التأريخ النصّيّ و الزخم التعبيري عند جواد زيني - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

التأريخ النصّيّ و الزخم التعبيري عند جواد زيني

  نشر في 27 يونيو 2016  وآخر تعديل بتاريخ 18 نونبر 2016 .

 د أنور غني الموسوي

بينما تعمد الرمزية المعهودة الى توظيف التأريخ الخارجي للمفردة و الاعتماد على ذلك التأريخ ، فانّ في القصيدة السردية يتحقّق للمفردات تاريخا نصّيا مبتكرا من قبل المؤلف و بفعل النص ، و بفعل هذا التأريخ النص يصبح للمفردات الوصفية في النص ثقلا تعبيريا غير مسبوق محققا لزخم تعبيري لا تمتلكه تلك المفردات خارج النص ، حيث الجمع بين الرمزية و التوصيلية في المفردة الواحدة . بعبارة أخرى بينما المفردات في النص عادة ما تكون توصيلية او رمزية بالاساس ، فانّ المفردات في السرد التعبيري و اللغة المتوهجة تجع بينهما في وقت واحد ، وهذا من الاساليب الصعبة و المتقدمة للكتابة الشعرية .

التوهّج و اللغة القوية تحتاج الى تموّج تعبيري ، اي انّ النص و تراكيبيه تتموّج بين اللغة التوصيلية و اللغة الرمزية و بفعل هذا التموج تتراكم التواريخ و الزخم النصي للمفردات مما يحقّق التوهّج ، و ينتج عن هذا التموج التعبيري و ما يكون عنه من توهج و نظام رمزي-توصيلي احالات و دلالات غائبة و حاضرة في وقت واحد مقصودة او غر مقصودة واعية او غير واعية ، وهذا ما يحقق نظام غيابي متجلّ في النص يمثل المسكوت عنه فيه الا انه يمكن تتبعه و ادراكه و الشعور به من خلال وحدات النص الحاضرة .

سنتناول هنا تجربة الشاعر جواد زيني في قصائد نثر حقّقت درجات عالية من تجلّي التأريخ النصّي و الزخم الشعوري .

في قصيدة أوّل الهذي المنشورة في مجلة تجديد الادبية ( 9\5\2016)

نجد الصور الموضوعية للتوهّج بلغة متموجة تصنع تأريخا نصيّا و تنتج زخما تعبيريا للمفردات و ثقلا فكريا و ذهنيا جديدا لها .

( في أوّلِ رحلةِ امتطاء غمامةٍ من هذي شيخوختي المباغتة حدثَ الاصطدام بنورس غِرٍّ أغفل ربط حزام الأمان !…تداخلت عظامي الهشَّةُ وعظام النورس وها أجنحته عندي لكنّه فقد ريشَ ذيلِهِ إلا بعضَ زَغَب . أنا و هو ألآن كيانٌ واحدٌ نحلّقُ باتجاه واحد برؤيتين اثنتين هو مغامري عتمدُ حِسَّه الفطري وأنا أمحّص الخيارات المتاحة لتلك اللحظة الهاربة من بعض يقظة، ليقظة كاملة، مازال صراعنا قائما لاختيار بقعة افضل لهبوط آمن .كيفَ يريدُ هبوطاً امناً منزوعُ الذيل إلا من بعض زغب ؟!…..كانَ الإرتطامُ . )

تتميّز نصوص جواد زيني بالتركيز العالي على الفكرة ، و الدخول الفوري و المباغت في الرسالة و الخطاب الجوهري للنص ، وهذا يمثل شكلا من اشكال الكتابة المعاصرة البعيدة عن التشتيت و التطويل و الترهّل . و هنا يدخل المؤلف في عمق تجربته من دون مقدمات بحيث يفاجئنا الاصطدام و شخوص النص من نورس غرّ و شيخوخة مباغتة ، وهذه كلها اصوات متعددة في النص و مع عظام المؤلف و عظام الطير و الانا و الهو و اللحظة الهاربة من اليقظة و ارادة الهبوط الامن مع الارتطام ، هذه التقابلات و الكم الكبير من الارادات و الرغبات مع ما يقابلها من واقعيات و حالات ممانعة و ممتنعة ، تخلق نصّا بوليفونيا متعدد الاصوات ، و تخلق تأريخا نصيّا للشخوص الرئيسية في النص وهم ( الرحلة ، و انا ، و النورس ) و تخلق لغة متموجة تتناوب فيها التوصيلية و الرمزية ، و تخلق لغة قوة متوهّجة تجمع مفرداتها في وقت واحد بين التوصيل و الرمز .

و مع أنّ الرحلة الاولى كشخصية نصية قد تجلّت في النص بشكل محسوس و منطقي ، و بصدق عميق ، فانها أيضا اكتسبت بعدا نصيّا من خلال ذلك البوح ، و في الواقع لو قلنا أنّ ذلك هو غاية الكتابة الجميلة لكان حقّا ، وهو التعبير عن اللحظة الشعورية بأدق و أصدق تعبير و الذي يتجلّى بوضوح و من دون أيّ غموض يتعب القارئ و الذهن ، و الذي اضافة الى كشفه الحالة الانسانية في الكتابة فانّه يخلق مجالا معنويا و تعبيريا جديدا يوسّع طاقات اللغة و مفرداتها التعبيرية .

لقد كان الشاعر واضحا و واسعا في بيان رحلته الأولى بحيث يمكن أن نعدّ هذا البيان للتجربة الاولى التي عانها المؤلف بيانا تعبيريا يعطي للاشياء معنى آخر مختلفا ، هو أعمق و أوسع من الفهم العادي لها ، و بما يحقّق الصدمة و الابهار ، ليس من خلال المجاز العالي و التشظي التعبيري بل من خلال التأريخ النصّي و الزخم التعبيري للنص ، و يتجّلى ثقل التأريخ الذي صنعه النص و الزخم التعبيري له من خلال تجمّع كتل التجربة و المعاناة في نهاية الارتطام حيث ينتصر صوت التساؤلات و الترددات على صوت التسليم و المماشاة .

انّ التأريخ النصّي الذي يبتدعه خيال المؤلّف و الزخم التعبيري للنصّ الذي يوسّع المدارك باللغة و مفرداتها هو المجال الخصب و الساحة الواسعة التي تنتج لنا أدبنا عذبا و عميقا يجمع بين الوضوح و السلاسة و بين الابهار و الدهشة ، وهذه هي غايات الادب عموما و الشعر و قصيدة النثر خصوصا .

و في قصيدة اخرى بعنوان ( باب السراب ) المنشورة في مجلة تجديد في 20\4\2016

نجد ثقل التأريخ النصي و الزخم التعبيري حاضرا ايضا

( بابٌ بِلا صَريرْ، موصَدةٌ على أُفْقٍ غائمٍ حٓيثُ اللّاشمس، يطرقها حالمٌ هاربٌ من جحيم اليقظةِ يراوحُ في كسرةٍ من يابسة على لجّةِ فٓراغٍ مُحدقٍ بالطّٓفْوِ، ليس خلف الباب سوى الغياب….من يفتحُ باباً لطارقٍ لا يجيدُ عبورَ سِياج الوهم ؟!! )

و يحضر هنا أيضا التكثيف و التركيز و سرعة بيان الرسالة و الخطاب و الصدق و الوضوح من دون تشظي و لا تشتيت ، و من خلال التركيز على الحالة الشعورية و وصفها و انبعاثها من العمق و اطلالتها من الذات يحقق النص التعبيرية النموذجية ، و من خلال ما يتحقق لمفردات من زخم تعبيري و ثقل شعوري و قدرات و طاقات عالية في نقل الاحساس الذي يسابق الفهم يتحقق شكل من اشكال التعبيرية التجريدية .

تأريخ الباب في هذا النص يتصاعد باعتبارها شخصية نصيّة و تتكاثر انظمة العلاقات و توصيفاتها فهي بلا صرير و موصدة على أفق غائم حيث اللاشمس ، و يطرقها حالم هارب من جحيم اليقظة ، و ليس خلفها الا الغياب ، و ليس هناك من يفتح الباب .

انّ ما ذكرنا من شعر جواد زيني و غيره مثله يمكن ان نسميه بالشعر التعريفي ، و الذي يحاول ان يعطي للاشياء تعريفا شعوريا جديدا فينما في ( اول الهذي) قدم النص تعريفا شعوريا خاصا للرحلة الاولى و الارتطام ، فهنا في ( باب السراب ) يقدّم تعريفا شعوريا خاصا لباب من وهم و طارق واهم .

و في سردية تعبيرية نموذجية محققة للصورة النموذجية لقصيدة النثر المعاصرة يتجلّى التأريخ النصّي و الزخم التعبيري في قصيدة (ظمأ) المنشورة في مجلة تجديد في 11\3\2016

( ألجَدْولُ الصَغير اعتادَ عبورَ قطعان الظباء بينَ ضفتّيه ،لم يكُن عميقاً ليثيرَ فيهّن الخوفَ . قاعهُ قريبةٌ من رقابهنَ، لكنَّهُ لا يطربُ لرنينِ أجراسهّن الراقص على عموده الفقري ، يُنصِتُ لنبضاتِ خافقِه حينَ تعبُرُ ظبيةٌ مع القطيع دون أن تبتلَّ ! إحدودبَ ظَهرُ الجدول ومازالَ يبحثُ عنها في سَقْفِه بينَ الغيوم يجمَعُ ريشَها المتهاوي بأحلامِه لوسادةِ نَومه الوثيرةِ . ما أشقى الجدول الظمآن ! )

و كالعادة يدخل المؤلف في صلب القضية و الحكاية ، و يبدأ من حيث النهاية ، فالجدول في البداية هو الجدول الضمآن في النهاية ، هو الذي يرى كل هذا الفضاء و تلك الانغام و تلك الاجواء الساحرة ، وهو الذي يدع الاشياء تجري حسب رغباتها و يتحمل كل ّ المعاناة و النظرات ، و الحلم و البحث ، في جوّ من الصدق و العذوبة . و يحمّل المؤلف بصدقه المعهود و بسرده العذب و وصفه العالي جدوله تأريخا نصيا و زخما تعبيرا غير مسبوقا .

و يتجلّى التأريخ النصّي و الزخم التعبيري في قصيدة في منتهى العذوبة و البيان حيث ( ربيع القذى ) نترك للقارئ التأمل في ما اضفاه النص و المؤلف على وحداتها و مفرداتها من طاقات تعبيرية و البس شخصياتها تواريخ نصيّة و زخم شعوري باهر

(ربيع القذى )

( كلَّما فتَحْتُ عيَنَ القذى بكأسكَ تتسلّقُ أَجفاني حبَّةُ رَمْل . أَكتَنِزُ الكثيرَ من اللؤلؤ في أصدافي، يرُّجُّ الكأسَ خُطَبٌ وشِعاراتٌ ومسيرُ خُطى الوَراء .مُخيفٌ الربيعُ * ألربيعُ لا يحتاجُ الهامشَ والمَتْنُ خَراب ! )

لقد نجح الشاعر بسرده العذب و وصفه الهادئ الرقيق و الدقيق تحقيق غايات اللغة المتوهّجة الجامعة بين البوح و الابهار بتواريخ نصيّة جليّة و زخم شعوري تعبيري للمفردات مؤثر ، و من الواضح أنّ في النصوص أبعادا ابداعية فنيّة و جمالية و انساقا تعبيرية كثيرة الا أننا و كما هو معروف نتناول و نركز على جانب واحد لأنّا وجدنا أنّ هذا هو الاسلوب هو الامثل لأجل تطوير النظرية الأدبية و تعميق فكرتنا عن أسلوب المؤلف و الظاهرة الأدبية .



   نشر في 27 يونيو 2016  وآخر تعديل بتاريخ 18 نونبر 2016 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا