بيكاسو والشرق الاسلامي.بقلم سيف سالم - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

بيكاسو والشرق الاسلامي.بقلم سيف سالم

بيكاسو والشرق الاسلامي

  نشر في 11 نونبر 2016 .

في اللوحات والأشكال الفنية المختلفة التي قدمها بيكاسو، جرى التعرف منذ زمن طويل، على تأثيرات قيل مرة انها جاءت من المنحوتات الزنجية، او من منسوجات البيرو او من جداريات بومبيوس الايطالية مرة بعد اخرى، فيما اعتقد آخرون أن مبادئ التكعيبية ذاتها ليست نتاج ابتكار جديد تماما، انما بالإمكان العثور على بدايات لها عند كبار الفنانين الرومان والقوطيين واليونانيين القدامى بل حتى في ضربات غيرهم كسيزان مثلا.

بيد أن الشرق والشرق الإسلامي خاصة، هو مصدر التماثلات الأقوى التي تشترك بها التكعيبية مع عوالم بيكاسو في عدد من المجالات.

فنحن قد لا نعرف الحدود الدقيقة التي ينبغي وضعها لمعرفة وجود الاستلهام او التأثير الواعي او حتى المحاكاة عندما نسعى لتفسير ظاهرة وجود تلك التماثلات المدهشة. لكنّ من المستحيل إهمال الرأي الذي تؤكده النظرة البسيطة ويخطف من الرسم الحديث بعض غرائبه المثيرة، وهو ما يلاحظ غالباً من وجود قدر مهم من السطوة للأشكال التجريدية لدى بيكاسو. هذا الحال لا يمكن أن يكون مجرد صدفة، انما يوحي بأن نوعاً من الولع الموروث لديه جعله طبيعيا ومباشر اللذة تقريباً، ذلك التناسق الجلي بين الموضوعات عنده والذي لم يفسره البعض إلا كنتيجة لمنطلقات نظرية.

والحال اذا كانت التكعيبية ليست إلا مرحلة في عمله، فمن الممكن التصور بانها وصلت او تبلورت اليه بفعل ملكة ما فطرية لديه مثلما قد تكون وصلت بفعل عامل آخر الى سواه من الفنانين.

فهذا الفن المجرد من الهيئات البشرية والخالي من اية مظاهر حسية احيانا، بل غير المحافظ حتى على الجماليات الملموسة في الاشياء وعلى اشكالها الحية، هو “فن مفهومي” بكل معنى الكلمة.

ويبدو بالفعل ان فناناً ما اسبانياً، ومن صلب عربي حصراً، وحده من يستطيع ان يجعل ذلك ابتكاراً. وعليه، وكما لاحظ غيّوم ابولينير من قبل، من غير الممكن استبعاد افتراض وجود مسلم ما شرقي بين اجداد بيكاسو، هو الذي يقوده تلقائيا نحو “شيطان التجريد”. وهكذا، وبعد مرور اكثر من عشرة قرون، يكون بيكاسو قد بدأ مغامرة شبيهة بمغامرة الاسلام في تجريد الرسم من كل بعد تصويري.

اننا نعرف نفور المسلمين من التصوير الواقعي. فلقد ابتعدوا شيئا فشيئا عن الاشكال الحسية وعن فن المحاكاة الذي يستبدل الطبيعة بمشهد منها له ظاهر الواقع او الحياة، مختارين كعنصر اساسي ما هو اقل حسية، ونقصد به لعبة الخطوط التي صارت هي ذاتها مثالها الخاص. فهم لم يكتفوا بتجنب تصوير الهيئات الانسانية وبمطالبة الفنان بالامتناع عن تقليد العالم الفعلي عبر صور عاجزة وحسب، انما ابتكروا فناً شبه لامادي متخلص من ثقل الموضوعات الى اقصى حد، لكنه مدرك من العين والروح في ذات الوقت. ففي بعض الزخارف الاسلامية، وحيث يجري إقصاء اي عنصر طبيعي، تتولّد عن التواءات وتعرجات الارابسك لذة ابداع مطلق للعين. وهكذا، ورغم ان النظام فيها يظل غير ممكن التحديد إلا عبر الحساب، فان اعمالا لها كثافة محض ذهنية كهذه، هي على وجه التحديد، ما زعم كثير من التكعيبيين تحقيقه.

وكما نعرف، ان هذا الطابع العام في الفن الاسلامي يفسر نفسه جزئياً بالقيم الدينية. فمن الصحيح ان القرآن لا يمنع تصوير الاشياء، إلا ان الاحاديث النبوية تحمل بشكل شديد على صانعي الصور والنحوت موحية بان الله يلقي عليهم يوم القيامة مهمة مستحيلة تتمثل بإضفاء الحياة على تلك الهيئات التي اقتبسوا شكلها مما صنع الخالق. اي ان كل الاشكال الحسية التي قام الرسام بتقليدها عبر فنه ستخرج من قبورها عندئذ لتطالبه بمنحها الروحٍ بدلاً عن مظهر الحياة الخارجي الذي خصها به، وبالتالي سيجد نفسه مطارداً بحشد طويل من كل اولئك الذين استدعاهم بفنه الى الوجود. وبما انه سيكون عاجزا عن تصحيح فعلته المكابرة تلك، الرسام بالاكتواء بنار جهنم الخالدة.

نفهم اذن سبب تخلي الفنانين المسلمين عن الانموذج التصويري في الرسم نظرا الى تعلق الامر بإرادة النجاة من ذلك المصير الرهيب. لكنهم مع ذلك لم يتخلوا عن الطبيعة تماماً، بل لم يحرموا انفسهم ابدا من ينابيع فن المحاكاة في عدد من المجالات. فما صار يشغلهم هو كيفية طمس ما يستعيرنه من الطبيعة، كي لا يجد الله في يوم القيامة اشكال مخلوقاته في رسومهم ، ومن هنا سعيهم الى تجريد الطبيعة الى ابعد الحدود الممكنة من ملامحها المباشرة والى تقديمها خفية مقنعة بالتالي.

وهذا يفسر اهتمامهم بالاساليب التي ذهبوا في تبسيطها الى حدود بعيدة حتى صار من الصعب جدا علينا التعرف على انموذجها الاصلي احيانا، فهي لم تعد اسوداً او فيلة او طواويس، كما لم تعد اوثانا لتعبد، انما اصبحت محض عالم جديد مستلهم عن الطبيعة، عالم لا يتذكر اصله ولا يمكن ان نتعرف فيه إلا على دقة فتنة الاشكال الهندسية. فالشجرة المقدسة، رمز الحياة والخلود، التي جرى تصويرها غالباً وعبر شتى الازمنة في الرسوم الاسلامية، لم تكن في الفترات الاولى قد تخلصت من كل واقعيتها، كما هو الحال في منبر القيروان المصنوع في نهاية القرن التاسع، والذي يقدم لنا شجرة واقعية بجذعها واغصانها واوراقها وثمارها، برغم ان المفاهيم الجمالية والضرورات الهندسية انطوت سلفاً على جوانب لاواقعية، إلا ان الشجرة راحت تتبسط اكثر فأكثر مع مرور الزمن. ولئن ظلت توحي عبر بعض تعرجاتها بما كانت عليه في الاصل فانها لم تعد تمثله.

ونستطيع القول ان الجهد الزخرفي في الشجرة المقدسة المرسومة على حوض الوضوء الموجود في متحف الآثار بمدريد، والعائد الى القرن العاشر، ابتعد حتى عن مجرد الاستلهام الرمزي للطبيعة، ليصبح الانسلاخ في الاخير كاملا في فترة لاحقة، كما في الضريح المقام في دمشق الذي يعود الى القرن الحادي عشر. فالتكوين الذي فيه تحول الى مجرد لعبة خطوط رائعة، كما لو ان شبكة وهمية هي ما يؤلف بين التعرجات الغصنية والالتواءات الحلزونية، في حركة حرة ومقيدة في الوقت نفسه.

وقد يبدو مثيرا، لأسباب ليست مختلفة إلا ظاهرياً، اننا نستطيع تقديم ملاحظات مماثلة حول موضوع التكعيبية. لكنها في سعيها للوصول الى فن مفهومي، تبدو بالفعل كما لو انها مرت في تلك المراحل نفسها، اي ان اللوحات التي يسودها الاسلوب التجريدي لا تتخلى إلا نادرا عن ملامح الاشكال المقلدة حيث نتعرف فيها على قيثارة او غليون او قارورة او شبح انسان، وكل ما يشير الى عالم لم تستطع تجاوزه برغم كل شيء. كما ان المشهد الواقعي الذي خططت لتجاوزه يترك اثارا لا تقاوم تقريبا في العمل الابداعي الذي لا يبدو، حتى في تعبيراته الاكثر غموضا، إلا طبيعة مجردة وتجريدية تماما، كما ان اعلى درجات التجريد الغصنية في الارابسك تظل توحي بصورة الشجرة الواقعية المرسومة في الزخارف الهيلينية على الرغم من كونها اصبحت جليلة ومتحررة، ومنقولة مع كل تلك الحرية الى عالم المخيلة. ويتجلى هذا بشكل اكبر في اعمال بيكاسو، فهو يلعب مع الطبيعة مقلدا ومبدعا منها ما ينتجه من اشكال.

ان كل اللوحات المهمة الى هذا الحد او ذاك والتي انجزها خلال سنوات عدة تستلهم نوعا من الواقعية التجريدية كما في لوحتي “الاولمبياد” و”نساء نائمات” العائدتين الى عام 1929، حيث تعكس المظاهر المعتادة ليتم بتمثيل خطوطي استبدال واقع يمكن التعرف بعد على اشكاله الاصلية. فهي تكتفي باظهار رأس بارز او سد مسطح مرسوم بموجب الايعازات الغامضة للخطوط او الزخارف، وهي لا تخون نماذجها الاصلية الا لذات البواعث التي حكمت تطور الفن الاسلامي من اسلوب الى اسلوب ونقلة الى اخرى انتهاء باللاواقعية.

نستطيع احيانا ان نتابع، في سلسلة من اللوحات التي تستلهم الموضوع نفسه، عملا روحيا يحول الاشياء بصورة تدريجية الى خطوط وحركة تشكيلية، محاولا اعطاءها معنى جديدا بعد ان يسحب منها خاصياتها كموضوعات. وفي هذا المجال نجد ان اللوحات الثلاث التي تحمل اسم “طبيعة ميتة” والتي رسمها بيكاسو في عام 1931 تناظر في خصائصها التمثيلات المتتالية لشجرة الخلود الاسلامية، اذ ان الجرة والابريق وسلة الفاكهة لا ترتبط بمعانيها الواقعية إلا عبر ذكرياتها هي عن نفسها، فيما تحتفظ متعرجات محيطها الاهليلجي بحجمها الحقيقي دون مساس تقريبا، كما لو كانت تستجيب بعد للمنظور الاعتيادي، غير ماثلة إلا عبر التأثيرات اللامتوقعة لعملية التشكيل، وعبر نمط جديد لا ينتمي الى عالم الاستعمال البسيط. بيد ان الخط في لوحتين غيرها، اخذ ينتزع حريته بشكل نهائي كما لو ان هذه الارابيسك تخضع للقوانين الخفية لتطورها وليس لاندفاعات الاشكال التي تمخضت عنها. واذا ما كشفت، عبر تحابك اكثر انتظاما، عن مكان وظل الموضوع الذي كانته، فان هذا الكشف لا يكاد يظهر جلياً. فالفواكه تركت الاناء لتصبح محض محيط يدور حول ظله الكسول، وهناك اخيرا اشكال اخرى وليدة لكنها لا تمثل شيئا سوى نفسها. وعموما فان التكوين كله يحقق، عبر طابعه الخطوطي وهيئته الخاصة ذاتها، درجة مذهلة من الطموحات التي نجدها بارزة في كثير من الرسوم الاسلامية.

ان تراجع الاشكال الطبيعية لا يذهب دائما الى تلك الدرجة من الابتعاد عند بيكاسو، حيث لا يفرض التجريد نتائجه النهائية إلا نادراً. ولعل ما تحقق غالباً في عدد من التقنيات الاسلامية، كما في السجاد مثلا، التي تتشكل من عناصر مأخوذة من الطبيعة، هي تقنيات يمكن ان تستدعي المقارنة مع عدد من اللوحات التكعيبية. إلا ان هذا الاتجاه ليس قاطعا كما ذكرنا. فالفنانون المسلمون يسعون الى طمس الطبيعة ويبلغون ذلك احيانا دون اعاقة اكتساب اعمالهم للطابع الحسي، لأنهم في مسعاهم الى “مراوغة” المبدأ الديني، وقطع الطريق على اكتشاف كائنات واقعية في ابداعاتهم، امتلكوا حيلا بسيطة جدا كالاكتفاء باستبدال قدم حيوان بأخرى لغيره، كما طوروا رسم حيوانات خيالية كطير برأس انسان، على نمط ابي الهول والثور المجنح، وكطائر العنقاء الخرافي الذي نصفه نسر ونصفه الاخر أسد، وجميع انواع الهيئات التي لا يتعرف الخالق فيها على مخلوقاته.

هذه الحاجة لخلق البدائل، حتى عبر تعامل ذي مظهر واقعي، هي اتجاه مهم جدا وعميق في الفن الحديث ولاسيما لدى بيكاسو. صحيح ان علاقة العمل الفني بموضوع توظيف العناصر، هي علاقة مستحيلة التحديد لديه بلاشك ، كما لدى كل فنان. إلا ان العمل فيها يبدو غالبا غير آبه لا بتطهير الموضوع ولا بتكوين تعبير اكثر ذهنياً عنه، انما فقط بطمس هويته الاصلية، طارحا اياها مستورة مقنعة. ونحن نعرف تكويناته ولاسيما في اعماله الاخيرة، حيث يتردد مثلا شكل فم يمثل كل الوجه، او فم يدفع قمة الرأس بغرابة، والى غير ذلك من اشكال مغايرة لما تريد التعبير عنه (وجه يشبه القرن، جسد انساني له هيئة اخطبوط باذرع عديدة، ومهرج بهيئة قيثارة).

وهذه الاشكال المبهمة تدفعنا الى تذكر رد ابن عباس عندما سأله رسام فارسي “اذا كان عليّ ان امتنع عن رسم الحيوانات فكيف اواصل مهنتي؟”. فرد عليه ابن عباس قائلا “اقطع الحيوان الى اجزاء كي لا يبدو حقيقيا، او اجعله على شكل زهرة”.

وهذا هو ما يفعله بيكاسو، كأي مسلم اصيل، عندما جعل من الاشكال التي رسمها محض طبيعة ميتة، كما لو انه يحرص كل الحرص على عدم مواجهة اشباحه يوم القيامة، ويجد نفسه مرغما على اعادة الروح اليها.

وبالفعل، فان تلك الاسطورة العربية ترمز بشكل جيد ربما، لهذه الاهتمامات التي تبرزها شتى الاشكال في فنه المزدوج الهيئة والغامض الى اقصى حد. فبمواجهة تلك اللوحات يتوجب على كل واحد منا وضع نفسه في مكان “رب” يحرص على احراج الفنان، ويجب إلا نتعرف فيها على العالم الفعلي الذي سعى الفنانون الزائفون الى إعادة انتاجه بأمانة، بينما هناك الف وسيلة ووسيله لجعله مستورا دون الحاجة الى إنهاك المظاهر او القطيعة مع اي من الاشكال التي يقدمها العالم.

وبيكاسو شأن الكثيرين من اتباع الفن التجريدي، لم يؤمن ابدا بضرورة اقصاء العناصر الواقعية من لوحاته. ففي هذا الفن الذهني نرى اجسادا وموجودات اكثر مما في فن الانطباعي كوربيه، الا ان هذه وتلك مقدمة بشكل مجرد لتفقد هكذا اي مضمون يوحي به اصلها. بيد انه لا يمكن الاستنتاج، كما هو حال الرأي التقليدي، بانها تشوه الواقع كي تشير له بشكل افضل. انما نقول انها توحي بما لا تمثله، وهنا يكمن اعجازها الخاص، ولهذا ينبغي الكلام عن التقنيع والستر. فما يريده بيكاسو وبأي ثمن هو ان يجعل ما يعبر عنه غريبا عنا بما يضعه بنفسه هو من اشكال على اللوحة. ولعل هذا ما يفسر طابع التورية والتلغيز و”خداع النفس” الذي تحمله العديد من لوحاته حيث يقترح جملة من الالغاز الرمزية المكابرة لا نستطيع فكها إلا اذا كنا، نحن ايضا، فنانين. ولا تقلل من قوتها ملاحظتنا ان الرسام يجعل من المراوغة غاية اساسية له تماما مثلما يفعل الفنان المسلم مع الدين، وعليه، فان فن بيكاسو ليس طبيعة عارية او مجردة انما هو، وكما قلنا، طبيعة مزورة.

ففي هذين الشكلين اللذين يأخذان لدى بيكاسو طابع الخوف من الواقعية الغربية، ويقدمان كلاهما تماثلات فريدة مع اتجاهات الفن الاسلامي، نرى عبر اية طريقة غامضة ومعقدة تتحدد العلاقات التقليدية بين الموضوع وتعبيره الجمالي. اي معا وفي الوقت ذاته، عبر اهتمام بالموضوع هو لا مبالاة به ايضا، وعبر بحث عن تجريد مشحون بكل ما في الواقعي من قوة.

وهذه الطريقة تنجب تناقضا لا يخشاه بيكاسو، ولا يسعى الى تهميشه إلا عندما يصبح صعب الاحتمال، الامر الذي يفسر ويبرر ربما الانطباع الخاص بوجود لا توازن يثيره مثلا، في عدد من اللوحات، البروز المفاجئ والفضائحي تقريبا، لشكل واقعي بين مجموعة من التكوينات تعود بأكملها الى المخيلة. وباهتمام مماثل وجد متعة، في الفترات الذهبية التكعيبية، في خلط موضوعات واقعية، كقطعة جريدة او طابع بريدي، في تكوين يبدو فيه التوظيف الصارم للمخيلة التجريدية رافضا لأي نوع من انواع المحاكاة.

هذا التناقض الاساسي والسعي الى حل له، يتواجدان في مكان آخر. فالتكعيبية كفن تجريدي، وكأي ابتكار، لم تسع الى التخلي المجاني عن التصور الحسي انما جهدت، كفن ذهني، لكي تظل حسية وعملت، في حدود الحركة الهندسية كليا لانشاءاتها، على اضفاء بعد جمالي على رونق التكوينات والنماذج الهيئوية التي يتم ادخالها.

بلا شك، ان الفن الاسلامي باعتماده الطابع الخطوطي المحض للزخارف بوجه عام، يتخلى في الاغلب عن ذلك الشاغل (وهنا يكمن التباين الجوهري بين الحالتين). إلا انه وبرغم اقتصاره على بعدين فقط، يعطي، في افضل منجزاته، الانطباع بوحدة لا نهائية بين الصرامة والحرية، وبين الانتظام والابتكار. وهذه تظل احدى اكثر مميزات الفن الاسلامي غموضا. فخطوط الارابيسك المنتشرة بسخاء على كل المشهد والمثيرة لما يشبه الدغدغة في العين، تبدو وقد نمت عن طريق المصادفة، في حين ثمة نظام دقيق هو الذي يتولى جمع كافة العناصر فيها، كما لو ان هناك مخيلة هندسية تحرس اهمية المفاجأة والكشف في هذه الشبكة الواسعة حيث حركة الخيال حرة تماما. فها هو نتاج الحساب يبدو بمنزلة نزعة كسل بارع لروح متعلقة بكل خط لذاته في ذلك النسيج الذي يتحول الى مجموع شديد التناغم بفضل تلاقي كل خط فيه مع الآخر.

هذا التوازن ونمط الحياة المجرد فيه نجدهما، تحت اشكال اخرى في العديد من نماذج بيكاسو التي تجسد المثال الاكثر تماسكاً في اعماله الواسعة التنوع. فهو ومنذ محاولاته الاولى، رفض ان يجعل من اللون حكماً في نتاجه، انما وعبر معرفة واثقة بطاقته الحقيقية، عهد الى سلطة الخط وحدها تلك الجرأة المتفجرة التي سعى لها الفوفيون في السيمفونيات الملونة.

وهكذا، فمع ضربة الحظ المجردة غير المنشغلة إلا بالقيم الجوهرية، والناجية تقريبا من الكسل المحسوس جدا، يخلق بيكاسو عالماً يحمل كل الهيبة والنفوذ وكل الاستباحات الضوئية الخارقة. واعماله التي نستطيع اعتبار بعضها اكثر روائعه اكتمالا، هي افضل الامثلة في التعبير عن تلك التحولات كما في لوحته “تحولات اوفيد” حيث التضارب الضعيف بين الابيض والاسود، يمنح نفسه حياة خاصة بفضل بيضوية الخط المتقطع بموجب سلسلة من القيم تستقبلها العين كدفعات من النغمات المتنوعة، اذ تبدو سحبة الخط بقوة اشراقتها ورقتها، كما لو انها دفقة من الالوان الفعلية، مما يعيد انتاج ذات الانطباع لحظة الوقوف امام بعض الرسوم الاسلامية، اي الانطباع بان لعبة الخطوط تسحر الضوء عبر ما تنجبه في داخليتها من تخيلات ومن احتقار للالوان.

ففي المحصلة الاخيرة، تحمل رسوم بيكاسو في ذاتها كل قيم الارابيسك بفضل دقتها النبيلة التي لا تقدر بثمن، الجادة واللامبالية، المثيرة والانيقة في الوقت نفسه، تلك الدقة المستقلة تماما بافتراضاتها وايحاءاتها، والحرة كليا بقوة حركتها التي لا يوقفها شيء بما في ذلك كل ما هو زائف واعتباطي من الاشكال التي تسمو بها الى مقام الضرورة في الطبيعة الجديدة.

واذا حصل له احيانا، في عدد من اللوحات ولا سيما المتأخرة، استعمال الوان صارخة، فان هذه الالوان الفجة والصعبة الاحتمال، تظل رصينة مع ذلك، متخلصة من لا تماسكها، بسبب فتنة الخطوط التي لا يستطيع اي عنصر دخيل ان يعكر نقاءها، بينما في فن ماتيس مثلا نجد الامر معكوساً، حيث ان التشويهات الاكثر فظاظة هي التي تأخذ من اللون ضرباً من الرصيد.

نستطيع الاستطراد اكثر في ذكر التشابهات وايحاءات العلاقة التي تكشف اعمال بيكاسو عن وجودها بين الشرق الاسلامي والفن الحديث. وبداهة، تظل الاختلافات قائمة نظرا لأنه من غير الممكن حجب الفن عن استقبال التغيرات التي فرضها توظيف التقنيات الحديثة بشكل كلي تقريبا، وعن ابتكار مهارات جديدة، وعن تأثير سبعة قرون مليئة بالاعمال الرائعة والنماذج التي ليس لفناني اليوم الرغبة او القدرة على الاستهانة بها. إلا ان الروح والمبادئ المهمة الخاصة بالتكعيبية وبأعمال بيكاسو بشكل خاص تسمح لنا باقامة مقارنات بينها وبين روح ومبادئ الابداعات الزخرفية الاسلامية. فهذه المقارنات ليست اعتباطية إلا ظاهريا كما رأينا في عدد من العناصر المميزة في هذا الصدد، حيث الخوف نفسه من الواقعية، والافتتان نفسه بالاشكال الخطوطية المجردة التي لا تمثل إلا تماسكا ذهنيا ونوعا من المهارة في خيانة الطبيعة من خلال محاكاتها، وستر الاستعارات المأخوذة منها، وخصوصا النزوع الفطري الرائع نفسه الى جعل الخط المجرد كليا والمتقوم بقيمته ودقته وحدهما، ملزماً بإنجاب فتنة تتجاوز تلك التي نجدها في عوالم التمثلات والاشكال.

فبيكاسو، وعبر تأويلات الارابيسك التي يضيفها الى النظريات التكعيبية، يبدو فعلا قد استلم كل ذلك من الاسلام كعطاء وراثي معيدا إثارة السحر فيه ودافعا مزاياه وفضائله الى اقصى الحدود.

لكنه في الواقع ليس الوحيد ممن استفاد من ذلك الارث، كما ان انفتاح فنه على الروح الشرقية لم يصدر ابدا عن تغرب خاص به. اذ ان التكعيبية والبيكاسوية ليسا في عزلة في عالم الفن التشكيلي الحديث، ومع ذلك فانه مثير جدا ان يمتلك الواحد والآخر، ذات المقدمات التي امتلكها الرسم الاسلامي، او على الاقل مقدمات متشابهة. فالفن الاسلامي الذي استعار من الفن البيزنطي نماذجه الاولى وتقاليده لم يلبث ان خرج على تلك التقاليد والنماذج لاغياً من اهتمامه كل ما هو واقعية مباشرة او صارخة. والتكعيبية من جانبها، لم تقم إلا باعطاء صيغة متطرفة لذلك الفن الذي اعلنت عنه بعض صياغات سيزان، وبعض مقدمات الانطباعيين الفوفيين والتي يمكن اعتبارها قريبة من الفن البيزنطي.

وهكذا يبدو ان الحركة التي قادت ماتيس الى بيكاسو هي نفسها التي قادت فن جو ستينيان الى فن الامويين، كما لو انها، وبعد مسافة اثني عشر قرنا، اعادت الاعلان عن نفسها عبر مقاومة اكثر عنادا لفن محاكاة الواقع.

هناك تواصل اذن، ناتج عن اسباب مختلفة، يربط ما بين الفن الحديث وشرق القرون الاولى المضطرب الذي عرف تحت تأثير المسيحية والاسلام ازمات روحية غرست في الفن بذور الانقلابات والتجديد، لكن الفوفيين باهتمامهم بالرسم المحض، لم يمكنهم حل المشاكل المختلفة جدا التي طرحت على اوائل الفنانين المسيحيين، عندما ظهر آنذاك عالم صوفي ادى، كما اليوم، الى قلب العوالم التقليدية للاشكال والتصورات، الامر الذي افضى الى صعود طموحات جديدة الى عالم النور. ففي ما وراء الاجساد التي كانت الانسانية الاغريقية الرومانية تفتح لها اسرارها، سعى البيزنطيون الى بلوغ حقيقة تحظر كل واقعية، لأنهم – شأن الفوفيين – لم يختزلوا الفن الى مجرد كليشيهات تنقل جاهزة، كما لم يضعوا هدفا لهم اعادة انتاج اشكال الطبيعة حتى ولو مزركشة ورائعة، انما وبمساعدة تقنيات الشرق الغنية، وعبر الاجواء التي تخلقها القيم الزخرفية، وايضا عبر قوة التعبير الرمزي، بذلوا جهدهم لاثارة الوهم الحي بعالم جديد وبالحضور الحسي الالهي.

وتجسد هذا التوافق في الاهتمام بابتكار آثار لا يمكن الامتناع عن مقارنتها بمثيلاتها الاكثر حداثة. فالالوان الزاهية للسجاد القبطي، وتألق المجوهرات البيزنطية، والخطوط البدينة التي تطوق الايقونات البسيطة والصلبة، هي المنظر الذي ينتصب امام العين اكثر من غيره في اعمال ماتيس، التي قام فيها بإضفاء التناغمات الملونة الاكثر عنفا في اطار رسم دقيق وارادي. فقد جمع فيها ضربات موسيقية فريدة لا تطرح نفسها بفضل يقينية تناغماتها، انما بفضل توازن وقوة تكويناتها الزخرفية، كما ان اللون، المتألق بسعادة لا يجدها في اي موضع من مواضيع الطبيعة بهذا القدر من التفجر، ينتمي الى الفسيفسائيين في رافين وسالونيك كما ينتمي الى فلامينيك وديرين.

فنحن نعرف في الواقع، ان الفوفيين القدامى سعوا الى منح لوحاتهم طرق التعبير نفسها التي كان الشرق القديم يتلمسها في كثافة الموزائيك او العاج او جمالية النسيج. اذ انهم قلدوا في الطلاء الخزفي وتطريز الاوشية كل التقنيات التي تحتاجها الفخامة كي تلتحق بالجمال. وحسب مفهوم حديث جدا، تسبب للشرق بشهرة “البربرية” المزعومة طوال قرون ، اراد الشرقيون ان يضعوا على لوحة الالوان، الكرامة ذاتها التي يمنحها العمل الفني الثمين لمادته الخام.

ولعل ما هو اكثر بروزا في هذا التواصل، الذي يمكن ملاحظة مؤشرات اخرى كثيرة فيه، هو ان الفنانين انفسهم شعروا باصالتهم واثبتوها احيانا. فاوتون فرياز، وحسب طريقة معروفة جدا، سرد كيف اكتشف في قطعة سيراميك فارسية “المعادل المطلق” لاحدى لوحاته، فيما اعترف ماتيس من جانبه بتناغمات تجعل بعض لوحاته قريبة من المنمنمات الاسلامية، وهي تناغمات منتقاة مع ذلك. لكنها ليست ابدا مصادفة غريبة طالما نعرف انه درس التقنيات الشرقية في نتاجاتها الاكثر ندرة، وهو ما اعترف به اكثر من مرة، حتى موريس دو فلامينك، الذي تشمئز عصاميته من التقاليد الفنية، وديرين الذي لن تذهب حساسيته المختلفة للتعبير في فن موضوعي في ما بعد، اذ وجدا نفسيهما متمتعين في فترة الفوفيين باشكال فن جعلته الآثار الشرقية مألوفاً.

من الممكن ايضا نكران ان التكعيبية لم تستخدم المعرفة الاثرية، والالحاح في ذكر الاعمال الزنجية، ازاء بعض لوحات بيكاسو الذي يمتلك قيمة الشاهد هنا. بيد ان غيوم ابولينير اعترف هو نفسه بأن المنحوتات المصرية والمتوسطية، ونستطيع اضافة بعض الروائع الحثية والسومرية والفخاريات القبرصية..الخ، كان لها تأثير كبير على الفنانين الشباب وتطلعاتهم، وهذا المشهد الذي جلبته الآثار لهم والذي اعتبروه فنا غير مكتمل بل وناقصاً بكل معنى الكلمة، دفعهم الى البحث عن حريات محفوفة بالمخاطر اكثر من تأثير كل النظريات التي حاولوا توظيفها لاحقا لتبرير ذلك الفن. في حين ان ما عرفوه بفضل تلك النظريات هو اهمية التنكر الساذج لمنظور عن العالم ينطوي في بعض لحظاته الغضة على تمثلات ضعيفة. فالعديد منهم لم يفعل شيئاً سوى استبدال العوامل التي يكابدها، هو نفسه، من سلطة الفن الشكلي عليه.

وهكذا راح بعضهم يزعم لنفسه ابتكار قيم ونماذج جديدة في حين كانت الفنون القديمة او الاجنبية قد دفعت كل ثمنها تقريبا. ففي الحقيقة فان علم الآثار الذي غدا الان موضع حذر كبير، شأن الفنانين الحقيقيين المدانين بالموت، هو الذي وبفضل انعطافة غريبة، وضع الفن الحديث على طريق النقاء. فعبر قيامه بالتعريف باقدم التقاليد الممكنة، كشف عن الطريقة امام الفن كي يكون حديثاً. لأنه بفعل شغفه بالتوثيق والبحث الدقيق، قدم للحساسيات التشكيلية دما جديدا وشعلة جديدة تقريبا. ونستطيع القول، بحدود ما، ان علم الآثار كان بالنسبة للفن فرصة لاكتساب الكثير من الجرأة، ومصدراً للخصب ولبعض الاضرار ايضا



  • seyf salem
    متحصل على شهادة الهندسة في الصيانة الصناعية بتونس وناشط بالمجتمع المدني والسياسي العربي والقطري ومدون
   نشر في 11 نونبر 2016 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !

مقالات مرتبطة بنفس القسم













عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا