التربية البدنية و الرياضية .. وجع راس - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

التربية البدنية و الرياضية .. وجع راس

نظرة المجتمع للتربية الرياضية

  نشر في 26 غشت 2016 .

أتذكر منذ أن كنا تلاميذ في نهاية المرحلة الثانوية كيف كان مدير المدرسة يمنعنا من ممارسة حصة التربية البدنية و الرياضية بسبب " الفوضى " حسب تعبيره التي كنا نحدثها في ساحة المدرسة الصغيرة ،والتي كنا نعتبرها ملعبنا الرياضي لأن الثانوية ليس بها مكان مخصص لممارسة الأنشطة الرياضية ، و رغم أن أستاذ التربية البدنية يتلاسن في كل مرة مع مدير الثانوية للسماح لنا باللعب ، يقوم بعض أساتذة المواد الأخرى بالاعتراض و محاولة إيقافنا عن اللعب و تخويفنا للسبب نفسه " الفوضى " ، حتى أن أستاذة العلوم الطبيعية طلبت من أستاذ التربية البدنية أن يسمح لها باستغلال وقت حصة التربية البدنية و الرياضية ( ساعتين في الأسبوع ) لتدريسنا مادتها و هنا لكي يرضي الأستاذ كلانا - التلاميذ و أستاذة العلوم الطبيعية - رمى الكرة في ملعبنا و قال لنا أنتم أحرار في موافقتكم على دراسة مادة العلوم الطبيعية مكان مادة التربية البدنية و الرياضية أو رفضكم ؟ فانقسمنا في ذلك بين مؤيد و رافض للفكرة ، فذهبن غالبية التلميذات إلى مادة العلوم الطبيعية و معهن بعض التلاميذ الذكور و ذهبنا نحن إلى مادة التربية البدنية ، فاتفقنا على اللعب أمام القاعة التي يدرس بها زملائنا مادة العلوم الطبيعية للتشويش عليهم و إزعاجهم و التعبير على حبنا للنشاط الرياضي أكثر من حبنا للمواد الأخرى، فكانت لحظات لا تنسى مليئة بالفرح و النشاط والحيوية بالنسبة لنا ، و مليئة بوجع الرأس بالنسبة للمدير و الأساتذة الكارهين للتربية البدنية و الرياضية .

هذه هي نظرة غالبية أفراد المجتمع لمادة التربية البدنية و الرياضية في المؤسسات التربوية بحيث تقتصر في نظرهم على مفهومين لا علاقة لهما بمادة بيداغوجية تدرس وفق منهاج مسطر و أسس تربوية ، الأول أن مادة التربية البدنية و الرياضية عبارة عن جري و قفز و تمضية للوقت و ترويح على النفس و مادة ليست لها فائدة من الجانب العلمي ، و الثاني أنها تسبب الفوضى و تخل بالنظام المدرسي و تفقد التلاميذ الذين يدرسون المواد الأخرى التركيز و الانتباه ، و هذه النظرة اشترك فيها بعض ممن ينتمون لفئة المثقفين في صورة أساتذة و مدراء و الذين ينتمون لعامة الناس ، لأن المادة لم تلقى كل الاهتمام و العناية من طرف المسؤولين بعدم توفير الملاعب و العتاد و الوسائل الرياضية التي يمكن عن طريقها إكساب التلاميذ المعلومات و المهارات و القدرات اللازمة لكي تساعدهم في حياتهم ، و لعل أهم ما يحفظ الناس حول ما يتعلق بالنشاط الرياضي هو ما قاله برنارد شو " العقل السليم في الجسم السليم " و لكن تكملة المقولة لا يعرفها الكثير و هي " و لابد من رفع مستوى كليهما حتى تعيش حياة صحية سليمة " و للأسف تبقى النظرة معتمة جدا اتجاه التربية البدنية و الرياضية التي يجهل الغالبية بأنها مادة تربوية تسعى لتحقيق أهداف التربية العامة من جميع الجوانب المعرفية و النفسية و الاجتماعية و الوجدانية و الأخلاقية و الحركية معتمدة في ذلك على النشاط الرياضي الذي يميزها ، فقد ذكر العالم الألماني(شيلر ):" بأن الإنسان يكون إنسانا فقط عندما يلعب" ، كما قال المفكر(ريد ) : " أنه لا يأسف على الوقت الذي يخصص للألعاب في مدارسنا ، بل على النقيض فإنه هو الوقت الوحيد الذي يمضي على خير وجه " لهذا وجب على كل أفراد المجتمع أن يغيروا نظرتهم لمادة التربية البدنية و الرياضية ، و أن يغيروا من نمط حياتهم الذي يغلب عليه قلة الحركة ، فقد أشارت نتائج عدة دراسات أجرتها منظمة الصحة العالمية حول عوامل الخطر للعديد من الأمراض أن انعدام النشاط البدني يزيد من احتمالات التعرض لخطر الإصابة بأمراض سرطان القولون و ضغط الدم المرتفع و أمراض القلب و الأوعية الدموية و السكري و السمنة و هشاشة العظام ، و حتى أمراض نفسية كالتوحد و الاكتئاب و القلق ، و في جانب آخر أشارت دراسات علمية أن ممارسة النشاط الرياضي تزيد من التحصيل العلمي للتلميذ و تنمي قدراته الفكرية و الإبداعية و تساهم في تكيفه و اندماجه مع المجتمع و بالتالي يصبح فرد صالح يفيد البلاد و العباد .

فعلى رجال التربية و التعليم أن يستثمروا و يستغلوا أهمية مادة التربية البدنية و الرياضية من المستوى الابتدائي إلى الجامعي في الحافظ على سلامة الجسم و العقل وأن يجعلوها الباب الذي يدخل من خلاله التلاميذ إلى عالم العلم و الأدب و الثقافة و الإبداع و الاختراع و التفوق و النجاح ، ولا يخفى على أحد أن مادة التربية البدنية و الرياضية من أحب المواد التعليمية لدى التلاميذ و أن أستاذ المادة أقرب لهم من الأساتذة الآخرون للتواصل و الاندماج الكبير بينه و بينهم ، و بالتالي فهذه المادة الدراسية "ترفع الرأس" و تجعل المدرسة مؤسسة يحبها و يتعلق بها الجميع .


  • 1

  • يوسف بوعبدالله
    طالب دكتوراه تخصص تربية بدنية و رياضية و مدرب كرة قدم و منشط في رياضة الروغبي مهتم بقضايا التعليم و القيم و الأخلاق في العالم العربي و باحث في المجال الرياضي و التربوي
   نشر في 26 غشت 2016 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !


مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا