إخرس أيها الوقح !!! - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

إخرس أيها الوقح !!!

  نشر في 03 أبريل 2018  وآخر تعديل بتاريخ 04 أبريل 2018 .

هواء الصباح منعش.. والطبيعة تحتفي بأولى إطلالات الربيع، وجهتي كانت إدارة تأمين السيارات، أخذت مجلسي في قاعة الانتظار.. وقبل أن يستقر بي المقام.. حدقت في الوجوه المحيطة بي من باب "النظرة الأولى لك": عن يميني سيدة تجاوزت الستين ذات قسمات أوروبية تحكي عن باع طويل من الحسن والجمال.. كانت غارقة بين ضفتي كتاب قبل أن تنتبه لوجودي.. استدارت بتثاقل.. تلاقت النظرات.. فابتسمت، ابتسمت بدوري.. وتبادلنا التحية، وحديث عابر عن جمال الجو هذا اليوم، وحلول موسم الشمس.

أجل الشمس.. هذا الضيف المقيم عندنا في القارة السمراء.. والذي ومن كثرة حضوره لا نقيم له وزنا، تقام لقدومه الاحتفالات هنا في كندا. ويسيل لأجله مداد الشعراء وجدا وعشقا..

أعود لمسح المكان بعيني.. وإتمام" نظرتي الأولى": في الكراسي المقابلة جلس ثلاثة من الشباب، ذوو وسامة عربية ولباس أمريكي، يتحدثون بلكنة فرنسية تشي بإقامة حديثة في "الكيبيك".. يتوسطهم شاب يتكلم فيصغون.. يشير فيأتمرون.. إنه "كبيرهم".

حسنا.. يبدو أن نظرتي الأولى تحولت إلى فضول.. غضضت بصري، فلا حق لي في إعادة تحديق، وصحيفة أعمالي ممتلئة كفاية بالسيئات، أخرجت كتابي  وتهيأت لانتظار قد يطول، لولا أن أصوات الشباب المرتفعة كانت تطرق سمعي في إلحاح غريب، وسمع المسنة الجميلة إلى جواري.. والتي ما فتئت تسرق إليهم نظرات خاطفة بين الفينة والأخرى.

تركيزي كان مشتتا بين الكتاب وأصواتهم المتناهية إلى سمعي، “إن استراق السمع أمر يدينه الشرع " فكرت "وصحيفة أعمالي تنوء بأحمالها".

أجاب صوت داخلي "إنه إنصات غير متعمد".. وافقته الرأي وأنا أتحاشى النظر إلى كل الكراسي الشاغرة أمامي.. أتراني "ربيت الكبدة " على هذا الكرسي المقيت الذي سيوردني موارد الهلاك.

المهم.. بدا لي من كلامهم أنهم في انتظار صديق رابع.. لم يشرف بعد اسمه محمد.. الغريب أنه كلما تكرر ذكره.. ضحكوا في استمتاع غريب.. وتلذذوا بإحصاء عيوبه وكشف سوءاته.

جلستهم استفزتني.. لا أدري الأن مأدبتهم الكلامية كانت تمس اسم محمد وهو اسم له قداسة في صدري\ صدورنا أم لأنهم ذكروني بأحوال الأخلاق في بلداننا الإسلامية؟

بضع دقائق مرت قبل أن يأتي محمد.. سلم وجلس.. بدأت مأدبة استهزاء وسخرية تؤذي مسامعي.. ينطق كبيرهم فيضجون بالضحك وكلما ضحكوا زاد هو في الجرعة.. ويبدو أن محمدا تحرج من الرد فلعب دور اللامبالي.. لأني لم أسمع له صوتا.. أفكان ينزف داخليا ويستطعم ألمه؟

ودون سابق إنذار.. وقفت السيدة الجالسة إلى جواري.. لملمت أغراضها.. ووجهت كلامها إلى كبيرهم في غضب واضح:" إن ما تفعله مقرف جدا.. وخطير" وغادرت محتجة.. راقبها وهي تغادر وقد علت محياه ابتسامة صفراء.. فارغة.

والحقيقة أن ردة فعلها لم تفاجئني.. فقد نشأت في مجتمع يدين الاستهزاء بالآخرين، ويدرجه في قائمة "الحكرة", المدارس تعج ببرامج التوعية.. وتدريب الأطفال على المواجهة والرفض.. أو طلب المساعدة، خصوصا بعدما أدت الظاهرة إلى بضع حوادث انتحار في صفوف المراهقين.

ردة فعلي السلبية أيضا لم تفاجئني.. فقد نشأت بدوري في مجتمع يسبح عكس قيمه، ويعج بهاته العادة. فالاستهزاء والضحك على العيوب  قد نجده بين أفراد الأسرة الواحدة.. في العمل.. في الشارع...ولأن الذي يترأس حفلات الجلد هاته لا يجد رادعا، يتمادى فيما يظن أنها خفة دم وهي في الأصل خفة عقل, وحين تلوح له بوادر الغضب والإنذار بعاصفة لا تبقي ولا تذر في وجه مخاطبه، يقول جملته المقيتة: “غير كنضحك معاك" وهي خاتمة كلام غالبا ما يكون مؤذيا وجارحا.

جاء دوري.. نهضت متثاقلة وأنا أستحضر جملة لنجيب محفوظ: “لا علاقة لي بنواياك الحسنة حين تكون أفعالك سيئة.. ولا شأن لي بجميل روحك حين يكون لسانك مؤذيا"

هل يمكن أن تعبر الأفعال عن غير النوايا.. بل وتناقضها؟!

هل يمكن أن يكون صاحب الروح الجميلة ذو لسان مؤذ وعفن؟!

ألا يجب أن ينعكس جمال الروح على حسن الخلق؟!

وهل الضحك على عيوب الآخر وتصيد أخطائه صار ماركة مسجلة باسمنا نحن العرب\المسلمين نحن الذين تضج صفحات قرآننا وأحاديث رسولنا بحرمة ذلك؟!

استدرت لألقي نظرة أخيرة على مكاني الشاغر.. وعلى.."محمد".. ولسان حالي يقول:

"لامبالاتك بطولة مزيفة يا محمد. قد تدفع ثمنها عدم تقدير لذاتك.. كن بطلا حقيقيا.. أعلن رفضك.. أو انسحب"

فوزية لهلال


  • 11

   نشر في 03 أبريل 2018  وآخر تعديل بتاريخ 04 أبريل 2018 .

التعليقات

Alaa Bobaly منذ 9 شهر
للأسف السخرية منتشرة في كل مكان ، اعرف جيداً ما كان يشعر به محمد ، دائما ما يسخر الناس من الشخص الذي يتفوق عليهم ربما هي وسيلة ذكية لإيذاء الشخص و إحباطه .
رائعة سيدتي اتمنى لكِ التوفيق دائما .
2
فوزية لهلال
شكرا لطيب مرورك،ولكرمك الجميل..
Alaa Bobaly
العفو
سَعِيدٌ منذ 9 شهر
بمثل ما قيل أن العلم في الراس و ليس في الكراس كذلك حسن الخُلُقِ في القلب و ليس في النصوص. يبدو لي أنه لو كنا حقا نحن "أهل الإسلام" ذوو نضج إنساني و صفات حضارية بشرية لما احتجنا أن يقال لنا:"لا يسخر قوم من قوم" و "و لا نساء من نساء" و "لا تنابزوا بالألقاب" و حتى مع وجود هذه النصوص الإلهية الواضحة أغلبيتنا للأسف يتصرفون بعكسها كأنها لا و جود لها لغلبة أدواء النفس على رؤى العقل و لا حول و لا قوة إلا بالله.
2
فوزية لهلال
أحسنت وصف واقع الحال أستاذ سعيد..أحسنت،شرفني مرورك وتعليقك فشكرا لك
سَعِيدٌ
أشكرك جزيل الشكر على تحسينك و تشريفك لتعليقي و لكن بدوري يشرفني أن أخبرك أنني لست أستاذا و لو بالمجاز بل أنا تلميذ و متعلم و أن هذه حقيقة و ليست تواضعا مني، و مما قد يؤكد تصريحي هذا أيتها المحترمة - صدّقي أو لا تصدّقي - إنه لأول مرة في حياتي دُعَيْتُ بأستاذ.
علي العربي منذ 9 شهر
أبدعت في إيضاح الفكرة بلغة رصينة، ووفيت في الإحاطة بالموضوع. دمت مبدعة أُستاذة فوزية
3
فوزية لهلال
أشكرك لتشريفك صفحتي أستاذ علي..ولإطرائك على المقال..تقبل مودتي
creator writer منذ 9 شهر
طريقة في الكتابة اكثر من رائعة .
2
فوزية لهلال
شكرا صديقتي الجميلة..أتكون أروع من كلماتك؟!
Ahmed Tolba منذ 10 شهر
لأنهم ذكروني بأحوال الأخلاق في بلداننا الإسلامية؟
هى الخلاصه
2
فوزية لهلال
شكرا لتعليقك سيدي الكريم
عمرو يسري منذ 11 شهر
للأسف الشخص الذي يفعل شيئاً سيئاً مثل النميمة لو أن الجميع قد سدوا آذانهم عن كلامه سيصمت , لكن طالما أنه يجد من يستمع له سيستمر في أذاه .
مقال جميل مكتوب بلغة سلسة و إستخدام أسلوب الحديث مع النفس كان موفقاً .
لدي تساؤل واحد و هو معنى كلمة ( ربيت كبدة ) ؟
بالتوفيق و في إنتظار كتاباتك القادمة .
5
فوزية لهلال
مرحبا أستاذ عمرو..
نقول في المغرب :ربيت الكبدة على الشيء أو الشخص بمعنى وقعت في حبه،الكبد يرمز عندنا للحب أكثر من القلب.
تعليقك أسعدني شكرا لك
Salsabil Djaou
سينتهي الامر بعمرو يسري متقنا للهجتنا ،تحياتي لكما .
عمرو يسري
بالفعل أختي سلسبيل تعلمت عدد من المفردات العامية من خلال مقالاتك و مقالات أستاذة فوزية , و يسعدني أن أتعرف بقرب على لهجة و ثقافة منطقة المغرب العربي بشكل عام .
تحياتي لكما .
بسمــة العثمـانـي
نفس الحال معي ... فقد تعلمت مفردات مصريه ومغربيه بفضل اسلوب لغة مقالات معظم الاعضاء .
فوزية لهلال
أستاذ عمرو،أستاذة بسمة،أستاذتنا سلسبيل..سعدت بدردشتكم جدا..الحمد لله تجمعنا لغة الضاد،والأمة الواحدة..والهم الواحد..دمتم قلوبا راقية أحبابي
أقباس فخري منذ 11 شهر
المسحة الهزلية تشدّ القارئ بقوة لإتمام الموضوع باهتمام، ليكتشف في الأخير أن ما أرادت الكاتبة إيصاله هو رسالةً سامية وعميقة. نشدّ على يديكِ.
5
فوزية لهلال
أسعدني تشريفك الصفحة ،وتعليقك المشجع فهنيئا لي سيدي الكريم.
Salsabil Djaou منذ 11 شهر
ما يميز كتاباتك هي انها مشوقة ،وكأن مقالاتك تنتهي بسرعة ،هي ميزة حقيقية هنيئا لك،موضوع مقالك هو آفة حقيقية ، وعلى غيرالعادة اصحابها ينتمون الى فئات عمرية مختلفة ،الاستهزاء ،والغيبة ،والمشي على رؤوس الاصابع ..تفقد الاخلاق يوما بعد يوم ،بل ويجرؤ البعض على جعل الادب عيبا و ضعفا، وقد نبهتنا في مقالك الى ضرورة توعية المحيطين بنا بضرورة النهي وعدم اخذ دور حيادي ،وهي تعاليم الاسلام تحلى بها غير المسلمون،ننتظر مقالاتك بشوق ،دمت مبدعة اختي فوزية ،بارك الله فيك.
6
فوزية لهلال
وهي تعاليم الاسلام تحلى بها غير المسلمون،جملتك هاته تعبر عن واقع الحال هنا،وعن مرارة يحسها كل مسلم غيور على دينه وهو يرى قيم الإسلام وأخلاقه تطبق من طرف أفراد لا دين لهم في الغالب الأعم.
وجودك وزيارتك صفحتي تملؤني ،تسعدني،دمت رائعة صديقتي
ابراهيم محروس
يعجبني حقا طريقة تفكيرك المبدع وتعليقاتك الهادفة وبشاشة وجهك الذي يدل على طيبة وسمو اخلاق وروح جميلة...
فانا أعتز جدا بتواجدك بالمنصة اختى الفاضلة فوزية ( ليس مجاملة ولكن من باب ...الارواح جنود.... ما تعارف منها ....)
فوزية لهلال
كل الشكر والتقدير لك أستاذ إبراهيم

لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا