن رماه بحرفة التعليم..).


  • 6

  • لطيفة أسير
    كاتبة ، نشرت لي مقالات بكثيرمن المواقع منها مدونة الجزيرة وموقع الألوكة وطريق الإسلام وهوية بريس وغيرهم، صدر لي كتاب منذ سنة بعنوان ( فسحة قلم ) وكتاب آخر مخطوط بعنوان ( رجع الصدى ).
   نشر في 19 يوليوز 2017 .

التعليقات

جعلتيني أتخيل واقعنا المر أمامي وانا اقرأ كلماتك ، مبدعة وبحق .. فابداعك قبل ان يكون باسلوب الطرح ، انتقاءك للموضوع كان الابداع بحد ذاته.
1
لطيفة أسير
حياك الله أختي يسرى وبارك فيك.

لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم













عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا