يا مؤنس وحشتي - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

يا مؤنس وحشتي

  نشر في 28 شتنبر 2017  وآخر تعديل بتاريخ 04 أكتوبر 2017 .

قاعة تتسع لأكثر من عشرين مقعدا موزّعة حول طاولة كبيرة، وفي فناء القاعة مكتبها المتواضع الذي بذلت جهدا في تحسين مظهره بجلب أدوات مكتبية خاصة من بيتها. نبتة صبّار شوكي صغيرة ذات أزهار ملوّنة، حاملة أقلام بلّورية، ومفكّرة مكتب.

هي تجاوزت الثلاثين. لا علامات جمال خاصّة تميّزها. عادية المظهر واللباس. محافظة دون أن تكون متديّنة. لباسها محتشم دون حجاب ولا جلباب. خجولة حدّ الانطوائية، يمكن اعتبارها من صنف النساء الخنوعات. تلك القاعة بما تحويه من رفوف قديمة وفهارس ومراجع هي كلّ حياتها. منذ تخلّت عن حلمها بالزواج، صارت تفرغ كلّ شحناتها العاطفية في الشغل، متجاهلة تلك التساؤلات الباطنية الملحّة عن جدوى تلك الأعمال الدقيقة والمرهقة التي تنجزها بدأب في قاعة مهجورة من الباحثين. كانت تلك التساؤلات تضاعف من غربتها وتعمّق كآبتها فتحسّ نفسها عبئا على المجتمع ولا ضرورة لوجودها أصلا في هذا الكون. فما الفائدة يا ترى من عمليات الفهرسة والوصف والتكشيف والتصنيف والترتيب؟ ولماذا تبذّر الدّولة أموالا على رواتب موظفي وعمّال مركز الوثائق الوطنية وعلى بنايته وتجهيزاتها والحال أن لا أحد يطرق أبواب هذا المركز ويستفيد من خدماته؟

لم يكن يعلم أنّه بزيارته للمركز كان يخلّصها من وطأة الهامشية التي تخنقها ويعطي لوجودها معنى. كان من عادتها أن تصل إلى قاعة الاطّلاع بالمركز كلّ صباح قبل الثامنة كي لا تغادرها إلاّ مع الخامسة والنصف مساء. ولكنّها صارت تدخل القاعة بحيوية ونشاط. تفتح الشبابيك للتهوئة، تمسح المكتب والطاولات، وتمرّ على الرفوف لترتيب المراجع. حتّى أنّها أعفت خالتي عائشة منظّفة المركز من المرور بالقاعة لتنظيفها وتكفّلت بذلك بدلا عنها.

تعدّ قهوتها بالمقصورة الداخلية، وتجلس إلى مكتبها في انتظاره. مع التاسعة صباحا بالضبط، تسمعه يلقي تحية الصباح على عون الاستقبال، قبل أن يدفع الباب برفق ويوشوش محيّيا. تبتسم مستغربة وشوشته في قاعة خالية من القرّاء. فيردّ عليها لمّا يصل أمام مكتبها "أخاف إزعاج المقيمين في الكتب". تناوله ما يحتاجه من وثائق وملفات. فيضع نظارتيه ويغرق في مجلّداته، لا يرفع عنها رأسه حتّى يغيب عن العالم تماما. يصادف أن تضطرّها الحاجة إلى مغادرة القاعة فتفعل دون أن يتفطّن إليها. ورغم ما أدخله تردّده على المركز من أمل وحافزية إلاّ أنّ وجوده انصهر مع مرور الأيام في الإيقاع الرتيب للمركز. لم يعد كافيا لإخراجها من غربتها، وصارت تمنّي النفس بأن ترى  باحثين آخرين يشاركونه الجلوس إلى تلك الطاولة الكبيرة. ولكنّها كانت تكتشف أهمّية وجوده لمّا يصادف أن يغيب عن المركز. كان اليوم يمرّ ثقيلا كالرصاص حتّى أنّها تفقد شهية الأكل.

كانت تجلس تتأمّله وهو منغمس في العمل، مديرا بحركة لولبية القلم الجاف بين سبابته وإبهامه. تدرّبت على رسم بورتريهات له في أوضاع مختلفة: وهو يقرأ، وهو يكتب، وهو يقلّب صفحات مجلّد كبير، وهو جالس إلى أدراج الفهارس، وهو واقف إلى رف المراجع. جعلتها تلك البورتريهات تتهجّى جسده. رقبته النحيفة، شعره الأشيب الخفيف. ظهره المنحني. يداه المجعّدتان بالعروق. أنفه البارز بمنخرين كبيرين يفيض منهما شعر أسود غزير. كانت تحتفظ بتلك الرسومات في مفكّرتها على المكتب.

تجرّأت ذات مرّة على وضع فنجان قهوة إلى جانبه مخالفة تراتيب العمل وما قد ينجرّ عن ذلك من عقوبات إدارية. أبدى امتنانه بإيماءة من رأسه. ومن يومها صارت تلك القهوة طقسا ثابتا. لعلّ ذلك ما شجّعها على التقدّم خطوة أخرى، حين دعته إلى تقاسم السندويتش في مقصورتها خلف المكتب. لم يشأ أن يرفض مخافة أن يجرح كبرياءها، ولكنّه سحب من محفظته سندويتشه ومازحها "لو أردتني أن أذوق ممّا عندك، فعليك أن تذوقي قليلا ممّا لديّ" احمرّ وجهها وأخذتها شرقة...  كان يغيب بعد الغداء ساعة لتناول كأس شاي في الكافيتيريا المجاورة للمركز، فيما كانت هي تأخذ إغفاءة داخل المقصورة.

فاجأها بدعوتها إلى حفل توقيع كتابه الجديد مساء ذلك اليوم الخريفي على الساعة السادسة. كان التوقيت حجّة مناسبة كي تعتذر عن عدم جاهزيتها، لأنّها لن تجد الوقت لارتداء ما يليق بالحدث. وكانت تنتظر منه أن يقول لها "أنت هكذا أفضل. لست أدعوك إلى حفلة في الأوبرا"، فقال شيئا في هذا المعنى تقريبا.

عند انتهاء حصّة العمل، دعاها إلى ركوب سيارته للتحوّل إلى مكتبة بوسط العاصمة حيث ينتظم حفل التوقيع. وفي الطريق إلى هناك، ناولها نسخة دون أن يمنعه ذلك من التركيز على السياقة.

شهقت شهقة حادّة وهي تكتشف أحد البورتريهات التي كانت رسمتها له على ظهر الكتاب حاملا العنوان الذي كانت خطّته بيدها: "يا مؤنس وحشتي"

لم تسمعه وهو يقول لها بصوت مرتعش دون أن يفقد تركيزه على الطريق: "المعذرة، فقد عثرت على ذلك الرّسم تحت مكتبك". لم تكن تسمع ولا ترى شيئا من بقية الطريق التي حجبتها غشاوتان: دموع فاضت في صمت من مقلتيها، ورذاذ مطر كان يتساقط على بلّور السيارة الهرمة التي لا مسّاحات لها.

لم يكن هناك خلق كثير في المكتبة... ثلاثة أو اربعة زملاء له وصحفيان بالإضافة إلى موظّفي المكتبة وبعض الفضوليين الذين وجدوا هناك بالصدفة... تناول النسخة من يديها ودوّن عليها جملة قرأها على الحاضرين بصوت مرتفع: "لولاك، لولاك ما كان هذا الكتاب ليرى النور... يا راعية فكرتي."

في تلك اللحظة، كانت عصافير باب البحر تضج بزقزقاتها، كأنها تزغرد، وأطياف المارة ترقص وراء بلّور المكتبة الدامع بالمطر وبخار التنفّس...



  • 2

   نشر في 28 شتنبر 2017  وآخر تعديل بتاريخ 04 أكتوبر 2017 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا