مشكلة الله في العلم الحديث - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

مشكلة الله في العلم الحديث

  نشر في 07 أكتوبر 2018 .

  

  حسب العلم الحديث ، ما إن بلغت سلسلة التطور في الرئيسات إلى الهومو سابييس Homo Sapiens ، حتى تمكن هذا الفصيل الطبيعي من امتلاك شيء جديد تماما و غير مسبوق ، و هو "الخيال Fantasy" ، و به شيد الإنسان العاقل طبقة أخرى -بعد "طبقة الواقع"- من طبقات التعاطي مع الوجود ، و هي "طبقة الثقافة" ، ومنها تكونت المفاهيم الرمزية في ثقافات الشعوب كـ"مفهوم الإله" (Yuval Noah Harari ;2014) .

  و يقر الكثير من علماء الأديان كما يؤكد الواقع أن سبب استدعاء الإنسان لمفهوم الإله ، جاء في سياق البحث عن إجابات مفسرة لطبيعة و ظواهر الوجود ، حيث سقط الإنسان -البدائي- في بوثقة الإندهاش من عظمة و تناسق و جمال الطبيعة و الكون ، ما حدى به إلى البحث عمن أخرج هذا النسق العظيم إلى حيز الوجود ، فكان خيال الإنسان في الموعد و صاغ مجموعة من الأجوبة الأسطورية التي تدور حول مفاهيم رمزية كالآلهة و الشياطين و الملائكة و غيرها ، هكذا يتضح أن مفهوم الإله في صيغته المبدئية ليس إلا تعبيرا عن الأجوبة التي اقترحها الإنسان بخياله عن الأسئلة الوجودية التي ما فتئ يطرحها منذ ظهوره فوق كوكب الأرض ، فالإله يفسر كيف ظهر الكون و الإنسان و الحياة ، و هو نفسه من يحدث الأحداث و يجري الظواهر ، و بالتالي فكل شيء يفسره الإله و ذلك ما يخرج الإنسان من الإندهاش الأول من عظمة الكون و يوفر له الطمأنينة بأنه ليس مجهولا و وحيدا في هذا الكون الفسيح ، و إنما مُرافقا و مُعتنا به من طرف قوة جبارة ، لا يُخشى شيء تحت عنايتها ، (فراس السواح; 2016).

  و مع ظهور الفلسفة اليونانية سوف تحدث خلخلة في المنظور الأسطوري للعالم ، و بإزائه سوف يفصل الإله عن التفسير الإنساني للعالم ، و هو ما جسده "طاليس" باقتراحه الماء كأصل للوجود عوض خلق الآلهة كما كان سائدا ، و هو ما استحق به طاليس لقب "أول فيلسوف في التاريخ" حسب نيتشه (فريدريك نيتشه،مترجم; 2005) ، و بعده سوف تتناسل التفسيرات العقلانية لظواهر الوجود المبتعدة نسبيا عن إقحام الآلهة في تفسير العالم ، غير أن و مع نكسة القرون الوسطى التي سوف تعرف ظهور أكبر ديانتين توحيديتين وهما المسيحية و الإسلام ، إذ سيحدث مع صياغة ثقافة هذين الديانتين عودة محمومة إلى البراديغم القديم ، حيث سوف تعرف كل علوم القرون الوسطى الزواج بين الإله و العلم ، و خير معبر عن المناخ الفكري لهذه العصور هو قولة المسيحي القديس أنسيلم: "أنا أومن كي أفهم" ، ما يعني أن الإيمان في القرون الوسطى كان هو المدخل الوحيد في أفق تفكير هذه العصور لفهم العالم و الإنسان و كل باقي الظواهر ، ما استدعى اندماج الدين و العلم و الإله في بوثقة واحدة ، و هو ما يفسر ظهور كتب فلسفية في هذه الفترة تحاول التأكيد على توافق الدين مع الفلسفة و العلم كبعض كتب الكندي و الفرابي و ابن رشد و ابن ميمون و كوما الأكويني ، إضافة إلى مدونات علمية تعتبر الإله أهم جواب و أحسن تفسير لظواهر الطبيعة ، بل سوف يعتبر هذا الجواب مقدسا غير قابل للشك و إعادة المراجعة ، ذلك ما سيساهم في تخلف العلم إلا هامشيا من خلال التضييق على باقي التفسيرات العلمية غير المتدثرة بعباءة الآلهة ، بل سيصل الوضع بأصحابها إلى القتل و التشريد ، كجوردانو برونو و ابن رشد ، هكذا شكل مفهوم الإله الإبستيمولوجيا أو نظرية المعرفة الخاصة بالقرون الوسطى و نظرتها إلى العالم و الإنسان و الوجود.

  غير أنه و مع بلوغ العصر الحديث خصوصا الفترة ما بين 1450-1700م ، سوف يحدث انقلاب و ستتم العودة إلى البراديغم اليوناني الفاصل كليا بين التفسير العلمي للوجود و المفاهيم الرمزية لثقافة الشعوب كمفهوم الإله ، حيث سوف تتشكل ابستيمولوجيا حديثة ، تتأسس على البحث في أسباب الظواهر انطلاقا من الإيمان بأن هذه الأسباب توجد في العالم و ليست متجاوزة له (أي ليست ميتافيزيقية) ، بمعنى أن الزلزال مثلا كظاهرة طبيعية فإن سببه يوجد في الأرض و ليس مركونا في عالم غيبي يتحكم في هذه الظاهرة ، و قس على ذلك كل ظواهر الطبيعة ، فكل أسبابها الموضوعية المتحكمة في سيرورتها توجد فيها و لا علاقة لها بقوى غيبية ، و في سياق هذا التحول سوف يعرف "مفهوم الإله" أزمة عويصة ، باعتباره نظرية معرفة تحتوي على تفسيرات مقدسة ، إذ مع تناسل النظريات العلمية الحديثة و تحقيقها نجاحات متتالية بمنهج علمي تجريبي ، سوف تتراجع مكانة الإله في العلم إلى أن ينسحب كليا في العلم الراهن .

  إذ مع تطور ظاهرة "العلم الحديث" ، الذي سيقوم على افتراضات علمية و يحاول اختبار صحة كل منها ، سوف يتحول الإله في إطار هذا التقدم العلمي هو الآخر إلى مجرد "فرضية تفسيرية" ، يتم التعامل معها من قبل العلماء على اعتبار أنها قد تكون صحيحة أو قد تكون موهومة و أسطورية ، و مع تعذر التحقق من فرضية الإله نظرا لطبيعتها الرمزية ، و مع كذلك إمكانية التحقق تجريبيا من فرضيات أخرى ، أتبث نجاعتها التفسيرية ، فإن فرضية الإله أسقطت من أجندت الكثير من العلماء المحدثين و المعاصرين ، إذ ستظهر بإزاء ذلك ما يسمى بظاهرة "الإلحاد" في صفوف العلماء ، إذ أن أغلبهم في الفترة الراهنة ملاحدة و لا أدريين ، أو في في أحسن الأحوال ربوبيين أو لادنيين ، أي مؤمنين بانتفاء وجود الإله المفسر لظواهر الوجود الذي بشرت به الأديان .

  و المتأمل لكتب هؤلاء العلماء ، يلاحظ بأنهم يرفضون "الإله" ليس انطلاقا من اعتباره أفقا روحيا أو تجربة روحية خاصة ، و إنما انطلاقا من اعتباره "فرضية فاشلة" في تفسير الوجود ، متذرعين عوض ذلك بتوفر فرضيات أخرى ناجحة و ناجعة تفسيريا و تحليليا أكثر من فرضية الإله ، هكذا فالعَالِم أو الباحث الحديث يتعطى مع الإله كفرضية فقط إذا تبثت له صحة و نجاعة فرضيات تفسيرية أخرى ، فإنه يسقطها و يتخلا عنها بكل بساطة ، و من هنا يظهر أثر الممارسة العلمية على الإيمان الرمزي للعلماء الكبار في العالم ، بل من هنا تظهر وطئة العلم الحديثة التقوضية للعناصر الرمزية من ثقافات الشعوب التي في طليعتها مفهوم الإله .

  هكذا فمع تقدم العلم ، تتحتم ضرورة إعادة النظر بشأن طبيعة "مفهوم الإله" ، بطريقة تجنب الصدام الذي لا يمكن إلا أن ينفي وجود أحدهما (الإله/العلم) ، إذ سيكون من الأفضل للاهوت المعاصر الإجتهاد في إعادة صياغة "مفهوم الإله" ، و تحويل فاعليته إلى خارج ميدان العلم ، أي صياغة مفهوم جديد لا يختزل الإله في تفسير العالم و إنما في إعطاء معنى فقط له ، و ذلك في أفق المصالحة بين النظرة العلمية الموثوقة للعالم و التي لا يمكن أن تكون خاطئة ، و الإيمانيات الشخصية للأفراد ، و عناصر الثقافة الرمزية للشعوب كالأديان . 

 أو عوض ذلك و هذا حل متعذر ، تفكيك الأسس الإبستيمولوجية للعلم الحديث ، و إعادة بناءه بشكل يجعل الإله حجر الزاوية في التفسيرات العلمية كما كان سائدا في القرون الوسطى ، و هذا الجمع بين هذين المكونين كما أتبثت التجربة التاريخية لا يساهم في تقدم العلم و إنما في تخلفه ، و مراكمته ما يفيض عن حاجة البشرية من اليقينيات و الدوغمائيات المقدسة الغير قابلة للمراجعة و الإختبار ، و بذلك فإن هذه الردة غير ممكنة خصوصا في سياق نجاح العلم وفق بنيته الحديثة ، و تسهيله لحياة البشرية و تقديمه تفسيرات صائبة و ناجعة جدا لظواهر الطبيعة و الكون و الإنسان و المجتمع .

و في غياب المقترح الأول أي إعادة صياغة مفهوم الإله دون تحميله حمولة تفسيرية لظواهر الوجود ، سوف تحدث إما قطيعة بين البشرية (أو جزء منها على الأقل) و مفهوم الإله بمعناه القديم ، أو قطيعة بين البشرية و ممارسة العلم وفق أساسه الإبستيمولوجي الحديث ، أو الجمع المتناقض بينهما .



   نشر في 07 أكتوبر 2018 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا