العودة - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

العودة

  نشر في 18 نونبر 2020  وآخر تعديل بتاريخ 22 نونبر 2020 .

أفلت بصعوبة من بين أحضان أمي و طفقت أمسح دموعها التي عبثا تأبى أن تجف في مقلتيها.

همست لها في رقة:"كفى يا أمي أرجوك..سأتغيب لستة أشهر فحسب! لن يدوم فراقنا طويلا. إذا كنت تحزنين لهذه الدرجة لمجرد أنني سأسافر لفترة قصيرة من الزمن،ماذا كنت ستفعلين لو أنني أسافر لأدرس لسنوات في فرنسا؟هيا يا أمي تجلدي أرجوك!"

ردت أمي و الغصة تخنق نبرات صوتها:"أيا كانت مدة الفترة التي ستبتعدين فيها عني،إنها في ميزان الحساب عندي بمقدار ألف سنة! كيف سأتعود غيابك وأنت بهجة البيت و أنسه ؟كيف سأقضي يومي من غير أن يطرق مسامعي صوتك؟ ألن أضمك إلي كل ليلة و أنت تروين لي أحداث يومك؟ما الذي يضحك سني غير طرفك و نوادرك و بريق عينيك و أنت تتحدثين؟! آه يا ابنتي آه!

أحسست بتأثر عميق و كلمات أمي تتموج في خبايا عقلي و قلت لها في حنو:"أو تظنين أن الفراق ليس بصعب علي يا أمي؟ إنه لأمر من العلقم أن يمر يوم لا أراك فيه وأبي..لكني راحلة يا أمي في سفر ليس ببعيد من أجل تحقيق هدفي الذي طالما آمنت به و دعمتني في سبيل أن يصير حقيقة مشرقة تفخرين به و أمرا واقعا لا مراء فيه..أريد استنطاق الصورة التي رسمتها لذاتي و أنا أراني أبلغ أعلى مراتب النجاح..رفقا بي يا أماه،شجعيني و لا تثبطي عزيمتي.."

رمقني والدي بنظرة إعجاب تتخفى خلفها تفاصيل حزن كثير. وما أصعب أن يكتم الأب ألمه..ألمه الذي ينمو فتيا في قلبه،ليغمر بعدها كل كيانه. آه يا أبي! كيف أفارقك و أنت رفيقي الذي لا أخجل من أن أنط أمامه مرحا في هذا العمر كطفلة جذلى فاجأها والدها بلعبة جديدة..أبي الذي يثق بحصافة رأيي-كما يصفه- و يجاذبني أطراف الحديث في شتى المواضيع دون أن يستهين برأيي و أو أن يقلل من شأني أيا كان موقفي من الموضوع.

هتفت أمي في جزع:"أخشى عليك في تلك البلاد يا بنيتي..كيف ستعيشين فيها طوال هذه الفترة بمفردك؟! ماذا لو تعرضت لمضايقات هناك و.."

قاطعت أمي قائلة في حسم:"كم مرة تحدثنا في الموضوع يا أمي؟ الأخيار و الأشرار موجودون في كل مكان..ثم لماذا لأتعرض هناك للمضايقات و الإزعاج؟ هل أنا إرهابية؟! إنما أنا طالبة أتت لتدرس في بلد مشهود له أنه من البلدان الرائدة في الحقوق و الحريات..هيا يا أمي الحبيبة لم يتبقى لي الكثير من الوقت،لتباركني دعواتك."

عانقت بقوة أمي التي بدت كأنما استسلمت في النهاية لواقع الأمر و قبلت كفيها و جبينها قبل أن أعانق أبي في حرارة،ثم أهرول مبتعدة خشية أن أضعف أمامهما.

استقليت الطائرة أخيرا و هاهي ذي تنطلق بنا نحو بلاد طالما حلمت أن أيمم وجهي شطر سوربونها.."السوربون العظيم" الذي حظيت أخيرا و بعد محاولات عدة على مقعد دراسي في إحدى كلياته المرموقة.

تطلعت بناظري خارج النافذة..هل حقا سافرت؟هل سأحمل قريبا شهادة تخرج من هذا الصرح العلمي الشهير؟!

تأملت وطني الذي بدأ يتضاءل حجمه شيئا فشيئا على قدر ارتفاع الطائرة،وابتسمت في ألم..إنني أشعر حقا بالحنين يطرق باب قلبي..أبهذه السرعة يهزني الشوق إليه!! لطالما كتبت أشعارا عن الوطن و طالما صدحت بصوتي مرددة أغاني وطنية كثيرة..لكنني لم أكن أعتقد أنني أكن له هذا المقدار من الحب و الوفاء بقدر ما كنت أظن أنني أكتب عنه فقط لاستعراض موهبتي الأدبية أو الغناء لمجرد التباهي بخامة صوتي الشجي..لكنني أحبه حقا،بلى أحبه! أواه من حبك يا وطن..نصارع الظروف بحثا عن فرصة لمغادرتك و حين نبرح أرضك يفيض كأس الشوق غارقا فيه الفؤاد!!

لكنني لا أنكر،بلى لا أنكر سعادتي بمضيي قدما في سبيل تحقيق غايتي. لست سعيدة بذلك القبول المبدئي بجامعة السربون قدر سعادتي و زهوي بنفسي أن آتت جهودي أكلها رغم كل العراقيل التي اعترضتني للحصول على هذه المنحة.

أجل تلك أنا..لا أيأس أبدا! فرغم محاولاتي السابقة الخائبة للتحصل على منحة جامعية بالخارج و رغم التردد الواضح الذي لمسته في مواقف والدي لما أعلمتهما بقبولي في الجامعة الفرنسية و محاولة ثنيي عن رأيي للعدول عن السفر، إلا أنني أراني أخير أجلس في الطائرة التي تقلني إلى هدفي المنشود.

لفتت نظري فجأة في غمرة شرودي نظرات عدوانية من الشخص الجالس أمامي.كان يلتفت لي في كل مرة ليرمقني بنظراته النارية تلك متمتما بكلمات بذيئة باللغة الفرنسية.

تمالكت نفسي بصعوبة و أنا أحاول تجاهله طيلة الرحلة و حاولت التركيز على مطالعة كتاب.

وصلنا أخيرا إلى مطار شارل دي كول بباريس،وبعد وقت وجيز،بدأنا نتأهب للنزول. وقف أمامي فجأة نفس ذلك الشخص ليتأملني بنظرة قاسية قبل أن يسرع مغادرا الطائرة. أوجست خيفة و أنا أتقدم نحو الباب لأغادر الطائرة. وما إن وطأت قدماي قاعة المطار حتى سمعت صوتا يهتف بي من خلفي باللغة الفرنسية:"انتظري يا آنسة..".

استدرت في فزع لأفاجىء بشرطيين فرنسيين يقتربان مني و برفقتهما ذلك الأجنبي المزعج.

قلت في صوت حاولت أن يبدو متماسكا:"ما الأمر؟هل من خطب ما؟!"

أجابني أحدهما في جفاء:"ستأتين معنا!"

"إلى أين؟" صحت في هلع.

فقال:"لقد اشتكى عليك هذا السيد..لقد أزعجته في الطائرة.و هذا الأمر يجعلك موضع شبهة".

اهتجت في غضب:"إنه يكذب..أنا لم أحتك به مطلقا بل على العكس هو  الذي أزعجني و حاول استفزازي..".

قاطعني الشرطي قائلا في حزم:"لقد أزعجه الشيء الذي تضعينه على رأسك و أثار شكوكه حولك. فهيأتك و لباسك يوحيان بأنك من ذوي الشبهات و الآن هيا معنا".

تراجعت إلى الخلف مصدومة..أزعجه شكلي و هيأتي؟! لكن كيف أبدو؟ و لماذا قد يزعجه ما أرتديه!! ألأنني أرتدي حجابا مزركشا و ثيابا ملونة طويلة أبدو موضع شبهة؟! أكنت المحجبة الوحيدة في الطائرة؟ ما شأنه بلباسي؟ ثم إنه كان يستقل نفس الطائرة القادمة من وطني..أي أنه كان هناك..هل كان ليجرؤ أحد في بلادي على أن يتدخل في خصوصيات أي فرنسي أو أن يعامله هذه المعاملة المهينة!!

تطلع إلي في شماتة و هم يقتادونني إلى غرفة شرطة المطار...

كنت طول مدة التحقيق لأربع ساعات شبه غائبة عن الوعي،أغمغم بإجابات لا أتبين كنهها..هل هذه بلاد الغرب حقا! هل هذه قلعة الحقوق و الحريات التي تمنيت يوما لو نبتت لي أجنح لأطير إليها..هل هذه هي البلاد التي ذرفت أدمعي لأدخل إحدى كلياتها ولو في إطار برنامج تبادل ثقافي حتى يتسنى لي إكمال دراسة القانون فيها لما لها من صيت ذائع في هذا المجال..؟!

تذكرت كيف استخفيت بكلام أمي لما كنت أذود عن سمعة هذه البلاد "الطيبة"..كيف عارضت إرادة أبي الذي حاول إقناعي بالعدول عن السفر.

آه يا أبي!لقد تصدعت تلك الصورة المقدسة و تهافت زخم هذه الأرض أمام ناظري..كل هذه الأرض كذبة يا أبي..بأحقادهم و كراهيتهم و عنفهم و عدوانيتهم..تبا للعنصرية إذ رأيتها اليوم مكتسية أبشع صورها و لم أراها قبل إلا في نصوص كتب القراءة!!

لم يخطىء المفكر الفرنسي الكبير روجيه غارودي حين قال:"الغرب كله عبارة عن حادثة"!(L'occident est un accident).

لم يعد هناك الآن ما يغريني بأضواء باريس..إن هي إلا ظلمة و ظلمات إن لم يشتعل النور في قلوب قاطنيها الحاقدين جلهم على الأبرياء ممن لم يقترفوا إثما و لا عدوانا..

غادرت مكتب الشرطي الذي انبرى يقول لي:"حسنا يا آنسة،نستطيع أن نقول أننا قطعنا الشك في كونك مصدر خطر على الأراضي الفرنسية لكنني أنصحك أن تزيلي غطاء الرأس هذا و تضعي مكانه قبعة..سيكون ذلك أجمل و أفضل!"

رمقته في صمت ثم مشيت قليلا قبل أن أركض نحو شباك التذاكر..لقد قلبت أمري طردا و عكسا وقررت.."مرحبا أريد اقتطاع تذكرة طيران أول رحلة إلى تونس..!"



   نشر في 18 نونبر 2020  وآخر تعديل بتاريخ 22 نونبر 2020 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا